هل ما زلنا بشرًا بعيون غزَّة؟
بعد هجوم "حماس" في ٧ أكتوبر/تشرين الأوَّل ٢٠٢٣ على مهرجان ريئيم الموسيقيِّ والمستوطنات في جنوب إسرائيل، كانت الاستجابة العسكريَّة من قبل الحكومة الإسرائيليَّة كارثيَّةً على الحياة الإنسانيَّة في قطاع غزَّة. فقد أدَّت حملة الجيش الإسرائيليِّ العسكريَّة في غزَّة في السنتين الماضيتَين إلى تدمير مجتمعٍ كان يعاني بالفعل. فقبل اندلاع الحرب، كانت غزَّة تعاني من معدَّلات بطالةٍ مرتفعة، وقلَّة المساعدات، نتيجة الحصار الإسرائيليِّ، ونظامٍ صحِّيٍّ تحت ضغطٍ شديد، وسوء تغذية، لا سيَّما بين الأطفال الصغار. وقد زادت الحرب من تفاقم هذه العوامل، ما أدَّى إلى تهديد السكَّان بالمجاعة، ونظامٍ صحِّيٍّ لم يعد قادرًا على العمل، بسبب نقص الإمدادات وظروف العمل غير الآمنة للعاملين. وفي العقد الذي سبق الحرب الحاليَّة، كانت غزَّة عبارةً عن جيبٍ محاصرٍ بحرًا وبرًّا وجوًّا من إسرائيل. ومنذ العام 2009، أبلغ مكتب الأمم المتَّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيَّة وغيره عن أزماتٍ إنسانيَّة خطيرةٍ ناجمةٍ عن الحملات العسكريَّة الإسرائيليَّة السابقة. بالإضافة إلى ذلك، فقد أضعفت حملات الجيش الإسرائيليِّ العسكريَّة المستمرَّة على مرِّ السنوات البنيةَ التحتيَّة الصحِّيَّة الهشَّة في غزَّة. ومع ذلك، فإنَّ الوضع الإنسانيَّ اليائس للفلسطينيِّين في غزَّة سبق الحرب الحاليَّة. فمنذ تشريدهم وتجريدهم من أراضيهم في العام ١٩٤٨ – فيما يُعرف بـ "النكبة" – شكَّل "العمل الإنسانيُّ" أحد أكثر الجوانب ثباتًا في حياة الفلسطينيِّين.
١- خلفيَّة هجوم السابع من أكتوبر السياسيَّة
عندما صرَّح الأمين العامُّ للأمم المتَّحدة أنطونيو غوتيريش بأنَّ عمليَّات قتل الإسرائيليِّين على يد "حماس" في أكتوبر ٢٠٢٣ لم تحدث من فراغ، اتَّهمه السفير الإسرائيليُّ لدى الأمم المتَّحدة فورًا بأنَّه ارتكب "افتراءً دمويًّا" ضدَّ اليهود، وطالبه بالاعتذار أو الاستقالة. غوتيريش، مثلنا، استنكر عمليَّات القتل، لكنَّه تحدّى أيضًا الادِّعاء الإسرائيليَّ بأنَّ التاريخ بدأ في السابع من أكتوبر. فوفقًا للسرديَّة الإسرائيليَّة، لا يفسِّر شيءٌ غير الكراهية الوحشيَّة ما حدث في ٧ أكتوبر، وهذا اليوم يبرِّر كلَّ ما قامت به إسرائيل منذ ذلك الحين. لقد كان ردُّ الفعل الإسرائيليِّ على خطاب غوتيريش صادمًا، خصوصًا أنَّه صدر عن حكومةٍ كانت، في تلك اللحظة، تفرض عقابًا جماعيًّا هائلًا على سكَّان غزَّة، وتقصف البيوت والمستشفيات والبنية التحتيَّة، وتقتل آلاف الأشخاص بلا تمييز، بينهم أعدادٌ لا يمكن تصوُّرها من الأطفال. وقد ذكر غوتيريش حقيقةً بسيطةً نعترف بها نحن وآلاف اليهود حول العالم، إذ خضع الشعب الفلسطينيُّ لاحتلالٍ دامَ ٥٨ عامًا، حيث شُرِّد شعبه وهُدمت منازله، وتلاشت آماله في حلٍّ سياسيّ.
هذا هو السياق الذي يفسِّر المقاومة الفلسطينيَّة. إنَّها قصَّة بدأت قبل فترةٍ طويلةٍ من الحكومة الإسرائيليَّة الحاليَّة المتطرِّفة قوميًّا والعنصريَّة. إنَّها قصَّة سلبٍ واضطهادٍ تمتدُّ إلى ما قبل تأسيس دولة إسرائيل في العام 1948 وما نتج منه من كارثةٍ فلسطينيَّة، النكبة. لقد أُغلقت الآن كلُّ السبل السلميَّة لتحقيق العدالة والحرِّيَّة والمساواة للشعب الفلسطينيّ. ومن المتوقَّع منهم الخضوع في دولةٍ يهيمن عليها اليهود، أو الفرار من أرضهم، أو الموت. إنَّ أخذ الرهائن المدنيِّين أمرٌ خطأ، لكنَّ مداهمات الجيش الإسرائيليِّ في منتصف الليل لاعتقال الفلسطينيِّين واحتجازهم من دون تهمةٍ أو محاكمةٍ لا تختلف عنه، كما يحدث بشكلٍ مستمرٍّ في الضفَّة الغربيَّة. ويجب إطلاق سراح جميع المعتقلين.
عندما تدَّعي إسرائيل أنَّها في حالة حربٍ مع "حماس"، مدافعةً عن نفسها ضدَّ الإرهاب، فإنَّها في الواقع تقوم بتطهيرٍ عرقيٍّ للشعب الفلسطينيّ، وترتكب جرائم حربٍ وانتهاكاتٍ للقانون الإنسانيّ. وتزعم إسرائيل أنَّها تحمي حياة اليهود، وتتَّهم منتقديها بمعاداة الساميَّة. لكنَّ الحقيقة أنَّها تعرِّض اليهود في جميع أنحاء العالم للخطر، من خلال ربطهم جميعًا بالحصار القاتل على غزَّة، والاحتلال غير القانونيِّ للضفَّة الغربيَّة والقدس الشرقيَّة، ونفي أكثر من ستَّة ملايين لاجئٍ فلسطينيٍّ في الشرق الأوسط وخارجه. فلا يمكن أن يكون هناك سلامٌ من دون عدالةٍ وكرامةٍ ومساواةٍ للجميع: فلسطينيِّين وإسرائيليِّين، يهودًا ومسيحيِّين ومسلمين – جميع أولئك الذين يعيشون بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسِّط.
٢- الصهيونيَّة، المسيحيَّة، ومحنة غزَّة
لقد حدثت معاناةٌ جماعيَّةٌ في أماكنَ أخرى ولا تزال تحدث. ومع ذلك، فإنَّ الأمر المدهش الذي يبدو أنَّه يميِّز أزمة غزَّة هو التواطؤ الواضح للدول التي تدَّعي أنَّها مناراتٌ للديموقراطيَّة. إنَّ الادِّعاء الذي ساد في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، بأنَّ القوى العالميَّة والإقليميَّة تعمل على ترسيخ نظامٍ ديموقراطيٍّ ليبراليٍّ يقوم على احترام القانون الدوليِّ، بما في ذلك القانون الإنسانيُّ، يبدو أنَّه فَقَدَ مصداقيَّته بالكامل أخيرًا.
قد تكون الفظائع في غزَّة، باعتبارها محرِّكًا للتطرُّف والعنف السياسيِّ، غير مسبوقة، ولن يؤثِّر ذلك على المسلمين وحدهم. ويجب أن نسأل أيضًا: لماذا توجد دولٌ تُظهر هذا القدر من اللامبالاة بحياة البشر التي تُزهق في غزَّة؟ في رأي بعضهم، فإنَّ حجم التغطية الإعلاميَّة لمعاناة الفلسطينيِّين على يد إسرائيل يدفع إلى استخدام أسلوب "وماذا عن...؟" لصرف الانتباه عن القضيَّة، لكنَّ ذلك يفتقر إلى الإنسانيَّة والرحمة. لا شكَّ في أنَّنا نشهد جرائمَ حربٍ وجرائمَ ضدَّ الإنسانيَّة على نطاقٍ واسع. وقد حدثت انتهاكاتٌ جسيمةٌ للقانون الدوليِّ، وهو ما يراه بوضوحٍ معظم الأفراد المثقَّفين.
من المهمِّ إدراك تاريخ الاضطهاد الذي شكَّل الذهنيَّة الوطنيَّة الإسرائيليَّة، والدور الذي أدّته الهولوكوست في التأثير في مواقف حلفاء إسرائيل بالولايات المتَّحدة وأوروبا. إنَّ فهم هذا التاريخ يساعدنا على استيعاب سبب استمرار الدعم الشعبيِّ الإسرائيليِّ الكبير لإجراءات حكومته في غزَّة، رغم تراجع الدعم الخارجيِّ وفقًا لاستطلاعات الرأي. هذا السياق لا يبرِّر سلوك إسرائيل، وهو مجرَّد جزءٍ صغيرٍ من صورةٍ أكبر. لكن من الواضح أنَّ الفشل في أخذ تاريخ الشعب الفلسطينيِّ وحقوقه على محمل الجدِّ أسهم في تجريدهم من إنسانيَّتهم، وكانت لذلك عواقب وخيمة.
في نظر أولئك الذين رأَوا في فكرة قيام دولةٍ لليهود أمرًا معقولًا تمامًا – مكانًا لتقرير المصير والحماية من الاضطهاد – دفعت أحداث غزَّة إلى إعادة تقييم أثر بعض تيَّارات الفكر الصهيونيِّ على الأقلّ. فقد وُصِف انتقاد الصهيونيَّة بأنَّه معاداةٌ للساميَّة، أي معاداةٌ لليهود. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى انتشار الصهيونيَّة بين اليهود، وكونها تغطِّي طيفًا واسعًا، يشمل حتَّى الصهاينة الليبراليِّين الذين ينتقدون سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيِّين. ولا تزال معاداة الساميَّة مشكلةً حقيقيَّة، كما أنَّ اليهود أصبحوا اليوم أكثر عرضةً للخطر. ومع ذلك، يجب أن ندرك أيضًا أنَّ الاتِّهامات بمعاداة الساميَّة استُخدمت بشكلٍ متزايدٍ لإسكات الانتقادات الموجَّهة لإسرائيل.
في ضوء أحداث غزَّة يجب علينا أن نتساءل عن أيِّ أيديولوجيا يمكن أن تتيح أو تسمح بهذا القدر من الدمار في الأرواح والبنية التحتيَّة. وفيما يتعلَّق بالصهيونيَّة، إذا اتَّفقنا على أنَّ جميع الناس في أيِّ دولة يجب أن يتمتَّعوا بالحقوق نفسها، بغضِّ النظر عن العرق أو الدين، فإنَّ فكرة الدولة الدينيَّة أو العِرقيَّة – أيًّا كان شكلها – يجب أن تدفعنا إلى التوقُّف والتفكير. وإسرائيل ليست استثناءً من هذه القاعدة. توجد امتيازاتٌ قانونيَّةٌ لمجموعاتٍ دينيَّة أو عرقيَّةٍ في دساتير العديد من الدول حول العالم، وقد علَّمَنا التاريخ والأخلاق أن نرفض أو نشكِّك في أيِّ نظامٍ يميل إلى إنتاج نتائج غير عادلة. وبطبيعة الحال، وُضِعت تبريراتٌ لمثل هذا التمييز، وقد تكون مقبولةً في الحالات التي تتطلَّب سياساتٍ إيجابيَّةً لرفع شأن المجموعات المهمَّشة.
في حالة إسرائيل، جاء حقُّ تقرير المصير للشعب اليهوديِّ على حساب الشعب الفلسطينيّ. وليس المقصود من ذلك التشكيك في حقِّ إسرائيل في الوجود؛ فبالإضافة إلى أيِّ اعتبارٍ آخر، تمتلك إسرائيل، بصفتها دولةً نوويَّة، القدرة على ضمان وجودها. ومع ذلك، فإنَّ المواطنين الفلسطينيِّين في إسرائيل لا يتمتَّعون بالمساواة الحقيقيَّة مع مواطنيهم اليهود، ويظهر ذلك بوضوحٍ في سياسة تخصيص الأراضي وغيرها من القضايا. أمَّا الوضع في الضفَّة الغربيَّة فهو أسوأ، إذ تستمرُّ مصادرة الأراضي الفلسطينيَّة من دون أيِّ عائقٍ من الدولة، فيما تُعبِّر معاناة أهل غزَّة عن نفسها بوضوح.
يجب على المبرِّرين لسلوك إسرائيل في غزَّة أن يواجهوا هذه المأساة المستمرَّة، وأن يتساءلوا أيضًا عن الأيديولوجيَّات التي وجَّهت هذا السلوك. فقد فُرضت عقوباتٌ على وزراء إسرائيليِّين من حزب "الصهيونيَّة الدينيَّة" وحزب "عوتسما يهوديت"، بسبب تحريضهم على العنف ضدَّ الفلسطينيِّين، ويبدو أنَّهم فعلوا ذلك ضمن إطار تفوُّقٍ يهوديّ. وقد دعا هؤلاء السياسيُّون إلى السيطرة الإسرائيليَّة الكاملة على غزَّة والضفَّة الغربيَّة، في تجاهلٍ صارخٍ للقانون الدوليّ. ورغم أنَّ آراء هؤلاء الوزراء الإسرائيليِّين قد لا تمثِّل التيَّار العامَّ، إلَّا أنَّها تؤثِّر في الرأي العامِّ داخل إسرائيل وخارجها.
هناك بعض الدبلوماسيِّين والمسؤولين الذين يستخدمون اللغة القديمة لوصف الضفَّة الغربيَّة باسم "يهودا والسامرة". وهذا يكشف عن عاملٍ غير مُقدَّرٍ بما فيه الكفاية في الدعم الذي تتلقَّاه إسرائيل، بخاصَّةٍ من الولايات المتَّحدة، وهو تأثير المسيحيِّين اليمينيِّين. فالمسيحيُّون الأصوليُّون على وجه الخصوص، وكذلك العديد من المسيحيِّين الآخرين، حاولوا مرارًا تفسير الأحداث الواردة في سفر الرؤيا في العهد الجديد، على أنَّها أحداثٌ معاصرة، ولا سيَّما السرديَّات الأبوكاليبتيَّة المتعلِّقة بإسرائيل. قد تختلف التفسيرات اللاهوتيَّة لمعنى إسرائيل بين اليهود اليمينيِّين والمسيحيِّين اليمينيِّين، لكن في جميع الأحوال، لا ينبغي تجاهل دور المسيحيِّين اليمينيِّين في فهم الدعم المقدَّم لإسرائيل، إذ كانوا أيضًا صوتًا مؤثِّرًا. إنَّ مأساة غزَّة تدفع إلى مواجهة كلٍّ من الصهيونيَّة اليمينيَّة والعقائد اللاهوتيَّة المسيحيَّة المتشدِّدة. وعلى الصعيد العمليِّ، يجب اتِّخاذ إجراءاتٍ عاجلةٍ من جميع القادرين على القيام بعملٍ ملموسٍ على أساسٍ إنسانيٍّ لوقف قتل المدنيِّين في غزَّة.
٣ - أصواتٌ يهوديَّة معارضةٌ للحرب على غزَّة
يقول سفر التثنية: "إذا حاصرت مدينة... فلا تُتلف شجرها" (٢٠: ١٩). التوراة واضحةٌ بما فيه الكفاية. حتَّى في زمن الحرب، وحتَّى في أشدِّ الظروف قسوةً، يُؤمَر اليهود بضبط النفس وممارسة التناسب. وقد توسَّع الحاخامات في هذه الفكرة على مرِّ القرون. فوصيَّة "بال تاشيت" تُحرِّم التدمير المُبذِّر، وهي ذات صلةٍ خصوصًا بالصراع العسكريِّ، لأنَّه في ضباب الحرب، يمكن البشر أن يشعروا بأنَّ تدمير أيِّ شيءٍ في طريقهم مُبرَّر. قد يجادل المدافعون عن سياسة الحكومة الإسرائيليَّة بأنَّ إسرائيل لا تتعمَّد تجويع سكَّان غزَّة، معتبرين المجاعة نتيجةً مؤسفةً للحرب، لكنَّ المصادر اليهوديَّة التقليديَّة واضحةٌ لا لبس فيها. فيشير المفهوم القانونيُّ اليهوديُّ "آدم معاد للعولام" (אדם מועד לעולם) إلى أنَّ الناس مسؤولون عن أفعالهم - حتَّى لو لم تكن نابعةً من نيَّةٍ مباشرة. وبما أنَّ التجويع نتيجةٌ متوقَّعةٌ للسياسات الإسرائيليَّة، فإنَّ إسرائيل مسؤولةٌ أخلاقيًّا بموجب التعاليم اليهوديَّة.
ليس الأمر مقتصرًا على إسرائيل فحسب، بل يشمل أيضًا أولئك الذين يمكِّنون أفعالَها. فقراءة الصحف أو متابعة التقارير التلفزيونيَّة والشعور بالقلق والحزن ليس كافيًا. فكلُّ يومٍ يحمل أخبارًا عن أطفالٍ يموتون في غزَّة جوعًا، وعن أمَّهاتٍ لا يستطعن إرضاع أطفالهنَّ الجدد، لأنَّهنَّ أنفسهنَّ يعانين من سوء التغذية، لدرجة أنَّه لا يوجد لديهنَّ حليب. أولئك الذين يردُّون على هذا الوضع الرهيب بالدفاع عن شرعيَّة الحصارات تاريخيًّا أو بالقول إنَّ إسرائيل لو أرادت حقًّا قتلهم جميعًا، لكان هناك عددٌ أكبر من القتلى، يشاركون في جريمةٍ أخلاقيَّة، وإذا لم نعترض، فنحن كذلك. ورغم أنَّ ثلاثة أرباع المجتمع اليهوديِّ الإسرائيليِّ يعتقدون أنَّ التخطيط العسكريَّ الإسرائيليَّ لا ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار معاناة السكَّان المدنيِّين الفلسطينيِّين في غزَّة، إلَّا أنَّ زيادةً طفيفةً في نسبة اليهود الإسرائيليِّين الذين يعتقدون أنَّ المعاناة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وانخفاضًا معتدلًا في عدد أولئك الذين قالوا إنَّهم غير مهتمِّين.
في سياقٍ مماثل، قام عددٌ من الحاخامات اليهود بخطوةٍ غير مسبوقة بالتحدُّث ضدَّ ما تقوم به الحكومة الإسرائيليَّة في الحرب من أفعالٍ لاأخلاقيَّة ودينيَّة[1]، بالإضافة إلى ظهور موجةٍ من الرافضين للخدمة العسكريَّة ردًّا على السخرية السياسيَّة لرئيس الوزراء الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، بحيث يدرك المزيد والمزيد من الإسرائيليِّين أنَّ المشاركة في الخدمة العسكريَّة هي تواطؤٌ مع جرائم الحكومة، معلنين رفضهم الانضمام إلى آلة الحرب، وأصبحوا يُعرفون باسم "جنود السلام"[2]. من جهةٍ أخرى، يدعو عددٌ متزايدٌ من الأكاديميِّين والكتَّاب والسياسيِّين وقادةٍ عسكريِّين متقاعدين إلى إنهاء الحرب لأسبابٍ أخلاقيَّة، متَّهمين الحكومة الإسرائيليَّة بارتكاب عمليَّات قتلٍ عشوائيٍّ وجرائم حرب[3].
هنالك العديد من المجموعات والحركات اليهوديَّة حول العالم تعبِّر عن رفضها لما يحدث في غزَّة، بعضها معارِضٌ في الأساس لفكرة دولة إسرائيل (أي حركات "غير صهيونيَّة" أو "معادية للصهيونيَّة"):
- "الصوت اليهوديّ من أجل السلام" (Jewish Voice for Peace): منظَّمةٌ أمريكيَّةٌ وصفَت نفسها بأنَّها أكبر منظَّمةٍ يهوديَّة تقدُّميَّةٍ مناهضةٍ للصهيونيَّة في العالم. نظَّم نشطاؤها احتجاجاتٍ واسعةً ضدَّ الحرب على غزَّة، من بينها مظاهراتٌ في واشنطن ونيويورك، ورفعوا شعاراتٍ مثل: "ليس باسمنا" و"أوقفوا التطهيرَ العرقيّ".
- "إذا لم يكن الآن" (IfNotNow): حركةٌ يهوديَّة أمريكيَّةٌ ناشطة، تعارض الاحتلال الإسرائيليَّ للضفَّة الغربيَّة وقطاع غزَّة. شاركت إلى جانب "الصوت اليهوديِّ من أجل السلام" في الاحتجاج أمام فندق ترامب في نيويورك، ودعت إلى وقف المجاعة، وضمان وصول المساعدات الإنسانيَّة.
- "جي ستريت" (J Street): منظَّمةٌ يهوديَّة أمريكيَّةٌ تروِّج لحلِّ الدولتين، وتدعو إلى وقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل خلال الحرب على غزَّة.
- "ناطوري كارتا" (Neturei Karta): حركةٌ يهوديَّة حريديَّة، تأسَّست في العام ١٩٣٥، ترفض الصهيونيَّة بكلِّ أشكالها، وتُنكر شرعيَّة دولة إسرائيل، وترى أنَّ إقامة دولةٍ لليهود غير مشروطةٍ إلَّا بعد مجيء المسيح.
- "نقف معًا" (Standing Together): حركةٌ مشتركةٌ يهوديَّة-عربيَّة داخل إسرائيل، نظَّمت جمع مساعداتٍ واحتجاجاتٍ مؤيِّدةٍ للتهدئة والوقف الفوريِّ للعدوان على غزَّة، وتوفير الحماية للمجتمعات العربيَّة والإسرائيليَّة المتضرِّرة من آثار الحرب.
في الوقت عينه، لا يمكننا أن نغفل مواقف الرابّي ريك جاكوبس (Rabbi Rick Jacobs)، رئيس اتِّحاد اليهود الإصلاحيِّين (Reform Union)، الذي ندَّد باستخدام تجويع غزَّة كسلاح، واصفًا ذلك بِـ "غير الأخلاقيّ"، ويخالف القيم اليهوديَّة. ففي مقالةٍ له في صحيفة الواشنطن بوست، بعنوان "أنا حاخام. تجويع غزَّة عملٌ غير أخلاقيّ. الحرب العادلة يجب أن تُخاض بوسائل عادلة"، شدَّد على أنَّ "من بين الدروس التي تعلَّمناها في السابع من أكتوبر/تشرين الأوَّل ٢٠٢٣، أنَّ "حماس" مستعدَّةٌ للتضحية بالشعب الفلسطينيِّ في حربها لتدمير إسرائيل والشعب اليهوديّ؛ لا ينبغي لإسرائيل أن تساعد "حماس" بالتضحية بمكانتها الأخلاقيَّة ... ومع ذلك فإنَّ أفعال "حماس" لا تبرِّر سياسة إسرائيل في قطع المساعدات الإنسانيَّة عن المدنيِّين الأبرياء في غزَّة"[4]. من جهتها، أصدرت حركة اتِّحاد اليهود الإصلاحيِّين بيانًا شدَّدت فيه على أنّه "لا ينبغي أن يكون أحدٌ بمنأًى عن الجوع المُتفشِّي الذي يُعاني منه آلاف الغزِّيّين. لا ينبغي لأحدٍ أن يُضيِّع جلَّ وقته في جدلٍ حول تعريفاتٍ تقنيَّةٍ للجوع والجوع المُتفشِّي. الوضع مُزرٍ، وهو مُميت. ولا ينبغي لنا أن نقبل الحجج القائلة بأنَّ "حماس" هي السبب الرئيس في تجويع الكثير من سكَّان غزَّة أو على وشك الموت جوعًا، وأنَّ الدولة اليهوديَّة ليست مسؤولةً أيضًا عن هذه الكارثة الإنسانيَّة. يجب أن تبدأ الاستجابة الأخلاقيَّة الأساسيَّة بقلوبٍ مُتألِّمةٍ في مواجهة مأساةٍ إنسانيَّة واسعة النطاق كهذه"[5].
٤ - صوت مسيحيِّي الأرض المقدَّسة
في خضمِّ كلِّ هذا أصدرت مجموعةٌ من المسيحيِّين في القدس بيانًا مفجعًا - "من الأعماق أصرخ إليك" - عبَّروا فيه عن تضامنهم مع الفلسطينيِّين الذين يعانون في غزَّة والضفَّة الغربيَّة، مناشدين إخوانهم المسيحيِّين حول العالم "الذين يرون جراحنا لكنَّهم لا ينطقون بكلمة". كما تحدَّى البيان "اليهود والمسيحيِّين الذين خُدِعوا ليصدِّقوا أنَّ الله يريد من إسرائيل ضمَّ وطننا"[6]. من أبرز المجموعات التي تأسَّست في الأرض المقدَّسة، بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأوَّل ٢٠٢٣، مجموعة "شهودٌ مسكونيُّون على المساواة والسلام العادل في فلسطين/إسرائيل". تسعى المجموعة لأن تكون مركزًا فكريًّا مسكونيًّا يشهد على رسالةٍ مسيحيَّة، ولأن تروِّج بنشاطٍ لخطابٍ يركِّز على المساواة والعدالة والسلام.
في سياقٍ مماثل، كان هناك نشاطٌ ملحوظٌ لكنائس القدس، إن في زياراتٍ ميدانيَّةٍ لقطاع غزَّة، أو في إصدار النداءات الإنسانيَّة والبيانات. أصدر بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس نداءً إنسانيًّا تحت عنوان "نداءٌ إنسانيٌّ من كنائس القدس: الدفاع عن كرامة ووجود شعب غزَّة"، في ١٤ فبراير/شباط ٢٠٢٥، أكَّدوا فيه رفضهم تهجير الغزِّيّين الجماعيّ، وحقَّهم في البقاء على أرض آبائهم وأجدادهم، وضرورة الإفراج عن الأسرى من جميع الأطراف، والدعوة إلى فتح ممرَّاتٍ إنسانيَّة عاجلةٍ وتقديم المساعدة من دون قيود، وتحمُّل المجتمع الدوليِّ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في وقف الكارثة الإنسانيَّة[7]. ومؤخَّرًا، زار بطريركا المدينة المقدَّسة پيير باتيستا بيتزابالا (اللَّاتين) وثيوفيلوس الثالث (الروم الأرثوذكس) غزَّة في زيارةٍ نادرةٍ في يوليو/تمُّوز ٢٠٢٥، معربَين عن حزنهما العميق على ما شاهداه من دمارٍ ومعاناة، وطالبا بدخولٍ سريعٍ للمساعدات، ووقفٍ للحرب فورًا، وإطلاق سراح الأسرى. وفي ٢٦ أغسطس/آب ٢٠٢٥، أصدرت بطريركيَّتا الروم الأرثوذكس واللَّاتين في القدس بيانًا مشتركًا، أكَّدتا فيه رفضَ حملات الإخلاء القسريِّ للمدنيِّين، وأشادتا بدور مصر والأردن في تقديم المساعدات الإنسانيَّة، والدعوة إلى إنهاء العنف، والبحث عن "طريق العدل" كسبيلٍ للتعافي والسلام[8].
٥ - الكرسيّ الرسوليُّ وغزَّة
في ظلِّ صمت العديد من القوى الغربيَّة على سقوط آلاف الضحايا المدنيِّين، وتدمير البنية التحتيَّة، واستهداف المستشفيات والكنائس والجوامع والمدارس، جاء موقف الڤاتيكان ليشكِّل نداءً نبويًّا أخلاقيًّا، عبَّر فيه البابا فرنسيس مرارًا عن حزنه العميق، وغضبه الأخلاقيِّ، وتضامنه مع الأبرياء. ففي أكثر من مناسبةٍ منذ اندلاع العدوان على قطاع غزَّة في أكتوبر/تشرين الأوَّل من العام 2023، أكَّد البابا أنَّ ما يحدث هو وهم الدفاع عن النفس، الذي يتحوَّل إلى إبادةٍ للمدنيِّين، وأنَّ أطفال غزَّة يصرخون، وضمير العالم صامت. كما رفض البابا أيَّ تبريرٍ يمكن أن يُضفي شرعيَّة على المجازر، مناشدًا وقفًا فوريًّا لإطلاق النار، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانيَّة، والحفاظ على حرمة دُور العبادة والمستشفيات. ورغم أنَّ الڤاتيكان لا يملك قوّةً عسكريَّةً أو تأثيرًا مباشرًا في القرارات السياسيَّة للدول العظمى، إلَّا أنَّ كلمته الأخلاقيَّة ظلَّت وستظلُّ تُذكِّر العالم بأنَّ لا سلام حقيقيًّا من دون عدالة، ولا أمن لإسرائيل من دون كرامةٍ وحرِّيَّة للشعب الفلسطينيّ.
غير أنَّ جدلًا واسعًا حول الحرب بين إسرائيل و"حماس" اجتاح الڤاتيكان ــ وهو جدلٌ دار حول كلمتَين. ففي ١٣ فبراير/شباط من العام ٢٠٢٤، تحدَّث أمين سرِّ دولة الڤاتيكان الكاردينال پييترو پارولين، عن الضربات العسكريَّة الإسرائيليَّة على غزَّة، وقال: "إنَّ حقَّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، الذي استُخدِم لتبرير هذه العمليَّة، لا بدَّ من أن يكون متناسبًا، ومع سقوط عشرات آلاف القتلى، فإنَّه بالتأكيد ليس كذلك"[9]. وسرعان ما أصدرت سفارة إسرائيل لدى الكرسيِّ الرسوليِّ بيانًا باللُّغة الإيطاليَّة، وصفت فيه تصريحات پارولين حول الردِّ "المتناسب" بـ "المستَهجَن". وكما لاحظ عالِم اللَّاهوت ماسّيمّو فاجّولي، "فإنَّ استخدام هذه الكلمة استحضر إعلان الڤاتيكان التاريخيَّ في العام ١٩٦٥ بأنَّ الكنيسة "تدين" معاداة الساميَّة بأيِّ شكلٍ من الأشكال. وضمنيًّا، كانت إسرائيل تلوم كاردينالًا على معاداة الساميَّة، وكانت تفعل ذلك وفقًا لمصطلحات الكنيسة نفسها"[10].
كان هذا أحدث حلقةٍ في الدراما المستمرَّة بشأن موقف الڤاتيكان من الحرب. ففي اليوم التالي للهجوم على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأوَّل (٢٠٢٣)، والذي قتلت فيه "حماس" وحلفاؤها أكثر من ألف ومائتي شخص، وأسروا مائتين وأربعين رهينة، تناول البابا فرنسيس الرعب بعباراتٍ عامَّة، قائلًا: "دعوا الهجمات والأسلحة تتوقَّف، من فضلكم، لأنَّه يجب أن نفهم أنَّ الإرهاب والحرب لا يؤدِّيان إلى أيِّ حلول، بل فقط إلى موت العديد من الأبرياء ومعاناتهم"[11]. وفي الأربعاء التالي، في مقابلته العامَّة الأسبوعيَّة في ساحة القدِّيس بطرس، أكَّد "حقَّ أولئك الذين يتعرَّضون للهجوم في الدفاع عن أنفسهم"، وطلب "الإفراج عن الرهائن على الفور"[12]. ثمَّ دعا الكاردينال پارولين "حماس" إلى إطلاق سراح الرهائن، لكنَّه حذَّر من أنَّه "في الدفاع المشروع لإسرائيل، لا ينبغي تعريض حياة المدنيِّين الفلسطينيِّين الذين يعيشون في غزَّة للخطر"[13]. وخلال صلاة الأحد، "التبشير الملائكيّ"، في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأوَّل، دعا فرنسيس إلى وقف إطلاق النار، قائلًا: "توقَّفوا أيُّها الإخوة والأخوات: الحرب هي دائمًا هزيمةٌ - دائمًا، دائمًا!"[14]
في ١٢ نوڤمبر/تشرين الثاني من عام ٢٠٢٤، وقَّع أكثر من أربعمائة حاخامٍ وعالمٍ مشاركٍ في الحوار بين الأديان على رسالةٍ مفتوحةٍ حثُّوا فيها البابا فرنسيس على "مدِّ يد التضامن مع المجتمع اليهوديِّ" - على سبيل المثال، من خلال التمييز بين "مذبحة "حماس" الإرهابيَّة التي تهدف إلى قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من المدنيِّين" وبين "الخسائر المدنيَّة في حرب إسرائيل للدفاع عن النفس".
وفي الأسبوع التالي، التقى البابا فرنسيس بعشرة أقارب للرهائن، ثمَّ التقى بعشرة أقارب لفلسطينيِّين قُتلوا أو سجنوا على يد إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأوَّل. وبعد خروجهم من اجتماعهم، أخبر الفلسطينيُّون الصحافيِّين أنَّ البابا فرنسيس تحدَّث عن حملة إسرائيل باعتبارها "إبادةً جماعيَّة". ونفى المتحدِّث باسم الڤاتيكان ماتيو بروني في وقتٍ لاحقٍ أن يكون البابا قد فعل ذلك. ثمَّ ذكرت صحيفة "واشنطن پوست" أنَّ البابا فرنسيس أخبر الرئيس الإسرائيليَّ إسحاق هرتسوچ خلال مكالمةٍ هاتفيَّةٍ في أكتوبر/تشرين الأوَّل أنَّ "الردَّ على الإرهاب بالإرهاب محظور". وفي رسالةٍ إلى "إخوانه وأخواته اليهود في إسرائيل"، بتاريخ الثاني من فبراير/شباط، أكَّد فرنسيس أنَّ "العلاقة التي تربطنا بكم هي علاقةٌ خاصَّةٌ وفريدة، من دون أن تحجب، بطبيعة الحال، العلاقة التي تربط الكنيسة بالآخرين والالتزام تجاههم أيضًا"[15]. كانت الاستجابة لرسالته ضئيلةً وخافتة. فقد لاحظ جون ألين جونيور، محرِّر مجلَّة كروكس، "لا يبدو أنَّ العديد من القادة الإسرائيليِّين واليهود يميلون إلى بذل قصارى جهدهم للإشادة برسالة البابا، رغم أيِّ تقديرٍ قد يشعرون به لمحتوياتها - ما يشير إلى أنَّ التوتُّرات التي نشأت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوَّل في العلاقة مع الكاثوليكيَّة لن تهدأ بسهولة".
خاتمة
إذن، منذ ٧ أكتوبر/تشرين الأوَّل ٢٠٢٣، انطلق مستوًى جديدٌ من العنف؛ عنفٍ متطرِّف لا يمكن أن يحدث إلَّا عندما يسيطر الخوف والكراهية على نظرتنا للآخرين ومعاملتنا لهم. للأسف، فقدنا عشرات الآلاف من الأرواح، وسيُزهق المزيد ما لم يتَّخذ جميع المعنيِّين نهجًا مختلفًا تمامًا؛ نهجًا يدين بشكلٍ قاطعٍ استخدام العنف ضدَّ جميع المدنيِّين الأبرياء، ولكنَّه يدين أيضًا، ويكافح، تآكل أبسط مقوِّمات الإنسانيَّة والكرامة، المصاحب للاحتلال، والسيطرة على الشعوب ضدَّ إرادتها، وحرمانها من حقِّ تقرير المصير.
يجب أن نشعر جميعًا بالقلق، عندما يُخبرنا الفلسطينيُّون بخشيتهم من أن يؤدِّي التطهير العرقيُّ إلى نكبةٍ ثانية، وبخاصَّةٍ عندما تبدو أفعال الحكومة الإسرائيليَّة وأقوالها مُؤكِّدةً لذلك. وبالمثل، يجب أن ننصت إلى الجاليات اليهوديَّة في جميع أنحاء العالم، عندما تُعبِّر عن خوفها في مواجهة تجدُّد معاداة الساميَّة. يُعاني كلا الشعبَين من ذكرياتٍ جماعيَّةٍ وصدمة فقدان الماضي والخوف الوجوديّ. وهذا ليس خفيًّا؛ بل هو جرحٌ مفتوحٌ مُلتهبٌ يُشكِّل أساسًا لكثيرٍ من دوافع الأفعال في كلا المجتمعَين. وهذا لا يُبرِّر الجريمة - الواضحة في غزَّة - ولكنَّه يُذكِّرنا بتعقيد هذا الوضع الذي تعود أصوله إلى الاستعمار الأوروپيّ والعنصريَّة. فلم يأتِ السابع من أكتوبر/تشرين الأوَّل من فراغ. من الضروريّ إدراك أنَّه ما لم يُمنح الفلسطينيُّون الحقوق نفسها التي يتمتَّع بها جيرانهم الإسرائيليُّون ولم يُعامَلوا على قدم المساواة، فإنَّ الصراع العنيف سيتعمَّق. ونعلم أنَّه - مهما اختلقنا من رواياتٍ تُعمِّد التعتيم أو التبرير أو شيطنة الطرف الآخر - فإنَّ الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين عالقون في علاقةٍ غير متكافئة، مختلَّة، ومدمِّرة.
إنَّ التجويع المتعمَّد والتهجير والتدمير الممنهج لأهل غزَّة، وللظروف الأساسيَّة لبقائهم، ليس حربًا. إنَّه ليس حربًا على "حماس". إنّه عملٌ شنيع، قسوةٌ في أبشع صورها المدروسة - إبادةٌ بطيئةٌ ووحشيَّةٌ لا لشعبٍ فحسب، بل لإمكانيَّة الحياة نفسها. إنَّه يتحدَّانا جميعًا لنتساءل عن معنى أن تكون إنسانًا. إنَّه يجعلنا، بأكثر الطرق تحدِّيًا، ندرك ما يمكن أن تُطلقه حلقةٌ مفرغةٌ من الصدمات تُدمِّر البشر وكرامتهم. ويدعونا لكسر هذه الحلقة، وتحمُّل المسؤوليَّة، والتحرُّك. فحرمان شعبٍ من الطعام والماء والمأوى والأمان هو تدميرٌ يتجاوز مجرَّد أجسادٍ وعقول، بل هو اعتداءٌ على الأمل والذاكرة والمستقبل. إنَّ هذه الأفعال، المرتكَبة على مرأى ومسمعٍ من العالم، ترقى إلى جريمةٍ ضدَّ الإنسانيَّة - إبادةٌ جماعيَّةٌ لا لشعبٍ فحسب، بل لإنسانيِّتنا المشتركة. جميعنا في جميع أنحاء العالم، ولأجيالٍ قادمة، متأثِّرون بها.
يُعَدُّ تطبيع مذبحة الأطفال - بتدمير أجسادهم وعقولهم، وإنكار إنسانيَّتهم، وإخفاء أسمائهم، واعتبار موتهم مجرَّد ذريعة - من أكثر العلامات المروِّعة لهذا الانحدار الأخلاقيّ. فعندما يعتاد العالم على مشهد الأطفال الأموات يُنتَشلون من تحت الأنقاض، ويُحرَقون أحياءً، ويُمزَّقون إلى أشلاء، فإنَّ الأرواح لا تُفقد فحسب، بل روح إنسانيَّتنا المشتركة. هذه ليست أزمةً سياسيَّة، بل كارثة أخلاقيَّة. تدهورٌ للكرامة الإنسانيَّة. إذا لم يستجب المجتمع الدوليُّ بسرعة، فإنَّه يُقرُّ بمحو القيم الأساسيَّة والمبادئ الوجوديَّة للحياة التي تربطنا كبشر. لا ينبغي أبدًا تبرير الانحلال الأخلاقيِّ بأيِّ أيديولوجيّةٍ سياسيَّة أو دينيَّة، ولا ينبغي أبدًا تبريره بالجشع الماليّ لمن يُوفِّرونه. هذه هي اللعنة التي أدَّت إلى أهوال القرن العشرين.
ويبقى السؤال المطروح علينا جميعًا: هل ما زلنا بشرًا في عيون غزَّة؟
الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى: راهب مخلِّصيٌّ من بيت ساحور - فلسطين. دكتور في لاهوت الكتاب المقدَّس، وباحثٌ في الدِّراسات المسيحيَّة الشَّرق أوسطيَّة. له عدَّة كتبٍ ومقالاتٍ منشورة، ومنها: المسيحيُّون الفلسطينيُّون: أصالةٌ وطنيَّة وخصوصيَّة دينيَّة وصوتٌ جامع ودورٌ يفوق العدد؛ ابن هذا الشَّرق: دراسةٌ في الوجود المسيحيِّ في الشَّرق في القرون السِّتَّة الميلاديَّة الأولى؛ المسيحيُّون في الشَّرق الأوسط: براديغمٌ جديدٌ لتحليل إشكاليَّات الوجود والمستقبل.
[1] Elizabeth Dias and Lisa Lerer (2025, August 27). Rabbis Emerge as Growing Voice of Criticism of Israel’s Tactics in Gaza. The New York Times.
https://www.nytimes.com/2025/08/26/us/rabbis-gaza.html
[2] Dr. Ofer Cassif (2025, August 23). Protests in Tel Aviv, army reservists refusing to serve: in Israel, more of us are saying no to this endless war. The Guardian.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2025/aug/25/israel-protest-tel-aviv-army-war-gaza?utm_ source=chatgpt.com
[3] Angelina Sofranac (2025, July 29). Resistance grows in Israel: “Revenge is not politics, this is a war of annihiliation.” Vijesti Online.
https://en.vijesti.me/world-a/globus/768592/Resistance-is-growing-in-Israel--revenge-is-not-politics--this-is-a-war-of-destruction
[4] Rick Rabbi Jacobs (2025, May 12). I’m a Rabbi. Starving Gaza is immoral. The Washington Post.
https://www.washingtonpost.com/opinions/2025/05/12/gaza-aid-israel-rick-jacobs-rabbi/
[5] Union for Reform Judaism. (2025, June 27). Reform Movement Statement on Starvation in Gaza. Press Room.
https://urj.org/press-room/reform-movement-statement-starvation-gaza
[6] شهودٌ مسكونيُّون: إخراج الفلسطينيِّين من وطنهم هو خطيئةٌ وتدنيسٌ للأرض المقدَّسة. (٢٠٢٥، ٣ نيسان). موقع أبونا.
https://www.abouna.org/content/شهود-مسكونيُّون-إخراج-الفلسطينيِّين-من-وطنهم-هو-خطيئة-وتدنيس-للأرض-المقدّسة
[7] Patriarchs and Heads of Churches. (2025, February 14). A Humanitarian plea from the Churches of Jerusalem: Defending the dignity and presence of the People of Gaza. Latin Patriarchate of Jerusalem.
https://www.lpj.org/en/news/a-humanitarian-plea-from-the-churches-of-jerusalem?utm_source=chatgpt.com
[8] بيانٌ مشتركٌ لبطريركيَّة الروم الأرثوذكس المقدسيَّة والبطريركيَّة اللاتينيَّة في القدس. (٢٠٢٥، ٢٦ آب). Vatican News.
https://www.vaticannews.va/ar/church/news/2025-08/gaza-patriarcato-greco-ortodosso-latino-gerusalemme.html?utm_source=chatgpt.com
[9] Matthew Santucci (2024, February 15). Israeli Embassy criticizes Cardinal Parolin’s remarks on civilian death toll in Gaza. Catholic News Agency.
https://www.catholicnewsagency.com/news/256846/israeli-embassy-criticizes-cardinal-parolin-s-remarks-on-civilian-death-toll-in-gaza?utm_source=chatgpt.com
[10] Paul Elie (2024, February 26). The Vatican and the War in Gaza. A Rhetorical dispute between the Church and the Israeli government shows the limits – and the possibilities – of the Pope’s role in times of conflict. The New Yorker.
https://www.newyorker.com/news/daily-comment/the-vatican-and-the-war-in-gaza?utm_source=chatgpt.com
[11] Pope Francis. (2023, October 08). Pope prays for peace in Israel and Palestine: ‘Every war is a defeat.’ Vatican News.
https://www.vaticannews.va/en/pope/news/2023-10/pope-at-angelus-war-is-a-defeat-every-war-is-a-defeat.html?utm_source=chatgpt.com
[12] Pope Francis. (2023, October 11). Pope condemns terrorism, but express concern for Gaza civilians. United States Conference of Catholic Bishops.
https://www.usccb.org/news/2023/pope-condemns-terrorism-expresses-concern-gaza-civilians?utm_source=chatgpt.com
[13] كاردينال پييترو پارولين (٢٠٢٣، تشرين الأوَّل ١٣) "الكاردينال بارولين يناشد حماس الإفراج عن الرهائن ويحثُّ إسرائيل على حماية المدنيِّين الأبرياء في غزَّة". Vatican News.
https://www.vaticannews.va/ar/vatican-city/news/2023-10/intervista-cardinal-parolin-gaza.html?utm_source=chatgpt.com
[14] Pope Francis. (2023, October 29). Angelus. The Holy See.
https://www.vatican.va/content/francesco/en/angelus/2023/documents/20231029-angelus.html?utm_source=chatgpt.com
[15] Pope Francis. (2024, February 2). Letter of the Holy Father Francis to Jewish Brothers and Sisters in Israel. The Holy See.
https://www.vatican.va/content/francesco/en/letters/2024/documents/20240202-lettera-ebrei-in-israele.html?utm_source=chatgpt.com
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق