في سبيل عَقد اجتماعيٍّ لسورية
لم يكن العَقد الاجتماعيُّ، عبر تاريخه، فكرة واحدة متجانسة، بل تبلور تبعًا لاختلاف التصوُّرات بشأن طبيعة الإنسان والمجتمع. وعليه، رأى توماس هوبز[1] أنَّ العَقد الاجتماعيَّ قام على أساس القوَّة، باعتباره السبيل الوحيد لضمان السلم وحفظ الذات. في حين أسَّس جان جاك روسُّو[2] عَقده الاجتماعيَّ على مبدأ إرادة الحرِّيَّة، معتبرًا إيَّاه اتِّفاقا هدفه تحقيق الإرادة العامَّة. وفي منحًى ثالث، طرح ساطع الحصري[3] فهمًا جمعيًّا للعَقد، يرى فيه أنَّ الهويَّة القوميَّة، المستندة إلى الذاكرة التاريخيَّة والانتماء، هي ما يُشكِّل نواة الأُمَّة والدولة.
بناءً على هذه التباينات، نقول إنَّه في سبيل صياغة عَقد اجتماعيٍّ جديد لسورية، لا بدَّ من تجاوز النماذج القائمة على الخوف والقوَّة أو على التجانس القسريِّ، نحو عَقد يقوم على المشاركة الفعَّالة في الحياة السياسيَّة، ويعترف بتعدُّد مكوِّنات الأرض السوريَّة، ويرتكز إلى إرادة العيش المشترك باعتبارها العنصر الحاسم في بناء الدولة المستقبليَّة.
حين نتحدَّث عن الدولة، فإنَّ أوَّل ما يتبادر إلى أذهاننا هو صورة لمؤسَّساتٍ صلبة، وحدودٍ مرسومة، وسلطةٍ تفرض النظام. ولكن، خلف هذه المظاهر، يظلُّ سؤالٌ جوهريَّ يقول: من أين تستمدُّ هذه السلطة مشروعيَّتها؟ الجواب الفلسفيُّ عن هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم "العَقد الاجتماعيِّ"، ذاك الاتِّفاق، الذي يشكِّل حجر الأساس لكلِّ مجتمع سياسيّ.
عبر القرون، لم يكن هذا العَقد فكرة واحدة. لقد كان مرآةً لاختلافات عميقة في فهم الإنسان:
هل هو ذئبٌ لأخيه الإنسان، لا يُضبَط إلَّا بالخوف؟
أم هو كائن حرٌّ، لا تكتمل إنسانيَّته إلَّا بالمشاركة؟
أم ابنٌ لذاكرة جماعيَّة، تشدُّه جذور الانتماء أكثر ممَّا تدفعه المصالح؟
لذلك لم يكن العَقد الاجتماعيّ مجرَّد نظريّة سياسيَّة، بل كان دائمًا تصوُّرًا للوجود المشترك، ونمطًا لما يجب أن يكون عليه العيش معًا.
واليوم، حين ننظر إلى الواقع السوريِّ، نرى أنَّ القوَّة وحدها لم تبنِ دولة، كما أنَّ توحيد الهويَّة القسريَّ لم يخلق وحدة. في هذا المشهد الممزَّق، يبدو أنَّنا بحاجة إلى أكثر من نظام... نحن بحاجة إلى معنًى جديد للعيش المشترك، إلى عَقد اجتماعيٍّ يليق بتعقيدنا.
من هنا، ينهض سؤالي المركزيّ:
ما الشكل المناسب لعَقد اجتماعيٍّ جديد في سورية؟
وعلى أيِّ أسس يجب أن يُبنى، في ضوء النماذج الفلسفيَّة الكبرى، والتجربة التاريخيَّة السوريَّة؟
أوّلًا، الإنسان ذئب لأخيه الإنسان
حين كتب توماس هوبز عمله الشهير لفياثانLeviathan - 1651، كانت أوروبا تئنُّ تحت وطأة الحروب الأهليَّة. وقد انطلق هوبز من رؤية تشاؤميَّة لطبيعة الإنسان، إذ اعتبره كائنًا أنانيًّا، مدفوعًا بغرائز البقاء والخوف من الآخر[4]. وفي حال غياب السلطة، يعيش البشر في حالة صراع دائم، يصفها هوبز بالقول:
"حرب الكلِّ ضدَّ الكلِّ، حيث يكون الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان ″Homo homini lupus.
في هذا السياق، يرى هوبز أنَّ الناس، بدافع الخوف، يتنازلون طوعًا عن جزء من حرِّيَّتهم لمصلحة سلطة عليا – الملك أو الدولة – مقابل الأمن والاستقرار. وهكذا ينشأ العَقد الاجتماعيُّ لا كاتِّفاق حرٍّ بين متساوِين، بل كـ فعل دفاعيٍّ اضطراريٍّ ضدَّ الفوضى والموت.
الدولة، في تصوُّر هوبز، أشبه بكائن ضخم – اللفياثان – يحمل القوَّة المطلقة لردع الناس عن العودة إلى الوحشيَّة الأولى. فالعَقد عنده ليس ضمانًا للحرِّيَّة، بل ثمنٌ تُدفع فيه الحرِّيَّة مقابل الحياة[5].
صحيح أنَّ الحاجة إلى الأمان، لا سيَّما في تأمين الموارد والبقاء، تفرض أحيانًا وجود سلطة قويَّة تُنهي الفوضى وتؤمِّن شروط الحياة، إلَّا أنَّ النموذج الذي يقترحه هوبز يرفع السلطة فوق كلِّ رقابة، ويُطلق يدها بلا قيد، ما يفتح الباب للاستبداد.
كما أنَّ تصوُّره يُقصي إمكانيَّات المشاركة الديمقراطيَّة، ويُعلي من شأن الطاعة على حساب الحرِّيَّة والمسؤوليَّة الجماعيَّة.
وبهذا، يمكن القول إنَّ هوبز قدَّم نموذجًا يحفظ السلم من خلال الخوف، لكنَّه يفعل ذلك بثمنٍ باهظ: كبت الحرِّيَّات، وتقييد الإرادة، وتعطيل إمكانات الفعل السياسيِّ الحرّ.
إنَّه سلامٌ هشٌّ، يقوم على الرهبة لا على الثقة، وعلى الخضوع لا على المشاركة، ما يجعل الاستقرار مجرَّد ستارٍ يُخفي احتمال انفجارٍ كامِن.
ثانيًا، لقد وُلدنا أحرارًا
إذا كان هوبز قد رأى في الإنسان ذئبًا لا يُروَّض إلَّا بالخوف، فإنَّ جان جاك روسُّو يأتي ليقلب المعادلة تمامًا. فهو لا يرى في الإنسان شرًّا ينبغي كبته، بل يبدأ من قناعة رومانسيَّة عميقة:
"الإنسان طيِّب بطبعه، وما يُفسده هو المجتمع المنحرف"[6]. ولهذا، فإنَّ الحلَّ لا يكون بالخضوع لقوَّة مطلقة، بل بإعادة صياغة المجتمع نفسه على أسسٍ تحفظ الحرِّيَّة.
في كتابه العَقد الاجتماعيّ (1762)، يكتب روسُّو:
"الإنسان وُلد حرًّا، ومع ذلك فهو مكبَّل بالأغلال في كلِّ مكان"[7].
ومن هنا، ينطلق تصوُّره للعَقد الاجتماعيّ لا كتنازل عن الحرِّيَّة، بل كوسيلة لاستعادتها في إطار جماعيّ. فالفرد، حين يوقِّع هذا العَقد، لا يتنازل عن ذاته، بل يتحوَّل من "كائن طبيعيّ" إلى "مواطن": أي كشخص يشارك في صياغة الإرادة العامَّة، ويخضع لما يختاره مع الآخرين.
هذه الإرادة العامَّة (la volonté générale) ليست جمعًا آليًّا للرغبات، بل تعبيرٌ عن المصلحة المشتركة. والقوانين التي تنبع منها ليست قيودًا، بل تجسيد لإرادة الناس الحرَّة. ولهذا قال روسُّو:
"من يُجبَر على طاعة الإرادة العامَّة، لا يُجبَر على الطاعة، بل يُجبَر أن يكون حرًّا"[8].
لكنَّ هذا النموذج، رغم مثاليَّته، لا يخلو من إشكالات. فالسيادة عند روسُّو، ولأنَّها لا تقبل التجزئة ولا التمثيل الكامل، قد تُقصي من لا يستطيع الاندماج التامَّ في "الكلِّ"، وهو ما يجعل النموذج عرضة للتوحيد القسريِّ بدل التعدُّد.
ومن هنا يظهر الخطر الأكبر: فالإرادة العامَّة، إذا لم تُقيَّد بحدود العدالة والحقوق، يمكن أن تتحوَّل من ضمانة للحرِّيَّة المشتركة إلى ذريعة لقمع مكوِّنات أُخرى من الشعب أو كما يُعرف اليوم في سورية بالـ "أقلِّيَّات".
إنَّ هذا التوتُّر بين الوحدة والتنوُّع يطرح إشكاليَّة أساسيَّة في الديمقراطيَّات الحديثة حيث يُخشى أن يصبح "حكم الأغلبيَّة" قناعًا جديدًا للطغيان، أو أداة لقمع الاختلاف باسم الإجماع. ولهذا يؤكِّد كثير من الفلاسفة السياسيِّين اللاحقين على ضرورة إقامة مؤسَّسات دستوريَّة وقانونيَّة تحمي التعدُّد، وتمنع انزلاق الإرادة العامَّة إلى مجرَّد أداة للهيمنة باسم الشعب.
ثالثًا، عن الذاكرة والقوميَّة
إذا كانت الحرِّيَّة عند روسُّو تُستعاد عبر الإرادة العامَّة، فإنَّ المفكِّر ساطع الحصريّ يذهب في اتِّجاه مماثل إلى حدٍّ ما، فيقول: "إنَّ الذي يربط الناس ليس فقط القانون أو المصالح، بل شيء أعمق... الذاكرة المشتركة"[9].
وفي السياق السوريِّ، يبدو الحديث عن ساطع الحصريّ اليوم ضروريًّا، لا بوصفه مفكِّرًا قوميًّا فحسب، بل كابنٍ لبيئةٍ شهدت انهيار الدولة العثمانيَّة وصعود فكرة الدولة الوطنيَّة، تمامًا كما هو الحال اليوم في سورية، حيث تتفكَّك الدولة القديمة بدون أن يولد شكل جديد مستقرّ. طرَح الحصريّ فكرته في زمن كانت فيه الهويَّة موضعَ سؤال، والانتماء الجغرافيُّ في طور التشكُّل.
ساطع الحصريّ يرى أنَّ الأمَّة لا تُبنى على العقود السياسيَّة وحدها، بل على رابطة وجدانيَّة – ثقافيَّة – لغويَّة – تاريخيَّة. فالتاريخ المشترك، واللغة، والتعليم، تُنتِج شعورًا بالانتماء يُغني عن الحاجة إلى التعاقد بالمعنى العقلانيِّ البارد. في هذا الإطار، يُفهم العَقد الاجتماعيُّ كترجمة سياسيَّة لهويَّة قوميَّة موجودة سلفًا، لا كاتِّفاق بين أفراد متفرِّقين.
لكنَّ هذا النموذج، ورغم قدرته على بناء هويَّة جامعة في زمن الانهيار، يُواجِه تحدِّيات كبيرة:
فهو يفترض وجود هويَّة واحدة سابقة على الدولة، في حين أنَّ المجتمعات، كالمجتمع السوريِّ، تتكوَّن من هويَّات متعدِّدة ومتداخلة (عربيَّة، كرديَّة، آشوريَّة، أرمنيَّة، شركسيَّة...) دينيَّة وطائفيَّة.
كما أنَّ هذا "الغطاء الأشمل" – كما يبدو – لا يضمن الاعتراف بالجميع، بل قد يُقصي مَن لا يندمج في الرؤية القوميَّة السائدة.
بالتالي، ورغم أنَّ الحصريّ حاول استعادة اللحمة في زمن التفتُّت، إلَّا أنَّ نموذجه قد لا يكفي لصياغة عَقد اجتماعيٍّ في مجتمع تعدُّديٍّ، إلَّا إذا أعيد تأويله ضمن أفق يعترف بالاختلاف كقيمة لا كتهديد.
أخيرًا
في هذا الطرح، لم ألجأ إلى تقديم تصوُّر جاهز ومغلق للعَقد الاجتماعيّ، بل اخترت المرور عبر ثلاثة نماذج فلسفيَّة وفكريَّة مختلفة، لأنَّني أومن بأنَّ أيَّ نموذج واحد، مهما كان متماسكًا، لا يمكن أن يُقدِّم حلًّا كافيًا لواقعٍ معَقد كواقع سورية.
فلا القوَّة وحدها تكفي، ولا الحرِّيَّة وحدها تُغني، ولا الهويَّة وحدها تحسم المسألة. ما نحتاجه هو تفكيك هذه النماذج، والتقاط العناصر الحيويَّة منها لبناء تصوُّر مركَّب وواقعيّ.
لهذا، لا يمكن تجاهل ما طرحه هوبز: فالمجتمع لا يمكن أن يقوم بدون إحساسٍ بالأمان وضبطٍ للفوضى.
ولا يمكن الاستغناء عن جوهر ما دافع عنه روسُّو: إنَّ الدولة يجب أن تُبنى على أساس الحرِّيَّة والمشاركة الواعية، لا على الخضوع.
ولا يمكن، في سورية، إنكار أنَّ الذاكرة والتاريخ المشترك والانتماء الثقافيَّ تؤدِّي دورًا حاسمًا في تشكيل التصوُّر الجماعيِّ للهويَّة، كما أشار ساطع الحصري.
الحصري، ابن التحوُّل من العثمانيَّة إلى الوطنيَّة، واجه الأسئلة نفسها التي نواجهها اليوم[10]:
ما الذي يجعل الناس يطمحون للعيش معًا؟
لماذا لا يرضى الأفراد بأن يبقَوا جماعات مبعثرة؟
ما العوامل التي تولِّد في النفوس الرغبة بالاتِّحاد أو بالانفصال؟
في كتابه عوامل القوميَّة لا يقدِّم الحصريّ إجابات تقنيَّة، بل يدعونا للبحث عن "الرغبة المشتركة" كمحرِّك أساسيٍّ في تشكُّل الأمَّة[11]. ويقول بوضوح إنَّ هذه الرغبة تنبع من الإحساس بالانتماء المشترك، من اللغة، من التاريخ، ومن المصير.
فالدولة، بالنسبة إليه، هي تتويج لإرادة قوميَّة، وليست عَقدا عقلانيًّا أو تعاقدًا قانونيًّا فحسب. لكنَّ هذا النموذج، كما رأينا، يحتاج إلى إعادة تأويل:
لأنَّه يفترض وجود هويَّة قوميَّة واحدة، بينما الواقع السوريُّ متعدِّد الهويَّات.
ولأنَّه يستبعد مَن لا يتطابق مع "النموذج القوميِّ السائد"، ما يُقصي فئات واسعة.
ومن هنا، أقول إنَّ العَقد الاجتماعيَّ الجديد في سورية، لا بدَّ من أن يكون مركَّبًا، ويقوم على العناصر التالية:
من هوبز: ضرورة تحقيق الأمان، وبناء الثقة لا الخوف، لأنَّ الثقة هي شرط الاجتماع.
من روسُّو: جوهر الحرِّيَّة، لأنَّ الناس لا يعيشون من الخبز فحسب، بل من الكرامة والمشاركة.
ومن ساطع الحصري: فكرة الإرادة المشتركة القائمة على الذاكرة الجماعيَّة والتاريخ المشترك، شريطة ألَّا تكون هذه الذاكرة حكرًا على قوميَّة واحدة، بل ذاكرة مركَّبة، تعترف بجراح الجميع وبانتماء الجميع.
وإذا كان الحصريّ قد بنى على "التاريخ المشترك"، فإنَّنا اليوم نعيد تأويله لنقول:
التاريخ المشترك في سورية هو "الذاكرة المجروحة المشتركة":
ذاكرة الألم، والمجازر، والحصار، والانقسام، والإخفاء القسريّ ...
لكنَّها أيضًا ذاكرة الأمل، والتعايش، والمقاومة. وهي ذاكرة يجب أن تتحوَّل من عبء إلى جسر، ومن ماضٍ يُقسِّم، إلى أفق يُلهِم العيش المشترك، والمشاركة السياسيَّة. وبالتالي، فإنَّ العَقد الجديد ليس وثيقة قانونيَّة فحسب، بل هو رغبة جماعيَّة في بناء مستقبلٍ لا يُقصي أحدًا.
ولأنَّ العَقد لا يُبنى على المبادئ المجرَّدة فحسب، بل على الإرادة التي تُجسِّدها، فإنَّ جوهر العَقد الاجتماعيِّ الجديد الذي نقترحه هو "الإرادة المشتركة"، لا تلك التي تمحو الفوارق أو تذيب الخصوصيَّات، بل التي تعترف بالاختلاف كحقيقة، وتسعى رغم ذلك إلى العيش معًا على أساس الاحترام والمساواة. إنَّها إرادة نابعة من التجربة، لا من الإيديولوجيا؛ إرادة تُدرِك أنَّ لا أحد يستطيع النجاة بمفرده، وأنَّ مصير الجميع مشترك، مهما كانت المسارات مختلفة.
لكنَّ الإرادة وحدها لا تكفي، فلا بدَّ من مؤسَّسات تحرس هذه الإرادة وتجعلها قابلة للتحقُّق في الواقع. وأوَّل هذه المؤسَّسات هو دستور مدنيٌّ، لا يُقاس فيه المواطن بانتمائه القوميِّ أو الدينيِّ، بل بصفته مواطنًا متساويًا في الحقوق والواجبات أمام القانون.
وثانيها، فصل حقيقيٌّ بين السلطات، يضمن ألَّا تعلو سلطةٌ فوق القانون، ولا يُختَطف القرار السياسيُّ من فئة أو جهاز.
وثالثها، ضمان الحرِّيَّات الفرديَّة والجماعيَّة والعمل السياسيِّ، لأنَّ الكرامة لا تتحقَّق بحرِّيَّة التعبير فحسب، بل أيضًا بحقِّ الجماعات الثقافيَّة والدينيَّة في أن تعيش اختلافها بدون خوف أو قمع.
إنَّ نموذج العَقد الاجتماعيّ الذي نقترحه، إذًا، لا يسعى إلى تأسيس وحدة مصطنعة، بل إلى بناء جمهوريَّة، تقوم على الثقة المتبادلة، والإرادة الحرَّة، والمؤسَّسات العادلة.
في النهاية، ليس العَقد الاجتماعيُّ نصًّا قانونيًّا وحسب، بل هو رؤية لما يجب أن يكون عليه الاجتماع البشريّ؛ هو سؤال أساسيٌّ عن المعنى، وليس فقط عن النظام.
وفي الحالة السوريَّة، لا يكفي أن نستورد نموذجًا جاهزًا من كتاب هوبز أو روسُّو أو الحصري، بل نحن مدعوُّون إلى إعادة تخيُّل الدولة كمساحة عيش مشترك لا كأداة سيطرة. عَقدنا الجديد يجب أن يُبنى على وعيٍ بالحرِّيَّة، واعتراف بالتعدُّد، وإرادة لا تُقصي أحدًا. والأهمُّ من ذلك، أن نؤمن أنَّ لا مستقبل يُبنى في سورية بدون أن نضع على الطاولة سؤالًا صعبًا، لكنَّه ضروريّ: كيف نعيش معًا، ليس برغم اختلافنا، بل بفضله؟
هذا هو التحدِّي، وهذه هي البداية.
الأخ جوليان زكَّا الراسي: راهب يسوعيٌّ، حاصل على ليسانس في الفلسفة والحضارة العربيَّة من جامعة القدِّيس يوسف ببيروت. يعمل الآن في التنمية بمدينة حلب.
[1] توماس هوبس Thomas Hobbes (1588-1679): فيلسوف إنجليزيٌّ، مؤسِّس الفلسفة السياسيَّة الحديثة، ومطوِّر نظريَّة العَقد الاجتماعيِّ، وأحد أبرز أعماله ليفياثان (1651). يرى أنَّه يجب أن تكون للدولة سيادة مطلقة ضروريَّة لمنع تدهور المجتمع إلى فوضًى أو حرب أبديَّة.
[2] جان جاك روسُّو Jean-Jacques Rousseau (1712-1778): فيلسوف وكاتب سياسيٌّ من جنيف. ترك بصمة قويَّة في الفكر السياسيِّ والاجتماعيِّ في عصر التنوير، وأعماله الرئيسة تشمل: العَقد الاجتماعيّ؛ خطاب عن أصل التفاوت بين الناس؛ المساواة؛ والتربية.
[3] ساطع بن محمَّد هلال الحصري (1880–1968): مفكِّر وكاتب سوريٌّ من أصول حلبيَّة. يُعدُّ أحد أهمِّ منظِّري القوميَّة العربيَّة والتربية في القرن العشرين. أسَّس وزارة المعارف السوريَّة (1919). وضع المناهج في سوريا والعراق، وساهم في تأسيس كلِّيَّة الحقوق بجامعة بغداد، كما عمل مستشارًا لدى جامعة الدول العربيَّة.
[4] زكريَّا إبراهيم، اللواياتان (أو التنِّين) لتوماس هوبز، 257.
[5] إبراهيم، المرجع نفسه، 258.
[6] جون إهرنبرغ، المجتمع المدنيّ: التاريخ النقديّ للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح. ط.1، بيروت: المنظَّمة العربيَّة للترجمة، 2008، الفصلان الرابع والخامس، 287-288.
[7] إهرنبرغ، المرجع نفسه، 290.
[8] إهرنبرغ، المرجع نفسه، 292.
[9] ساطع الحصري، عوامل القوميَّة، من محاضرة ألقيت في نادي المعلِّمين ببغداد ۱۹۲۸، وصدرت في كتاب: أبو خلدون، ساطع الحصري، أبحاث مختارة في القوميَّة العربيَّة، التي كتبها ونشرها المؤلِف في تواريخ مختلفة، ۱۹۱۳–۱۹۲۳ القاهرة: دار المعارف، ١٩٧٤، ج.۱، 31-32.
[10] الحصري، المرجع نفسه، 39.
[11] الحصري، المرجع نفسه، 38.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق