article_cover_image

يسعى زياد إلى نجوميَّة النصِّ من دون تسخير نجوميَّته لأمور مادِّيَّة (من كتاب زمن زياد).

author_article_image

الأستاذ طلال شتوي

زمن زياد "قديش كان في ناس"



"كانت بيروت ملتقى كلِّ التيَّارات الفكريَّة والسياسيَّة والثقافيَّة والفنيَّة. كانت هناك الاشتراكيَّة والليبراليَّة والبرجوازيَّة بكلِّ درجاتها وأبعادها. في إطار هذا المناخ، كان وعي زياد الأوَّل "للخارج"، الذي هو المدينة والوطن والعالم، وهو الوعي الذي سيؤسِّس لخيارات في الفنِّ، ولانتماءات في الفكر والثقافة، ولأساليب عيش.

اليوم وأكثر من أيِّ يوم مضى، من السهل القول إنَّ بيروت التي عاش فيها زياد لم تكن مكتملة وجاهزة وتنتظر قدومه. لقد ساهم في صنعها. ومن المجازفة القول إنَّها لم تعمِّر طويلًا. لم يفت الأوان بعد. ربَّما لم يأت أوان إعلان موتها. هذا، في حدِّ ذاته، نوع من الحياة.

خلال العقد الملتبس من عمر بيروت، والذي يمكن حصره في أواسط الستِّينيَّات وأواسط السبعينيَّات من القرن الماضي، توسَّع "قلب المدينة" ومركزها، أو ما يسمِّيه اللبنانيُّون "البلد". خرج من "ساحة البرج" و"سوق الطويلة" و"باب إدريس" ليتَّصل بشوارع "رأس بيروت"، "الحمرا" و"الروشة" و"عين المريسة" و"الصنائع". عمليًّا، اتَّصلت نهضة الخمسينيَّات بالعصر. كبُر دور بيروت. تلاصقت الفنادق والمسارح وصالات السينما والمكتبات والجامعات والمصارف والمقاهي والمستشفيات والخمَّارات ودُور النشر والصحف والأحزاب ومخازن الثياب، في بقعة جغرافيَّة تتيح لسكَّانها الأصليِّين والوافدين خيارات شتَّى.

خلال أقلَّ من سنتين أنهت الحرب الأهليَّة دور بيروت كمركزٍ لفقراء الطوائف اللبنانيَّة وأغنيائها، وكمنصَّة للأدب والشعر والفنِّ والسياسة، وكمكان للحوار واللقاء والاختلاف والائتلاف. انتهى "البلد" كمشروع ثقافيٍّ واجتماعيٍّ طَموح ومرتجَل. استمرَّ "شارع الحمراء"، كمشروع بديل" يقاوم. من دون أن يخطِّط، سينتمي زياد إلى "قلب المدينة" الأخير، وسيعيش في "الحمراء" في التوقيت المناسب "لهما" هو و"الحمراء".

هناك بشر مميَّزون، وزياد منهم. بهذا التبسيط العميق، يفسِّر جوزف حرب مكوِّنات زياد الفكريَّة الأولى. لم يكن بحاجة لأن يركب الطائرة ويذهب إلى أميركا، لكي يعرف أميركا. لم يكن بحاجة لأن يقرأ كلَّ لينين، لكي يعرف لينين. لم يكن بحاجة لأن يدخل كلَّ بيوت الفقراء، لكي يعرف ما هو الفقر. كان لديه ذلك المخزون الداخليّ الثريّ، وتلك القدرة المذهلة على التفكير والتحليل، لكي يتَّخذ موقفه من كلِّ القضايا ويختار. ومن ثمَّ يضيف إلى هذا الاختيار...".

"لا ينكر زياد أنَّه، بشكل أو بآخر، "نجم". يجزم بأنَّ نجوميَّته لا علاقة لها بالموسيقى، وأنَّ الموسيقى لا تصنع نجومًا. نجوميَّته، كما يقول، سببها "الحكي" سواء في الإذاعة، أو عبر المسرح، أو حتَّى في اللقاءات والحوارات الصحافيَّة. ولكن، حتَّى هذه النجوميَّة لا يبدو قادرًا على التصالح معها، في مجتمع صغير مثل المجتمع اللبنانيّ، وفي مدينة تشبه الحيَّ الكبير مثل بيروت. كثيرًا ما يتجنَّب التواجد على الطرقات، مفضِّلًا البقاء في المنزل، لدرجة، يقول، أكاد أتحوَّل إلى "ناسك" على غرار ميخائيل نعيمة، مع فرق أنَّه كان يمارس نسكَه في عرزاله في "الشخروب"، أمَّا أنا فعالق في غرفة صغيرة في بيروت.

ليس من يفهم علاقة زياد بالنجوميَّة أكثر من جوزف حرب. يؤكِّد أنَّ زياد يسعى إلى نجوميَّة النصِّ، أو ما يمكن أن نسمِّيه نجوميَّة العمل الذي ينجزه. وهذا يتطلَّب منه الابتعاد عن الأنظار، وبالتالي يندر أن يراه الناس، أو أن يلتقوه، أو حتَّى أن يصادفوه في الشارع أو في مكان عامّ، ليس لأنَّه شخص متعجرف، وليس لأنَّه يكره الناس، بل لأنَّ زياد، وحين ينتهي من نجوميَّة نصّ، سواء كان أغنية أو مسرحًا أو موسيقى، فإنَّه ينسحب، وراءه تصفيق الناس، وأمامه ذاك العتم الذي يحتاج إليه لكيلا يراه أحد، ويقبع في البيت منشغلًا على نجوميَّة نصٍّ جديد. وزياد إنسان يحبُّ الحياة، يقول جوزف، ويحبُّ البيت الجميل، ويحبُّ أن يعيش مرتاحًا، ويحبُّ أن يمتلك سيَّارة جميلة، وربَّما يحبُّ أن يسافر ويجول في العالم سائحًا. لكنَّه، يحبُّ كلَّ ذلك شرط أن يكون لديه المال اللازم لفعل كلِّ ذلك، من دون تسخير نجوميَّته للحصول على هذا المال.

هل أنت إنسان سعيد؟ كان هذا سؤالي الأخير. أجابني: هل هناك إنسان سعيد؟"[1].





 الأستاذ طلال شتوي: كاتب وإعلاميّ. مُجاز بالإعلام من الجامعة اللبنانيَّة. له تجربة ثريَّة في الإعلام وإنتاج البرامج التلفزيونيَّة التي أسَّست لخطٍّ جديد في برامج الحوارات المتنوِّعة Talk show، مثل برنامج "الليل المفتوح"، وتجربة أخرى عريقة في الصحافة، أثمرت عن تأسيس مجلَّة مرايا المدينة، وترؤّس تحرير عدد من المجلَّات الفنيَّة في لبنان من بينها الحسناء. لديه خمسة مؤلَّفات تحاكي الزمن الجميل، ومنها: زمن زياد "قديش كان في ناس"، وبعدك على بالي، وهذا الأزرق أنا، وغيرها.





[1]   انظر كتاب طلال شتوي، زمن زياد "قديش كان في ناس"، ط.4 (بيروت: دار الفارابي، 2018)، 39-40 ، 68-69. (بإذن من الكاتب).

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق