article_cover_image

تظهر المواطَنة في شكلها المثاليِّ عندما يستطيع الناس "تشكيل مجتمعٍ من متساوين يجمعهم رابط الأخلاقيَّات".

author_article_image

الدُّكتور نمر فريحه

المواطَنة واللَّامواطَنة ودور المؤسَّسة التربويَّة


1 - مقدِّمة

المواطَنة هي العامل القانونيُّ والوجدانيُّ الذي يربط المواطن بوطنه. وقد عرفَت نسبة ضئيلة من مجتمعات العالم قديمًا هذا المفهوم وعاشته. والتاريخ ينقل لنا حالتَين فحسب: المواطَنة في أثينا ضمن الديموقراطيَّة المباشرة، والمواطَنة في روما ضمن نظامٍ جمهوريٍّ محصور بالرومان (508 ق. م. -30 ق. م.)، سمح بمنح المواطَنة لبعض الأجانب الذين احتلَّت روما بلدانهم، وخدموا في الجيش. وقد تلاشت المواطَنة في العصور الوسطى عندما سيطرت المؤسَّسة الدينيَّة على المجتمع من جهة، وتواجدت أنظمة سياسيّة ملَكيَّة مطلقة لا تعترف بحقوق الرعايا كمواطنين كما يُستخدم التعبيران اليوم. لكن بعد معاهدة وستفاليا بين القوى الأوروبيَّة في العام 1648، والتي أنهت الحروب فيما بينها، ووضعت حجر الأساس لنشوء الدولة - الأمَّة (Nation-state)، برزت خصائص كلِّ مجتمع في بقعته الجغرافيَّة. وقد أصبحت هويَّته اللغة المشتركة، والثقافة المشتركة بين أفراد المجتمع المنسجم (Homogeneous) نسبيًّا. وهكذا كانت نشأة الدولة - الأمَّة الأساسَ لنشوء الوطن لاحقًا. وعندما نستخدم تعبير مواطن، فهو من ينتسب إلى وطن محدَّد، واستخدام تعبير مواطَنة منسوب إلى مواطن. وهذه السلسلة المترابطة تُرى كالآتي:

مجتمع ودولة قديمة ß مجتمع ودولة-أمَّة، أي مجتمع ودولة حديثة قائمة على المؤسَّسات ß وطن له مقوِّماته.


2 - المواطَنة وأهمِّيَّتها في الدولة الحديثة

 اقتبست مجتمعات كثيرة غربيَّة وشرقيَّة ما حدث في أوروبا بعد معاهدة وستفاليا، وركَّزت على تطوير مؤسَّساتها وتوزيع صلاحيَّات الحكم عليها بدل حصرها بشخص الملِك والأمراء ورجال الإقطاع. وبدأت مرحلةٌ مهمَّة على صعيد المجتمع بأنَّه تحوَّل تدريجيًّا من مجتمع رعايا إلى مجتمع مواطنين، بعد نضال سلميٍّ من الشعب ضدَّ سلطة الحكَّام قبل وستفاليا وبعدها. والحدث التاريخيُّ الكبير كان الثورة الفرنسيَّة في العام 1789، التي أطاحت بالنظام الملَكيِّ وقدَّمت أفكارًا تقدُّميَّة أثَّرت في مختلف أنحاء العالم، وصبَّت في إطار المواطَنة التي تستند إلى المساواة بين المواطنين بغضِّ النظر عن خلفيَّاتهم الدينيَّة والعرقيَّة والثقافيَّة.

وكانت الثورة الأمريكيَّة ضدَّ الاستعمار البريطانيِّ قد سبقت الثورة الفرنسيَّة، وقدَّمت مبادئ مشابهة في حقوق المواطن، والحرِّيَّة، والعدالة، وغيرها. لكنَّ تأثيرها عالميًّا لم يكن كالثورة الفرنسيَّة. وقد أولى "الآباء المؤسِّسون" في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة اهتمامًا خاصًّا للمواطَنة والمدرسة التي أسمَوها "الوعاء الصاهر" (Melting pot) بأن تنشِّئ الأطفال من أصول مختلفة وتعلِّمهم اللغة الإنكليزيَّة، والجغرافيا الأمريكيَّة، والتاريخ الأمريكيَّ بالرغم من حداثته، والتاريخَ الأوروبيَّ، وغيرها من المعارف ليتخرَّجوا من مدارسهم "أمريكيِّين"، يحملون الهويَّة الأمريكيَّة، ويفتخرون بأمريكا، ويتكلَّمون لغة واحدة هي الإنكليزيَّة، لكن من دون طمس ثقافاتهم الثانويَّة التي هي ثقافة العائلات التي أتَوا منها. لكن استمرَّ التمييز ضدَّ السود، وهذا مناقض لمبدأ المساواة الذي ترتكز عليه المواطَنة، فعملت الحكومات المتعاقبة باستمرار على هذا الموضوع إلى أن توصَّلت إلى إلغائه من قوانينها في بداية 1960 تقريبًا.


3 - وسائل تنشئة الأجيال على المواطَنة

هناك عدَّة مؤسَّسات في أيِّ مجتمع تساهم في تنشئة الأجيال مواطنيًّا. لكن عندما نقول مواطنة، نفكر أوَّلًا في المؤسَّسة التربويَّة التي اسمها "مدرسة". إنَّها المؤسَّسة المؤهَّلة لتشكيل تلامذتها كمواطنِي المستقبل. ولا نهمِّش دور الجامعة في هذا المجال لأنَّ طلَّابها يكونون أكثر نضجًا ولديهم المهارات والمعارف لينخرطوا بعمق في مواضيع وأنشطة تخصُّ المواطَنة بدءًا من مناقشتها كمفهوم وصولًا إلى المشاركة في شؤون مجتمعهم الوطنيِّ ككلّ. وإلى جانب المدرسة والجامعة، هناك المعاهد التربويَّة بأشكالها كافَّة. ولا ننكر دور باقي المؤسَّسات المجتمعيَّة في التنشئة المواطنيَّة كالأسرة، والكنيسة أو المسجد، ورفاق اللعب، ووسائل الإعلام خصوصًا التكنولوجيَّة، والتي تقوم بأدوارها المؤثِّرة في فترة نموِّ المتعلِّم، وحتَّى في سنِّ رشده.

فالعائلة هي مجتمع الطفل الأوَّل، وفيها يتعلَّم أمورًا كثيرة قبل انتسابه إلى المدرسة التي ترافق نموَّه الفكريَّ والجسديَّ، وتزوِّده بالمعارف والمهارات والاتِّجاهات التي تساعده في تكوين شخصيَّته العلميَّة والوجدانيَّة. ويتداخل دور هاتَين المؤسَّستَين ما يسبِّب إرباكًا لدى المدرسة عندما تتعارض الآراء والتوجُّهات بالنسبة إلى التربية المواطنيَّة. والمؤسَّسة الدينيَّة لها دورها في تعليم التلميذ ما يتعلَّق بالدين من عقائد وطقوس، وقد تتعارض هذه التعاليم مع توجُّهات المواطَنة التي تقوم على مبدأ المساواة، بينما المؤسَّسة الدينيَّة لا تدعو إلى ذلك. ورفاق اللعب أو الأقران لهم تأثير كبير في تشكيل توجُّهات بعضهم في بعض، خصوصًا في فترة المراهقة. وتبقى وسائل الإعلام التي تؤدِّي دورًا مهمًّا ودقيقًا فيما تقدِّمه من معلومات للمتعلِّمين والمجتمع بشكل عامّ، وباتت قادرة أكثر في عصر التكنولوجيا على الوصول إلى أيِّ فرد لتؤثِّر في مواقفه وقناعاته وبالتالي قراراته.   

تبقى أدوار هذه المؤسَّسات بسيطة مقابل دور المؤسَّسة التربويَّة التي يُمضي فيها المتعلِّم ما لا يقلُّ عن اثنتَي عشرة سنة، وهي فترة كافية لتشكِّل شخصيَّتَه بالشكل الذي تريده.

فما يمكن المدرسة فعله في تربية تلامذتها وطلبتها على المواطَنة؟

المدرسة الواعية لدورها في حقل المواطَنة، تنظِّم مناهجها وأنشطتها واستراتيجيَّات تدريس الطلبة كي تكون الوسائطَ الصحيحة لبناء شخصيَّة المتعلِّم كمواطن. كذلك للمعلِّم دور أساسيٌّ لأنَّه هو العنصر البشريُّ القادر على إدارة هذه العمليَّة التربويَّة بنجاح، وإذا شاء فقد يجعلها فاشلة. لذلك تُعدُّ المدرسة بعناصرها الإداريَّة والتعليميَّة المحرِّك الرئيس في عمليَّة التربية المواطنيَّة بمجالاتها الأربعة التي تتداخل مع المناهج، والتي تتطلَّب كفاءات تدريسيَّة لمساعدة المتعلِّمين على اكتساب عناصرها وتطبيقها في حياتهم الشخصيَّة أو الاجتماعيّة أو الوطنيَّة. هذا بالإضافة إلى تمتُّعها ببعض الحرِّيَّة في تطبيق مناهجها بحسب البيئة الاجتماعيّة التي تتواجد فيها.


4 - مجالات المواطَنة والمناهج

أربعة مجالات تشكِّل التربية المواطنيَّة: المجال المعرفيُّ، والمجال المهاريُّ، والمجال الوجدانيُّ أو القيميُّ، ومجال المشاركة المجتمعيَّة. فالمعرفيُّ هو ما يرغب أصحاب القرار في أن يكتسبه المتعلِّم من معلومات عن وطنه، وهي متوافرة في الموادِّ الدراسيَّة كالتاريخ والجغرافيا والتربية المدنيَّة واللغة وغيرها؛ والمجال المهاريُّ هو المهارات بأنواعها كافَّة، أكانت جسديَّة أو فكريَّة أو سيكو-حركيَّة؛ والمجال القيميُّ الذي يشتمل على القيم الوطنيَّة والقيم الاجتماعيّة التي يثمِّنها المجتمع، ويريد لأبنائه أن يكتسبوها. أمَّا مجال المشاركة فيتمثَّل في انخراط المتعلِّم في شؤون بيئته المجتمعيَّة المحليَّة ليجسِّد ما اكتسبه في المجالات الأخرى.

ولا تكون المواطَنة موجودة وفاعلة بشكل هوائيٍّ في المؤسَّسة التربويَّة، بل تكون عنصرًا متوافرًا في المناهج الدراسيَّة والأنشطة المدرسيَّة، وبشكل هادف ومخطَّط له. ويكون القيِّمون على وضع المناهج على قناعة بموقع التربية المواطنيَّة في العمليَّة التربويَّة التي تأخذ موقعها في المدرسة أو الجامعة. لذلك فإنَّ أولى حجارة البناء التربويِّ تكون في عمليَّة وضع مناهج دراسيَّة بشكل سليم تُحاكي واقع المجتمع وحاجاته من جهة، وتأخذ بعين الاعتبار التطوُّرات الحاصلة على الصعيد العالميِّ من جهة أخرى كي لا تُخرِّج المؤسَّسةُ التربويَّة طلَّابًا وكأنَّهم مُعدُّون للماضي خصوصًا في عصر التكنولوجيا الذي نعيشه.

ولن ندخل بتفاصيل محتوى مناهج التعليم ما قبل الجامعيِّ والجامعيِّ، بل نكتفي بالإشارة إلى دورها الفعَّال عند تطبيقها بنجاح في تأمين المتوقَّع منها بالنسبة إلى المتعلِّم والمعلِّم من خلال عناصرها الأربعة: الأهداف، والمحتوى، واستراتيجيَّات التدريس، والتقييم. إذ في كلِّ عنصر يمكن وضع مواضيع مواطنيَّة يتمُّ اختيارها من المجالات التي ذكرنا. وهذا ما يعلِّق عليه المجتمع الواعي والمشارِك في إدارة البلد آمالَه لتكون مخرجات المناهج التي تطبَّق على أبنائه تحاكي توقُّعاتِه وإرادته: متعلِّمون ومواطنون مسؤولون في مجتمعهم ووطنهم. وهؤلاء المواطنون ينتمون بهويَّتهم إلى البلد الذي ولدوا فيه أو اكتسبوا جنسيَّته، وتربطهم به علاقة وجدانيَّة تتمثَّل بالانتماء إلى الوطن، والولاء له، والافتخار به، ومحبَّته. فالشقُّ الأوَّل مادِّيٌّ تجسِّده الهويَّة أو جواز السفر، بينما الشقُّ الثاني لا يُرى ولا يُلمس لأنَّه في وجدان الإنسان ومشاعره. لكنَّ غياب أيِّ رابط منهما (المادِّيِّ أو المعنويِّ)، يعني أنَّ المواطَنة غير متوافرة، وبدأت اللَّامواطَنة  تأخذ موقعها لدى الفرد أو المجموعة.


5 - اللَّامواطَنة

مفهوم "اخترعناه" حديثًا بعد مراقبة الأحداث ومتابعتها في مناطق مختلفة من العالم، وما يُقال بشأن كلِّ موضوع خلافيٍّ هنا وهناك، أو ما يحدث في هذه المنطقة أو تلك. نقول اخترعناه لأنَّ هذا التعبير غير متوافر في أدبيَّات المواطَنة والتربية عليها. بينما في الواقع يمكن رصد حالات كثيرة تظهر فيها اللَّامواطَنة بشكل جليّ[1].

فاللَّامواطَنة هي عكس المواطَنة. تتواجد الأولى حيثما لا تتواجد الثانية، وتعني انفصال الفرد وجدانيًّا عن وطنه، وبالتالي انعدام وجود الولاء والإخلاص للوطن الذي يحمل هويَّته لأنَّهما ليسا ملموسَين، بل هما قيمٌ ومشاعر يمكن الإنسان أن يتظاهر بوجودها في حين أنَّه فعليًّا لا يتحلَّى بها. وفي حالات أخرى، تكون المواطَنة غير موجودة منذ إنشاء دولة ما، وهكذا تشغل اللَّامواطَنة المساحةَ المفترض أن تكون للمواطنة؛ أو تكون المواطَنة قد ضعُفت جدًّا حدَّ اختفائها وحلول اللَّامواطَنة بدلًا منها لدى أفرادٍ سبق وتمتَّعوا بصفة المواطَنة.

فكما للمواطَنة شروط وظروف ومظاهر وممارسات، كذلك الأمر بالنسبة للَّامواطنة. ويمكن اختصار الفكرة بأنَّ ما هو عكس أيِّ عنصر من عناصر المواطَنة، يكون عنصرًا في اللَّامواطَنة. ونبدأ مع البدهيَّات:

- عدم قيام المواطن بواجباته في الوقت الذي يلحُّ فيه للحصول على حقوقه.

- عدم اكتراثه بمبادئ الديموقراطيَّة إذا كان يعيش في نظام كهذا، بل يستغلُّها ليعمل ضدَّها.

- عدم ولائه لوطنه.

- عدم المشاركة في شؤون بيئته المجتمعيَّة.

- عدم الاعتزاز بوطنه ورموزه، بل بتحقيرها قولًا أو فعلًا.

- التعبير عن رفضه الاعتراف ببلده كبلد مستقلٍّ وذي سيادة[2].

ويمكن زيادة بعض العناصر على ما ذكرنا للتَّوّ.

بين المواطَنة واللَّامواطَنة: وبما أنَّ المواطَنة مرتبطة بوجود وطن، وبالتالي فإنَّ اللَّامواطَنة مرتبطة بعدم وجود وطن فعليًّا وضمن المواصفات التي ذكرنا. لكن يبقى كثير من الأفراد الذين يعيشون في دول متطوِّرة وديموقراطيَّة يرفضون مواطنتهم، حتَّى أنَّهم يعبِّرون عن ذلك علنًا. ولا يعود ذلك إلى تقصير النظام التربويِّ، بل يعود أمر لامواطنتهم إلى تبنِّيهم أيديولوجيا تناقِض الوضع السياسيَّ والاقتصاديَّ في بلدانهم، أو يعتبرون أنفسهم مهمَّشين لا يحصلون على حقوقهم، أو لأسباب شخصيَّة مختلفة. فالشواذات التي عدَّدناها للتَّوِّ قد تجد لها مكانًا في بعض الدول بشكل بسيط، ويعدُّ وجودها مخالفًا للقانون إذا انعكست بسلوكيَّات مؤذية. لكنَّها إذا وجدت كلُّها في بلد ما وأصبحت واقعًا، وثقافة، ومقبولة من أكثريَّة الشعب، فالمتوقَّع أن يبدأ البلد بالانحطاط، ويصبح وجوده مهدَّدًا.

ويمكن أن تتمثَّل اللَّامواطَنة أيضًا على صعيد  مجموعة معيَّنة تعتقد أنَّها لا تنتمي إلى البلد الذي تعيش فيه سوى بالهويَّة، وبالتالي فهي لا تشعر بأيِّ رابط وجدانيٍّ بهذا البلد. وخير مثال على هذا الواقع هو نشوء الحركات الانفصاليَّة في أماكن مختلفة من العالم، والتي تعبِّر علنًا بأنَّها لا تنتمي إلى الدولة الحاليَّة، بل غايتها الانفصال وإنشاء دولتها القوميَّة كسكَّان إقليم الباسك في إسبانيا، والبلوش في إيران، وسكَّان جنوب السودان قبل الانفصال في العام 2011.

وكما للمؤسَّسة التربويَّة دور رئيس في بناء المواطَنة، يمكنها أن تؤدِّي دورًا معاكِسًا في تشكيل شخصيَّة المتعلِّمين أي اللَّامواطنيَّة أيضًا. ويكون الأمر ضمن أحد احتمالَين: عدم الاكتراث بالتربية المواطنيَّة، أو التعمُّد بتقديم أفكار تتطابق مع عناصر اللَّامواطَنة. في الحالة الأولى، هناك مجتمعات كثيرة لا تكترث فيها المدرسة لعمليَّة بناء المتعلِّم كمواطن، بل تركِّز على عمليَّة تحفيظه المعلومات من أجل النجاح في الامتحانات، وتُهمل باقي المهامِّ المتوقَّعة منها. وفي الحالة الثانية، تتعمَّد المؤسَّسة التربويَّة تنشئة المتعلِّمين بطريقة يميَّزون فيها ضدَّ فئات معيَّنة في مجتمعهم استنادًا إلى العرق أو الطائفة أو القبيلة أو... ، أو عندما تعزِّز المدرسة التبعيَّة لأشخاص ومذاهب وزعامات على حساب الوطن ومؤسَّساته.

إنَّ توجُّهات كهذه متوافرة بشكل قويٍّ في عدَّة مجتمعات خصوصًا في العالم الثالث، وتساهم في انتشار اللَّامواطَنة بين الناس، وتؤدِّي إلى خلق إرباكات سياسيَّة واجتماعيَّة.


6 - الدولة والوطن والمواطَنة واللَّامواطَنة

لقد سبق وجودُ الدولة الوطنَ، فهي نشأت أوَّلًا لتنظِّم حياة الناس، وتشكَّلت من الأرض والشعب والحكومة بواسطة عقد اجتماعيٍّ بين أعضاء مجتمعها، ولاحقًا أضيف إليها عنصر السيادة. ومَن أنشأ الدولة الحديثة، عمل على تطويرها وتمتين مقوِّماتها، فانتقل بها إلى مستوى "وطن". لكنَّ شكل الدولة وبنيتها اللذين نتناولهما لم يأخذا المنحى التطوُّريَّ ذاته في العالم، فبقيت دول كثيرة خصوصًا العالم الثالث تقليديَّة وذات أنظمة شخصانيَّة وسلطويَّة، ومؤسَّساتها غير المتطوِّرة لا تحاكي بُنى الدولة الحديثة، وشعبها بمعظمه يوصف بالرعايا.

أمَّا الوطن فيشترط وجودُه وجودَ دولة حديثة يكون انتماء الشعب فيها إلى المؤسَّسات التي تتشكَّل منها، ويكون منسجمًا في بنيته الاجتماعيّة المؤلَّفة من مجموعات لديها ذاكرة جماعيَّة واحدة، وتتشارك الحياة فيه بقناعة ضمن دستور وقوانين وضعيَّة، ولديها رؤية واحدة لمستقبله. هذا هو الوطن، وهؤلاء هم مواطنوه. وبالتالي لا يمكن القول إنَّ كلَّ دولة هي وطن، وكلَّ فرد من الشعب هو مواطن يتمتَّع بالمواطَنة. فعندما تكون الدولة موجودة، لكنَّ شعبها لم يرتقِ بها إلى مستوى وطن، فهذا الكيان لا يمكن تسميته وطنًا. وفي أفضل الحالات يمكن تسميته "مشروع وطن"، أو "وطن بالقوَّة، وليس بالفعل". فالنُخب فيه تعرف أنَّه يعاني من نقص في مقوِّماته، ولدى أعضائها الانتماء والولاء لبلدهم، والشعور بالافتخار به، فتصحُّ تسميتهم "مواطنين بالقوَّة"، وعندما يحوِّلون دولتهم إلى وطن يصبحون "مواطنين بالفعل". ويبيِّن الواقع أنَّ هناك بلدانًا كثيرة تُصنَّف على أنَّها "مشروع وطن"، لكنَّ حكَّامها أو شعبها لا يقبلون هذه التسمية التي تنطبق على الواقع، فيصرُّون على أنَّ بلدهم "وطن"، والإنكار هذا لا يغيِّر الحقيقة الواضحة لكلِّ باحث ومراقب.

 هذا تفسير نظريٌّ للدولة والوطن والمواطَنة، لكن لا بدَّ من اعتماده ليعرف القارئ المقصود بكلِّ مفهوم، وما هي مكوِّناته.

استنادًا إلى ما تمَّ ذكره من عناصر المواطَنة وشروط توافرها ليوصف الفرد ضمن المجموعة بأنَّه مواطن ويتمتَّع بالمواطَنة، ولوصف المجموعة أيضًا بأنَّ لديها مواطَنة وتعيشها، يُطرح السؤال عن عدم فعَّاليَّة التنشئة المواطنيَّة وظهور اللَّامواطَنة بشكل قويٍّ في المجتمعات. ففي الدول التي لا يكترث نظامها التربويُّ بالتربية المواطنيَّة، يكون التركيز على التعليم من أجل تحصيل الشهادات، ومن دون الاكتراث بالدور الأهمِّ خصوصًا في المجتمعات التعدُّديَّة، وهو تشكيل المتعلِّمين كمواطنين. بينما تجعل دول أخرى متطوِّرة التربية همَّها الأوَّل، بما فيها التربية المواطنيَّة. لذلك تعكس أنظمتها التربويَّة هذا الاهتمام، وتكون استراتيجيَّاتها وسياساتها التربويَّة تتمحور على هذه الغاية الوطنيَّة؛ بشأن كيفيَّة تعزيز المواطَنة وتدعيمها بواسطة المؤسَّسة التربويَّة التي تنشِّئ أجيال البلد بما تقدِّمه لهم من معارف وتساعدهم في اكتساب مهارات وقِيم تتطلَّبها المواطَنة. 

كذلك فإنَّ الدولة وُجدت قبل المواطَنة، وشعب الدولة طوَّر بناءها لتصبح وطنًا بعناصره التي تمَّ ذكرها. وعندما سنحت لهم الفرصة، حوَّلوا واقعهم وواقع المؤسَّسات التي أنشأوها إلى مرحلة متقدِّمة سياسيَّة-اجتماعيَّة، واستطاعوا استبدال لقب "رعايا" الملك أو الأمير، أو "أتباع" الإقطاعيِّ بلقب "مواطنين" للوطن. هذا مع التحفُّظ على معنى مواطن في القرن السابع عشر (بُعيد معاهدة وستفاليا) الذي يختلف عن معناه في القرن الحادي والعشرين. لكنَّ ذلك المواطن لم يكتفِ بما آلَ إليه الأمر آنذاك، بل تابع نضاله حتَّى نال حقوقًا أكثر، وعزَّز دور المؤسَّسات التي بنى دولته عليها، وهكذا استطاع بلورة دوره المشارِك والفاعِل في العمليَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيّة. إذ نرى أنَّنا أمام حلقة، كلُّ عنصر فيها يقود إلى عنصر آخر أكثر تطوُّرًا وعدالة بالنسبة إلى الذين يحملون جنسيَّة ذلك النموذج من الدول. 

وبين نموذج الوطن الراقي ونموذج الدولة المتخلِّفة المنشغل شعبها في خلافاته الداخليَّة، وتنافسِ مجموعاته على اقتسام "المغانم" التي يؤمِّنها النظام لكلِّ مجموعة، تنمو اللَّامواطَنة التي تُشير إلى التخلُّف ومخالفة القوانين، أو الاغتراب القصديِّ عن واقع العيش في البلد.


7 - ارتباط اللَّامواطَنة بمخرجات النظام السياسيّ

إذا أخذنا النظم السياسيَّة غير الديموقراطيَّة نجد أنَّ بنية معظم حكوماتها قد انتهكت مبدأ "العقد الاجتماعيّ" الذي افترض أنَّ الحكومة وُجدت لتخدم مصالح مجموع الشعب، وها هي تحوَّلت إلى موقع معاكس بأن تفرض على الشعب أن يخدمها. وإذ بالطبقة الحاكمة هي التي تستفيد من الضرائب ومن موارد البلد الطبيعيَّة وليس الشعب ككلّ. كما تكون المساواة غائبة عن واقع الناس، وكذلك الكثير من حقوقهم. ونجد هذا النموذج بكثرة في مجتمعات العالم الثالث أو المتخلِّف، وهذا انقلاب على العقد الاجتماعيِّ، وبالتالي خرق لسبب وجود الدولة/الوطن. لذلك نستطيع القول إنَّ المواطَنة بشكلها النموذجيِّ (المبنيَّة على المساواة والعدالة والحرِّيَّة الفرديَّة، والمرتبطة بوجدان كلِّ مواطن) بعيدة عن الوجود في أنظمة سياسيّة كهذه لبلدان مستقلَّة لا تؤمن بالمساواة والحرِّيَّة. وتبقى مجموعة صغيرة رافضة لهذا الواقع، وقد يواجه أفرادها الاضطهادَ عندما يطالِبون بتحديث مؤسَّسات الدولة واعتماد الشفافيَّة في الحكم وإعطاء "المواطنين" حقوقهم. يحدث هذا كلُّه في ظلِّ نظام تربويٍّ مساير أو خاضع للنظام السياسيِّ حيث لا تقوم المؤسَّسة التربويَّة بدورها الذي شرحناه سابقًا في تشكيل شخصيَّة المتعلِّمين كمواطني المستقبل، بل تقوم بدور تهيئة جيلٍ بكامله لتقبُّل الواقع وإعلان ولائه للطبقة الحاكمة.

وإذا أخذنا لبنان كمثَل عن إحدى دول العالم الثالث التي تنصُّ قوانينها على الحرِّيَّة والمساواة و...، نجد أنَّ نظامه التربويَّ الذي يعمل من دون أيِّ استراتيجيَّة أو سياسة تربويَّة وطنيَّة - باستثناء سياسة الوزير الآنيَّة - لا يهتمُّ بتربية النشء على المواطَنة بالرغم من الادِّعاءات الكثيرة. فمَن يراقب عن كثب ما تقوم به المدارس والجامعات والمعاهد بتبعيَّاتها المختلفة، خصوصًا الآن، يجدها تنشِّئ جيلًا مفكَّكًا في فهمه لتاريخ بلده وتركيبة مجتمعه، وفي موقفه من الآخرين الذين لا ينتمون إلى الدين ذاته؛ وفي ولائه وانتمائه؛ جيل يختلف أفراد كلِّ مجموعة منه عن أفراد المجموعات الأخرى في نظرتهم إلى حاضرهم ومستقبلهم ومستقبل "الوطن"، وحتَّى في نظرتهم إلى ماضي البلد. فمن أين تأتي التنشئة على المواطَنة هنا؟

 إنَّ هذه الحالة، بنظرنا، أخطر من أن يقوم بعض الزعماء بإنشاء مليشيات وبتدريبها بهدف التصدِّي للغير عندما تحين الساعة. قد يجمع كلُّ زعيم حوله مئات الأشخاص أو بضعة آلاف، بينما مَن يرتاد المدارس والجامعات يفوق عددهم المليون، أي أكثر من ربع سكَّان البلد. فهل نحن مدركون ما نفعل في إهمالنا للحقل التربويِّ ككلّ، وتركه للاستغلال من مختلف المجموعات اللبنانيَّة تحت شعاراتٍ كاذبة وتضرب الأمل بالوحدة الوطنيَّة؟

لذلك نرى أنَّ اللَّامواطَنة هي مخرجات نظامنا السياسيِّ ونظامنا التربويِّ ومدارسنا وجامعاتنا. وبالرغم من ذلك، نجد أنَّ عوامل تصحيح هذا الوضع متوافرة، لكنَّها غير مفعَّلة.

فهل هذا يعني أن لا وجود لمواطنين لبنانيِّين قد درسوا في المدارس والجامعات، وتخرَّجوا بشهادات واختصاصات مختلفة؟

لا يمكن إنكار وجود هؤلاء، لكنَّهم ليسوا نتاج تعليم فاشل وتربية فاشلة، بل هم كوَّنوا أنفسهم كمواطنين مقتنعين بوجود "وطن مادِّيٍّ ووجدانيٍّ" في حياتهم اليوميَّة وفكرهم وقناعاتهم، اسمه لبنان. فهم يحبُّونه ويفتخرون به ويقدِّمون له الولاء، لكنَّهم لم تكن لهم كلمة مؤثِّرة في شؤونه، بل على العكس، فقد تمَّ تهميشهم ومطاردتهم، وحتَّى توجيه التهم ضدَّهم، وسجنهم. بينما لم تتردَّد فئة أخرى من اللبنانيِّين في إعلان عدم ولائها للبلد، ولا الانتماء له، فما يمكن وصف حالة أفرادها؟ باللَّامواطَنة؟ فهذه إشكاليَّة كبيرة إذا شئنا أن نجعل الأمر مُثبتًا بالوقائع، ولا يوجد لها حلٌّ على المدى القريب طالما هناك خلاف عميق على هويَّة البلد، ودور مجموعاته الطائفيَّة، وما تمثِّله السلطات الشخصانيَّة لمعظم السكَّان. 

ومن الممارسات السلبيَّة وغير المقبولة في عالم المواطَنة هي استعانة كلِّ فريق لبنانيٍّ بغرباء لمساعدته على كسر شوكة أخصامه. ومن هم هؤلاء الأخصام؟ إنَّهم مواطنوهم؛ إنَّهم جيرانهم ومَن جالسوهم على مقاعد الدراسة؛ إنَّهم زملاء العمل. أليس هذا كلُّه إثباتًا على فشل المؤسَّسة التربويَّة في تشكيل شخصيَّاتِ مَن ارتادها كمواطنين لبنانيِّين؟ وأين الهويَّة المشتركة بين أفراد الجيل الحاليِّ، أو جيل الحرب الذي سبقه ودمَّر البلد؟

كخلاصة عامَّة، لقد بيَّنَّا في هذه المقالة كيف أنَّ المواطَنة تُعدُّ من أهمِّ غايات التربية التي تنفِّذها المؤسَّسة التربويَّة التي لولاها لكانت المجتمعات تراوح مكانها، لا بل تسير نحو التخلُّف. وتكون المواطَنة في شكلها المثاليِّ عندما يستطيع الناس "تشكيل مجتمع من متساوين يجمعهم رابط الأخلاقيَّات" كما قال أحدهم. هنا تظهر قدرة الأفراد بأن يصبحوا حاكمين عندما يكون الوقت مناسبًا لهم، وأن يتمَّ حكمهم بمن كانوا محكومين من قِبلهم في مرحلة سابقة، وأن يقبل الجميع بهذا التبدُّل في المواقع والمسؤوليَّات لأنَّ المساواة تؤمِّن فرصًا للجميع كي يثبت صاحبُ القدرة والكفاءة ذاته. إذ يتمُّ اختياره للموقع المحدَّدة مهامُّه، والذي يتوقَّع الناس منه أن يقوم بعمل لمصلحة الجميع والوطن.

كما قدَّمنا فكرة جديدة وهي "اللَّامواطَنة" التي تصف حالةَ مَن يفقد الشقَّ الوجدانيَّ من مواطنيَّته كولائه وانتمائه إلى وطنه بشكل عمديّ، أو أنَّ هذا الفرد يدَّعي المواطَنة في الوقت الذي يتصرَّف ضدَّ مواطنيه الآخرين من أبناء بلده لأنَّهم من عِرق غير عرقه أو دين غير دينه أو ثقافة غير ثقافته. وهذا واقع يمكن لمسه في مختلف دول العالم، لكنَّه يصبح مشكلة بالنسبة إلى المواطَنة عندما يتواجد بعدد كبير في أيِّ مجتمع. كما استعرضنا مكوِّنات الدولة والوطن، وبيَّنَّا التداخل والتكامل بين عناصرهما، إضافة إلى دور المواطَنة في بنائهما.




  الدكتور نمر فريحه: حائز ماجستير في العلوم السياسيَّة من جامعة "ستانفورد" الأميركيَّة، ثمَّ دكتوراه في التربية. أستاذ مشرف على أطاريح الدكتوراه في الجامعة اليسوعيَّة في بيروت. وله مؤلَّفات عدَّة في التربية والسياسة والأدب. تولَّى سابقًا رئاسة المركز التربويِّ للبحوث والإنماء.

[email protected]



 


[1] سيصدر لنا كتاب قريبًا بعنوان: المواطنة واللَّامواطنة ومجتمعات ما بعد الصراع.

[2]   نحن لا نبالغ في القول إنَّنا رأينا وسمعنا هذا خلال الوصاية السوريَّة على لبنان، حيث ذهب بعض السياسيِّين بعيدًا لإرضاء السوريِّين في التعبير عن مواقفهم تأييدًا لبقاء هؤلاء في لبنان، بل والبقاء فيه بشكل دائم. وحتَّى بعد اتِّفاق الطائف الذي نصَّ على تجمُّع للقوَّات السوريَّة في البقاع ثمَّ العودة إلى سوريا، كان هؤلاء الساسة صامتين بخصوص تنفيذ السوريِّين تعهُّدهم، وكان آخرون مشجِّعين لهم على إبقاء الحالة على ما هي عليه. كذلك أعطت الحكومة اللبنانيَّة ترخيصًا بتأسيس حزبَين لا يعترفان بوجود لبنان، فكيف سيتمتَّع أعضاؤهما بالمواطنة؟ وكيف لمَن أعطى ترخيصًا كهذا أن يتمتَّع بالمواطنة أيضًا؟


مراجع

- عبدالنور، كارين (2025). "أدب التيه والاغتراب: الهويَّة في مواجهة العولمة". مجلَّة "الأمَّة الثقافيَّة"، عدد فبراير، 2025.

- العكرة، أدونيس (2025). عودة الدين إلى المجال العموميّ: المصالحة بين الدين والمواطنيَّة تأسيسًا للدولة المدنيَّة في لبنان. جبيل: منشورات مركز تمُّوز.

- فريحه، نمر (2017). المواطَنة العالميَّة والمواطَنة الرقميَّة وما بينهما. بيروت: دار سائر المشرق، ومسقط: دار الوراق.

 

   Phillips, D.C. (1980). The hidden curriculum and the latent functions of schooling. In C.J. Macmillan (ed). Philosophy of Education. San Francisco: Philosophy of Education Society.

–   Preuss, U. (2003). “The ambiguous meaning of Citizenship”. Paper presented at the University of Chicago.

   Citizens and the StateKlingemann (ed.). (1998). Oxford University Press.



تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق