صنع الله إبراهيم: الإبداع والنقد
أدرك الروائيُّ المصريُّ (1937-2025) صنع الله إبراهيم الفجوة بين الشعارات وواقع الناس فعمِل على ردمها بالنضال والمواجهة. عاين بخياله الرؤيويِّ المسافة الواسعة بين ما هو في الشوارع وبين ما هو في الكتابة، كما في قوله: "أنت وأمثالك الذين خرَّبتم المستشفيات الحكوميَّة لمصلحة دكاكينكم الخاصَّة، لقد تآمرتم لتنهبوا مَن يسوقه حظُّه العاثر إليكم"[1]. وقد رأى أنَّ ما يسعى إليه الكاتب من رفاهيَّةِ عيش لن يجده إلَّا في أحلامه وتطلُّعاته. دخل السجن (1959-1964) فأحسَّ أنَّ "المكان" بمفهومه الحيِّ لم يعد موجودًا، كأنَّ "المكان" يمارس فعل الإلغاء، كما في جوابه للضابط حين سأله عند الإفراج: "ما هو عنوانك؟ قلت: ليس لي عنوان. تطلَّع إليَّ في دهشة: إلى أين ستذهب أو أين تقيم؟ قلت: لا أعرف، ليس لي أحد"[2]. وخرج منه مشبعًا بالحرِّيَّة، أمام الحالة الاجتماعيَّة والأشكال الأدبيَّة، بعدما تحرَّر من جمود مفهوم السلطة والنصِّ الأدبيِّ التقليديِّ، منطلقًا من تجربته الصحفيَّة الواقعيَّة.
على الرغم من قلقه بقوله: "أنا حزين يا طفلتي، حزين ووحيد، في فراشي أرقد"[3]. واجه صنع الله إبراهيم، بصلابة، قضايا الإنسان المهزوم والمنكسر والمعطوب والمضطرب. التزم شؤونه وأظهرها في رواياته، مُطيحًا بالبنى والقوالب التقليديَّة الاعتياديَّة للرواية، متمرِّدًا على شبكة النصوص السرديَّة العربيَّة الداخليَّة، ومن دون الالتفات إلى المقصديَّة والمقبوليَّة وغيرها من المصطلحات. لقد استقى معجمه اللغويَّ التعبيريَّ من حياة الناس اليوميَّة، عاملًا على تشريح أوضاعهم الاجتماعيَّة بعينٍ موضوعيَّة معيوشة في سرد متميِّز، شكلًا ومضمونًا، الأمر الذي عكس بيئات وجع المدن العربيَّة كما في تصويره المأساة: "في بداية الأحداث، حضر ابني أحمد وعمره 38 سنة من السفر وحمل هديَّة من صديقٍ له إلى زوجته وأولاده في الجديدة ولم يعد، وبعد ثلاثة أشهر وجدنا جثَّته في خشخاشة هناك. وأثناء الأحداث استُشهد ابني جلال بقذيفة، وفي أحد الأيَّام ذهبَت ابنتي فطُّوم لتملأ الماء ولم تعد، إذ أصابتها قذيفة واستُشهدت على الفور، وعند سقوط الملجأ كان ولدي يعمل في رفع الأنقاض، فاستهدفه الانعزاليُّون بقذيفةٍ فسقط شهيدًا"[4]؛ متوسِّعًا في الوجع من "ظفار" في "وردة" إلى"القاهرة" في "ذات"، وهي مدنٌ ركن فيها مسرى رواياته من "موسكو" إلى "القاهرة" و"برلين" و"سان فرنسيسكو" وغيرها.
استطاع صنع الله إبراهيم التزام النصِّ السرديِّ العربيِّ البلاغيِّ والإبلاغيِّ، وبعبارة نقديَّة: الوظيفة والرسالة، ولكن وفق معايير استنبطها اختصارًا لغويًّا مع شحن الجمل وجعلِها "توقيعات"، كما عرفها كتَّاب العرب، وفي "التغريدات" التي تتلقَّفها تقنيَّات اليوم، كما في توقيعات الخليفة عمر بن عبد العزيز في خطابِهِ إلى والي الحجاز: "كَثُرَ شاكوكْ، وقَلَّ شاكروكْ، فإمَّا اعْتَدَلْتَ، وإمَّا اعْتَزَلْتَ"، وتوقيع آخر له إلى عاملِهِ في إحدى مدنِ المغربِ الذي رأى أنَّ المدينةَ تحتاجُ إلى تحصينٍ، فوقَّعَ له: "حصِّنها بالعدل والسلام".
من هنا غار صنع الله إبراهيم في زوايا السرد الإبداعيِّ بعيدًا عن المبالغةِ والتكرارِ والحشوِ، وعن الجُمَلِ المقولبةِ، وعن النصوصِ الوعظيَّةِ والإرشادِ حيث يسودُ في سرديَّتهِ التواصلُ وسرعةُ الفهمِ والإفهامِ، صياغةً ومضمونًا، كما في كشفه للآتي في ختام روايته: "أخذ الجبل الصخريُّ (وهو يغادر بالسيارة) يتراجع من ورائنا، وأحاطت بنا الصخور والرمال المستوية من كلِّ جانب، وما لبث النهر أن تجلَّى لأعيننا، وامتدَّ الشاطئ الرمليُّ الضيِّق تحت أقدامنا وفي أقصاه ناحية اليسار كانت الباخرة تستعدُّ للإقلاع"[5]، مُقدِّمًا النصَّ الكثيف بالصور والمفاصل الفنّيةِ في بساطةِ تعبيرٍ ليشكِّلَ السياقَ الجديدَ لمعجمِ النثرِ الحديثِ. ومثال على ذلك اسم روايته "أمريكانلي" وتضمَّن توليفة عنوانٍ موازية (أمري كان لي). كان همُّه مِن معنى المعنى لنصوصه فضْحَ السلطة واستبدادها، منطلِقًا من تجربته الشخصيَّة، فكان الراوي والروائيَّ، ما يقودنا إلى التساؤل: هل أبرز في معجمه السرديِّ مفهوم الأصواتِ الأربعة في صوت واحد: الكاتب والراوي والراوية والشخوص، بحسبِ الناقدِ الروسيِّ ميخائيل باختين؟
عمل صنع الله إبراهيم على وضع الاتِّجاهات المخالِفة للسلطة الجائرة، ففضح الممارسات التي تُسيء إلى كرامة الإنسان، واستنكر وأدان الظلم وقمْع الحرِّيَّات والتعذيب، لذا كان موقفه الرافض لاستلام جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربيَّة لأسبابٍ تتعلَّق بالحرِّيَّات والأوضاع في المنطقة العربيَّة وخصوصًا في فلسطين. كان كاتبًا إنسانيًّا ثابتًا في مواقفه زمن التقلُّبات. وعلى الرغم من القلق الذي كان يعيشه ويواجه به قلق العالم لم يبحث في سرده عن تسوية بل عن طرحِ قضيَّة الإنسان، وهو لم يستسلم لمقولات جاهزة بل كان مسائِلًا، ناقدًا، مصالِحًا، ملتزمًا أزمات الناس والتعبير عنها، ساعيًا إلى الاشتباك والمواجهة، لذا خطا نهجًا سرديًّا في الرواية والموقف، وثَّق الحدث التاريخيَّ، وعالجه شرحًا وتحليلًا، فاضحًا وكاشفًا آليَّات السلطة، مخترِقًا المحرَّمات والممنوعات، لذلك نلمس فرادة آثاره الروائيَّة التي تميَّزت بالرؤية العميقة، مع التصدِّي لقضايا الوطن والإنسان. لقد استطاع، بتقنيَّةٍ توافرت له من عمله الصحفيِّ، الجمعَ بين الإبداع والنقد بوعيٍ ورؤية، فارتبط اسمه بالإبداع الثقافيِّ وبالنقد السياسيِّ الاجتماعيِّ، تصويرًا للسلوك البشريِّ في المجتمعات المقموعة والمحرومة من حرِّيَّة التعبير والحركة والرأي، كما في تصويره العمل في الدوائر الحكوميَّة حيث: "فاضِل الختم ( للمعاملة بعد عناء التنقُّل بين المكاتب)، تبعته إلى غرفة مدام فايزة وإلى مكتبٍ في طرفها. توقَّعت ألَّا يكون الجالس إلى المكتب هو حامل الختم، أو أن يكون الختم في دُرج مغلَق والمفتاح لم يأت اليوم، أو يكون استخدامه ممنوعًا في أيَّام الخميس، أو فرغ حبره، أو يحتاج إلى تجديد، أو يكون هناك خطأ في الأوراق لم يتبيَّنه أحد حتَّى الآن، أو... أو... ولدهشتها أخرج الموظَّف الختم وضغطه على الختَّامة، وبسط ورقة الملفِّ، ثمَّ رفع الختم في الهواء وهبط به فوق الورقة، وقبل أن يلمسها توقَّف فجأة ووضعها جانبًا، قال وهو يشير إلى مكان توقيع المراقِب العامِّ الفارغ: "فأين أمضت (توقيع) محي بك؟"[6].
في هذه الفوضى نظَّم صنع الله إبراهيم رواياته، منطلِقًا من واقع أحوال الناس، أوجاعهم، أفراحهم، قضاياهم، سرعتهم وتعثُّرهم في سعيهم إلى باب الأمل، كما في ختام روايته: "هبطتُ الدرج مسرعًا، وكدت أتعثَّر وأنا أستخرج سلسلة المفاتيح من جيبي. بحثت عن مفتاح الباب الخارجيِّ وأعددته في يدي، فلم أكن واثقًا من أنِّي سأجده مفتوحًا كما تركته"[7]، فهل مضى صنع الله إبراهيم واثقًا؟
الدكتور جان توما: حائز شهادة دكتوراه في اللغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللبنانيَّة. أستاذٌ محاضِر في جامعات: القدِّيس يوسف، واللبنانيَّة، وسيِّدة اللويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللغة العربيَّة في جامعة الجنان. له أكثر من عشرين إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيَّة، وشعريَّة، ورواية، ودراسات تربويَّة، وتحقيق مخطوطات.
[1] صنع الله إبراهيم، اللجنة (القاهرة: دار الكلمة، 1982)، 148.
[2] إبراهيم، تلك الرائحة وقصص أخرى، ط.3 (مصر: دار الهدى، ط.3، 2003)، 29.
[3] إبراهيم، المصدر نفسه، 34.
[4] إبراهيم، بيروت بيروت، ط.2 (مصر: دار المستقبل، 1988)، 156.
[5] إبراهيم، نجمة أغسطس، ط. 3 (بيروت: دار الفارابي)، 221.
[6] إبراهيم، ذات، ط. 3 (مصر: دار المستقبل العربيِّ، 1998)، 252.
[7] إبراهيم، أمريكانلي، ط. 1 (مصر: دار المستقبل العربيِّ، 2003)، 483.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق