نهضة حمص (١٩١٤-١٩٧٦)
شهد القرن العشرون في سورية أحداثًا غيَّرت مجرى تاريخ البلد ومدنه كافَّة. ففي ظلِّ نهاية الحكم العثمانيّ استطاع السوريُّون أن يشكِّلوا الدستور العثمانيّ الأوَّل في العام 1908، بالتزامن مع انتفاضة وشيكة أطاحت بالسلطان عبد الحميد الثاني. أعقب إعلانَ الدستور هذا الحربُ العالميَّة الأولى (1914-1918) ونهايةُ الحكم العثمانيّ، والانتداب الفرنسيّ (1923-1943)، لتندلع الحربُ العالميَّة الثانية (1939-1945). كانت تلك فترةً قاسية على العالم، وعلى سورية بخاصَّة. لكنَّ للسوريِّين إجابةً على الاحتلال، وإجابتُهم كانت بالثورة السوريَّة الكبرى بين العامَين 1925 و1929، والمطالبة المستمرَّة بالاستقلال من طريق الإضرابات المفتوحة (1935-1936)، والمفاوضات بين المجلس النيابيّ السوريّ والفرنسيِّين، وتوقيع معاهدة الاستقلال (1936). أُعلن الاستقلال الرسميّ للبلاد في العام 1941. لكنَّ الأوضاع لم تهدأ حينها. ومن أبرز الأحداث التي تلت الاستقلال النكبةُ الفلسطينيَّة وآثارها على البلاد العربيَّة المجاورة (1948)، تبع ذلك الاتِّحاد بين سورية ومصر، المعروف بإنشاء الجمهوريَّة العربيَّة المتَّحدة (1958-1961)، وانتهى بانقلاب عسكريّ في دمشق، ثمَّ تلته سلسلة انقلابات حتَّى استقرار الحكم في العام 1970[1].
بعد هذا التمهيد المقتضب عن الأحداث الإقليميَّة وخصوصًا السوريَّة، سنتوجَّه بدراستنا إلى التركيز على مدينة حمص، في ظلِّ تحدِّيات القرن العشرين، وذلك بسبب قلَّة ذكرها في كتب التاريخ الشائعة، مقارنةً بدمشق وحلب. ولكن، بحكم موقعها الجغرافيّ، الذي يشكِّل معبرًا شبه إجباريّ لكلِّ مَن يتنقَّل شمالًا وجنوبًا أو شرقًا وغربًا داخل سورية أو من دول الجوار، فإنَّها بحقٍّ نقطة تقاطع للطرق. من هنا فإنَّ البحث يهدف إلى تحديد أثر جغرافيَّة حمص في حياة سكَّانها، فيتوزَّع على ثلاثة أقسام: الأوَّل يتناول معرفةً جغرافيَّة للمدينة وأهلها. ويهتمُّ القسم الثاني بإظهار أبرز المعالم في المدينة والنهضة الاقتصاديَّة فيها. ليركِّز القسم الثالث على النهضة الثقافيَّة والفكريَّة الفريدة من نوعها. وهكذا يتمُّ تظهير نظرة واسعة للمدينة المتأثّرة بجغرافيَّتها. أمَّا المصادر والمراجع التي سنعتمدها فعديدة وتساهم في دراسة شاملة للمدينة، ومن أهمِّها: كتاب تاريخ حمص، في قسمه الثاني، الذي يعاصر مؤلِّفه القرن العشرين[2]. وسلسلة رحلات إلى المدينة وأبرزها الرحلة الشاميَّة لمحمَّد علي باشا في العام 1910. وكتاب آخر بعنوان حمص، دراسات في تاريخها وآثارها.
1. مدينة حمص في كتب الرحَّالة
كثرت الرحلات إلى حمص في القرن الماضي، وسنستند إلى أربعٍ منها، كرحلة محمَّد علي باشا[3] في العام 1955، حيث ذكر أنَّ "حمص مدينة يقال: إنَّها قديمة جدًّا"[4]. ويوضح تأسيسها بالقول: "بناها اليونانيُّون، وفيها آثار كثيرة ومشاهد ومزارات ومساجد شهيرة، منها مسجد عليّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، ودارُ الفاتح الكبير خالد بن الوليد"[5]. وفي توصيفها يقول: "المدينة قائمة على مستوى الأرض، وهي حصينة مقصورة من سائر الجهات، جميلة الهواء والتربة، كثيرة المياه والأشجار"[6]. أمَّا اسم المدينة فهو حِمص[7]، وفي المدينة تُنطق باسم حُمص، ويُقال إنَّ من بناها رجل اسمه حمص بن المهر بن جان بن مكنف وفيل حمص بن مكنف العمليقي، في حين أطلق اليونان والرومان عليها اسم أميسا[8]. ويُقال أيضًا إنَّ اسم حمص مشتقٌّ من كلمة كنعانيَّة ومعناها "الخجل"[9]. وهي المدينة الثالثة في سورية بعد دمشق وحلب.
تبعد حمص مسافة 200 كلم جنوب مدينة حلب، و55 كلم جنوب حماه. وهي في وسط الطريق بين حلب ودمشق[10]. في شرقها بادية الشام، ومن جنوبها تلول ووهاد[11]، ومن شمالها تلول وسهول، أمَّا غربها فتحدُّه الأطراف الجنوبيَّة لجبل الأنصاريَّة[12]. تقع المدينة على هضبة واسعة[13]. يجري نهر العاصي[14] في غربها، فيشكِّل بحيرة حمص[15]. أمَّا قلعتها فتعلو إحدى التلال في الجهة الجنوبيَّة من المدينة القديمة المُسوَّرة، فقد بنيت فوق تلٍّ طبيعيّ صخريّ يرتفع 533 م. عن سطح البحر، ويحيط القلعةَ خندق، كما يحيط السوارُ بالمعصم[16]. وكذلك فإنَّ مدينة حمص تُشبه سائر المدن الشاميَّة، بمعنى أنَّها تحافظ على ملامحها الشرقيَّة الأصليَّة[17].
في حمص قبر الصحابيّ خالد بن الوليد، ولذلك ارتبطت المدينة باسمه "مدينة ابن الوليد". ويُسمَّى مسجدها "مسجد سيدي خالد". وسمِّيَت القرية التي دفن فيها هذا الصحابيّ بجوار سور حمص القديم "الخالديَّة"، وهي ما زالت حيًّا من أحياء المدينة بعد توسيعها. فقد ظلَّ خالد حيًّا في مدينته التي ضمَّت رُفاته ورُفات المئات من الصحابة والتابعين وكثيرٍ من العلماء[18].
2. 1 أهلها
وصفهم المحدِّث الأكبر العلَّامة بدر الدين الحسني[19] قائلًا: "تطفح وجوههم بالبِشر والسرور، وتعلو ثغورهم ابتسام الفرح والحبور، من غير دافعٍ يدفعهم، أو محرِّك يحرِّكهم"[20]. وفي فترة إقامته في حمص، "قضى بقيَّة الأسبوع مغتبطًا مسرورًا من حُسن الوفادة، وكرَم الأخلاق بين إرشاد القوم ونُصحهم"[21].
أمَّا عن تواضع أهل حمص فقد ذكر ذلك فيهم محمَّد رشيد رضا[22] في رحلته إلى حمص، وقد لفت انتباهه أنَّ "قِلَّة التنوُّق في الأطعمة بحمص محمدةٌ لها عندي إذا كانت تحفظ ثروتها من التلف في غير ذلك من ضروب السرف، وتجعل حظًّا منها عظيمًا للتعليم والتربية"[23]. لكن بالمقابل "يُنتقد على أهل حمص، أهل من الخمول والسكون، فهم لم يشرعوا في عمل مفيد"[24]. وهذا ما شجَّع رضا لأنْ يحثَّ طائفةً من وجهاء حمص "على تأليف جمعيَّة خيريَّة إسلاميَّة، لأجل إنشاء المدارس الأهليَّة، ومساعدة الفقراء على تربية أولادهم وتعليمهم"[25].
أمَّا بالنسبة إلى الإمام الداعية الهنديَ أبي الحسن الندوي[26]، وفي أثناء تقديمه محاضراتٍ عن تاريخ فتوح الشام، فقد لفته غضُّ نظر الحمصيِّين عن التاريخ، معبِّرًا أنْ "لا شيء أدعى إلى العجب والحزن من أن نرى أهل حمص مشغولين عن هذا التاريخ المجيد، ذاهلين عن رسالته وإلهامه، مستهينين برجاله وأبطاله"[27]. وقد ناشد الحمصيِّين أنّ "في أرضكم دُفن هذا السيف يا أهل حمص، فهل لكم أن تُغيثوا العالم الإسلاميَّ وتعيروه هذا السيف المفقود؟![28]
في أثناء رحلة عبد الوهَّاب عزَّام[29] إلى حمص ذكر أنَّه رأى "النساء مقنَّعات، وأُخبرنا أنَّ المسلمات والمسيحيَّات سواءٌ في هذا التحجُّب"[30]. فقد اعتادت النساء أن تتوحَّد في اللِّباس، بعضِّ النظر عن خلفيَّاتهنَّ الدينيَّة. وقد نُقل عن محمَّد عليّ باشا أثناء مغادرته لحمص قوله: "فتاتان من بنات العرب مثقلين [مثقلتان] بالحليّ على لبوسهما اللَّطيف، وفي إحدى يدي كلِّ واحدة منهما سيف وفي الأخرى منديل، ثمَّ هما كانتا تغنِّيان بين هؤلاء الفرسان لأجل تشجيعهم وتهييج عاطفة الفروسيَّة فيهم"[31]. والجدير بالذكر أنَّهما تؤدِّيان دورًا مهمًّا في تشجيع الخيَّالة وإثارة مشاعرهم، فكانتا "تترنَّمان بأناشيد الحبِّ ونغمات الطعن والضرب"[32]. وبهذا الفعل أيضًا ما لبثتا "تحرّكان فيهم غريزة الحميَّة والشجاعة حتَّى أخذت الحماسة من نفوسهم مأخذًا عظيمًا"[33].
يظهر ممَّا تقدَّم أنَّ للنساء أهمِّيَّة عاطفيَّة أساسيَّة في المجتمع الذي يستمدُّ شجاعته منهنَّ، من دون حسبانٍ لاختلاف الدين، واللِّباس، ما يؤشِّر إلى اللُّحمة الوطنيَّة الموجودة في حمص، والتي سنتناولها تاليًا.
تتميَّز حمص بالتعدُّد الطائفيّ. فسكَّانها، في الفترة التي ندرسها، من ديانتَين: مسلمون ومسيحيُّون. المسلمون من مختلف الملل (سُنَّة، وهم الأكثريَّة، وعلويُّون، وإسماعيليُّون، ومرشديُّون من أتباع سليمان مرشد)، والمسيحيُّون من طائفتَين: أرثوذكسيُّون وكاثوليك (روم، وسريان). كما سكنَها في تلك الفترة أرمن، وحملت إحدى المناطق السكنيَّة اسمهم، لكنَّهم رحلوا بعدها إلى حلب ودمشق وبيروت. ويبرز أهل العلم والمكانة من كلتا الديانتَين، من دون تفرقة. من هنا، كان الوفاق واضحًا بينهم، وقد شدَّد رضا على فرادة هذا الوفاق والأُلفة المميَّزة عن سائر البلاد السوريَّة [34]. لكنَّه، بالمقابل، أصرَّ على اعتماد الصراحة، واعترف بأنَّ حمده لهذا الوفاق بات سلبيًّا، مُشجِّعًا كلا الطرفين على "التزاور والتعامل وغير ذلك من أعمال الوفاق الإيجابيّ"[35]. ويقابل هذا العيشَ المشترك السلبيّ، تجلٍّ بالعواطف القوميَّة، بين المسيحيِّين والمسلمين، في استقبال ضيوفهم المكرَّمين[36].
ولا بدَّ من أن تشمل هذه اللُّحمة الشديدة بين الحمصيِّين، ليس أهل المدينة فحسب، بل اللَّاجئين إليها أيضًا، وخصوصًا الفلسطينيِّين منهم.
لم تقتصر الوحدة والارتباط القويّ على الحمصيّين فحسب، بل ظهر ذلك أيضًا بين سكَّان المدينة من غير الحمصيّين. وبهذه المناسبة يذكر الإمام الندوي وجود مجموعة من الفلسطينيِّين في حمص في أثناء زيارتها في العام 1951، وهذا ما يتزامن وهجرة الفلسطينيِّين من بلادهم[37]. فقد كانوا يلتقون سويًّا، ويعقدون اجتماعات فيما بينهم، ملتفِّين بعضهم حول بعض في حجرتهم، ومرحِّبين بضيفهم، من هنا دعوا الإمام إلى اجتماع معهم، ويحضر اللقاء إخوانهم، وبعض رجال البلد، والأعيان، وكبار الموظَّفين. فأنصتوا إلى حديثه الدينيّ بقبول وعطش[38].
يظهر لنا أنَّ سكَّان حمص، برجالها، ونسائها، واللَّاجئين إليها، يعيشون في وحدة متماسكة، بالرغم من بعض التحدِّيات الإقليميَّة التي واجهتها المدينة في ذلك القرن. إذ إنَّ التركيز على حُسن الاستقبال والضيافة، والتربية، والتعليم، وحضن الغريب الذي لا يجد نفسه إلَّا من أهل المدينة، نتائج وصلت إليها المدينة، بمساعدة موقعها الجغرافيِّ، صلة الوصل بين المدن السوريَّة، ومركز استقطاب الزائرين، والمسافرين، والرحَّالة. وبما أنَّ المدينة ليست بسكَّانها فحسب، فسيتمحور القسم الثاني على أبرز معالم المدينة، ونهضتها الاقتصاديّة.
القسم الثاني: معالم المدينة والنهضة الاقتصاديَّة
يتمحور القسم الثاني في جزئه الأوَّل على أبرز المعالم التاريخيَّة (الأثريَّة والدينيَّة) لمدينة حمص، ويتناول النهضة العمرانيَّة في جزئه الثاني.
1. معالم المدينة
تحفل المدينة بالعديد من المعالم، والمباني، والمنشآت التاريخيَّة الأثريّة، كالأبنية العسكريَّة، ومنها سور المدينة، والخندق، والقلعة، وكذلك ببعض المنشآت الدينيَّة، كالمساجد ومنها جامع النوري الكبير، وجامع خالد ابن الوليد، والكنائس ولا سيَّما كنيسة مار إليان، وكنيسة أمّ الزنَّار. بالإضافة إلى بعض المنشآت الإداريَّة والسكنيَّة، كقصر الزهراوي وغيره[39].
المسجد النوري هو الجامع الكبير الذي أُسِّس في عهد عمر بن الخطَّاب[40]. إنَّه أحد أقدم المعالم الإسلاميَّة في المدينة. ويقال إنَّه تمَّ العثور على رأس القدِّيس يوحنَّا المعمدان بالقرب من حمص سنة 452، وأُعيد دفنه في الكنيسة التي يُفترض أنَّها ضمن موقع المسجد النوري ومعروف أيضًا أنَّ رأس القدِّيس يوحنَّا موجود في الكنيسة ضمن الجامع الأمويِّ الكبير في دمشق[41]. ويقع المسجد في وسط المدينة وحوله مركز المدينة التجاريّ[42].
أخذ مسجد خالد ابن الوليد اسمَ القائد العربيِّ خالد بن الوليد (592-642)، الذي عاش في حمص في آخر سبعِ سنينٍ من حياته. وقد سمَّاه الرسول "سيف الله"[43]، وله الفضل الأكبر في فتح الشام. أُنشئ المسجد والضريح سنة 1908 لابن الوليد[44]. وزيارة هذا المسجد أساسيَّة لكلّ من يمرُّ بالمدينة لأهمِّيَّته الدينيَّة، وزخارفه وزينته المميَّزة[45].
باتت قلعة حمص الأثريَّة أشبه بخربة بعد أن دُمِّرت في الحروب عبر السنين، ولكن من موقعها تُرى المدينةُ وكنائسها وجوامعها[46]، نظرًا لموقعها في أعلى نقطة في المدينة التي هدفت إلى تأمين الحماية والدفاع والبُعد عن السيول وقتَها[47].
سمِّيت كنيسة أمّ الزنَّار نسبة إلى إيجاد قطعة من القماش (زنَّار)، يقال إنَّها تعود لمريم العذراء، تحت المذبح أثناء ترميم الكنيسة في الخمسينيَّات. أمَّا كنيسة مار إليان فاكتشفت فيها لوحات وفسيفساء في أثناء تجديدها في السبعينيَّات، كذلك تضمُّ مخطوطات عربيَّة ويونانيَّة تعود إلى القرن الثاني عشر وحتَّى إلى القرن السادس[48].
شهدت حمص في القرن العشرين تقدّمًا لافتًا في الزراعة والصناعة[49]. وفي إثر ذلك، بات للتجارة مكانة مهمَّة، ليس بسبب أهمِّيَّتها السياسيَّة في سورية فحسب، بل خصوصًا بسبب موقعها الجغرافيّ والاستراتيجيّ، وهذا ما جعل منها مركزًا للزراعة والصناعة[50]. فزاد إنتاجها من المياه ليكفي زيادة عدد سكَّان المدينة، وأضيئت بالأنوار الكهربائيَّة لأوَّل مرَّة سنة ١٩٣٢[51]. وبناء عليه تطوَّرت صناعة النسيج، وبُنيت مصفاة للنفط وإمدادات لأنابيبها، وأنشئ معمل سُكَّر، ومصنع للإسمنت، وآخر للسماد الآزوتيّ، وتمَّ ترميم السدِّ فيها ليكفيها حاجتها من مياه الريّ.
لمَّا كان عدد سكَّان المدينة إلى ازدياد وكذلك حاجتهم إلى المياه النقيَّة، ونظرًا إلى رداءة المصفاة القديمة، فقد تمَّ بناء خزَّان لتجميع المياه في الهضبة في محلَّة الخالديَّة في العام 1933، ويتَّسع لكميَّة 250 مترًا مكعَّبًا من الماء. أمَّا بخصوص الكهرباء فتعاقدت الحكومة السوريَّة، في العام 1929، مع شركة الترامواي والتنوير في بيروت لإنارة حمص وحماه. وفي العام 1932 انتهى بناء المعمل المولِّد للكهرباء على شلَّال نهر العاصي[52].
يَكمن نجاح المدينة وتطوُّرها في عدَّة مستويات في آن واحد، ليس جرَّاء تأمين المياه والكهرباء فحسب، بل في ازدهار التجارة وما يتَّصل بها من صناعات. ففي الغالب، تركَّزت التجارة في حمص على محاصيلها ومصنوعاتها التي برزت في إنتاجها وخصوصًا الحرير والنسيج[53]. وتوافرت فيها أسواق كبيرة تشبه إلى حدٍّ كبير أسواقَ دمشق وبلاد الشام. وكان باعَتُها من الحمصيِّين، بينما توزَّع المشترون على أعراب البادية والشراكسة المهاجرين وغيرهم[54]. أتى ذلك جرَّاء تطوُّر صناعة النسيج فيها، فمِن 2500 نَولٍ (بالإضافة إلى حماه) في العام 1872 إلى 4000 نولٍ في العام 1879، فـ 5000 نولٍ في العام 1902، إلى أن وصل العدد إلى 10000 نَولٍ في العام 1909، حتَّى نعتها أحد المستشارين البريطانيِّين بـ "مانشستر سورية"[55]. وهكذا وصلت حمص إلى تغطية خمس إنتاج البلاد السوريَّة من صناعة الغزول، والمنسوجات، والدباغة، حيث كان الإنتاج العامُّ للبلاد حوالى19700 طنٍّ من القطن، ما دفع الحكومة إلى وضع قوانين تحمي فيها هذه الصناعة من المضاربات الخارجيَّة[56].
إلى جانب صناعة النسيج والتجارة به، تمَّ افتتاح مصفاة البترول في العام 1959 لتوزيع البترول إلى المدن السوريَّة[57]، وتمَّ ذلك بتعاقد بين الحكومة السوريَّة وشركة تكنو إكسبورت التشيكوسلوفاكيَّة لإقامة المحطَّة في غرب حمص، ثمَّ توسَّعت المصفاة في العام 1969 لتؤمِّن احتياجات البلاد السوريَّة كاملةً من البترول[58]. وهذا ما أمَّن فرصًا عديدة للعمل، وطوَّر من مهارات العمَّال، حتَّى باتت حمص تنافس في العالم الصناعيِّ والاقتصاديِّ آنذاك[59].
هذا وساهم معمل السكر أيضًا (أنشئ سنة 1945) بالنهضة الاقتصاديَّة، وضاعف إنتاجه بعد زيادة وحداته سنة 1976. وكذلك الحال بخصوص مصنع الإسمنت الذي تمَّ افتتاحه سنة 1960 بتمويل من رأسماليِّين حمصيِّين. وأسوة بباقي المصانع، تمَّت زيادة إنتاجه وتطويره بعد عدَّة سنوات، فوصل إلى 120 ألف طنٍّ سنة 1969 بعد أن كان قد بدأ بإنتاج 100 ألف طنٍّ فقط. كما تأسَّس معمل السماد الآزوتيّ بين العامَين1974 و1976.
وبعد هذه النهضة الشاملة على المستويات الصناعيَّة والتجاريَّة والاقتصاديَّة، لا بدَّ من المرور على ذكر سدِّ بحيرة حمص القديم، والذي تمَّ تجديده في القرن الماضي.
قد يعزو العمران الذي جرى في المدينة إلى هذا السدِّ وما اختزنه من وفرة في المياه، وإيصال الكهرباء، فساهم عاليًا في الازدهار الاقتصاديّ، والتجاريّ، والصناعيّ. تعود إقامة سدِّ بحيرة حمص إلى الألف الثاني قبل الميلاد، فهو واحد من أقدم المشاريع الهندسيَّة فيها. قد يكون الرومان هم من بنوه، أو الفراعنة، مع إنشاء شبكة قنوات لريِّ المزروعات. ويقال إنَّه رُمِّم مرَّتين في العهد الرومانيِّ قبل الميلاد. وتصدَّع في ثلاثينيَّات القرن الماضي[60]، أو في سنة 1938[61]، لكن تمَّ ترميمه بين العامَين 1934 و1938، وقد اتَّفق المصدران على أنَّ كميَّة استيعابه بعد الترميم وصلت إلى 200 مليون متر مكعَّب. وفي العام 1952 وصلت مياه قناة الريِّ إلى بساتين مدينة حماه[62].
ومع تضافر الأسباب المذكورة سابقًا في إعلاء شأن المدينة وتطوّرها ودورها كنقطة تواصل مع باقي مناطق سورية والبلاد المجاورة، لا بدَّ من التوقُّف عند جانبَين أساسيَّين في نهضتها أيضًا ويتلخّصان في دورها الثقافيِّ والفكريِّ.
القسم الثالث: النهضة الثقافيَّة والفكريَّة
ويوضّح هذا القسم معالم النهضة الثقافيَّة والفكريَّة من مؤسَّسات وأعلام ونشاط سياسيّ.
1. الثقافة
سارت حمص بخطوات مهمَّة وبارزة في مجال العلم والثقافة في القرن الماضي. وتُرجم ذلك في نشأة العديد من المدارس فيها. وبرزت فيها الحركات الكشفيَّة. وقد كان للصحافة دور لافت أيضًا لتعدُّد الصحف وتنوُّعها، ما يدلُّ على تطوُّر مهمّ في العلم والثقافة وحريَّة التعبير.
برزت مدرسة البنات الأرثوذكسيَّة، وتمَّ ترميمها في العام 1902، وتساعدها في التعليم الكليَّة الوطنيَّة الإنجيليَّة، والمعروفة بالمدرسة الإنكليزيَّة وقد أنشأت سنة 1855[63] مع البعثات الأميركيَّة، وتسلَّم إدارتَها حنَّا خبَّاز، وفي العام 1905[64] استطاعت أن تباشر في التعليم الثانويِّ، ما ساهم في نهضة مستوى التعليم، لناحية زيادة عدد استيعاب المدارس للطلبة، والذي كان بالمئات، وهم يتلقَّون العلوم الثانويَّة التي تؤهِّلهم للدخول في مختلف جامعات العالم. كما أنَّ الكليَّة الأرثوذكسيَّة، وهي مدرسة للتعليم العالي، بوشر التعليم فيها في العام 1910، بعد ثماني سنوات على بناء المدرسة الإنجيليَّة. ساهم كلّ ذلك برفع مستوى التعليم في المدينة، بخاصَّة أنَّ أغلب المموِّلين لهذه المشاريع كانوا من سكَّان حمص وخصوصًا المغتربين[65]. وتمّ قبول الخرِّيجين من الجامعة الأميركيَّة في بيروت منذ سنة 1913[66].
ازدهرت الحركة الكشفيَّة في حمص في العام 1943، ولا سيَّما بعد نجاح الوطنيِّين في الانتخابات النيابيَّة السوريَّة. ومن أنشطتها البارزة مساهمتها في جميع الحركات النضاليَّة والوطنيَّة ضد المستعمرِين الفرنسيِّين[67]. وفي العام 1944 صدر قانون لتنظيم الحركة الكشفيَّة في سورية، وتمَّ تسجيلها في العام 1949 في المكتب الكشفيِّ الدوليّ[68].
تعزَّز الوجه الثقافيّ لحمص حين إنشاء دار الكتب الوطنيَّة في العام[69] 1947 كملتقًى للمثقَّفين والأدباء والعلماء. وفي العام 1957 احتوت الدار على حوالى 20 ألف مجلَّد، ووصل عدد روَّاده إلى ما يقارب الـ50 ألفًا سنويًّا[70].
عند الحديث عن الصحافة في حمص، يجدر بنا الالتفات إلى الضغط والاضطهاد الذي عانته المدينة في فترة الاستعمار الأجنبيّ. فقد أدَّى الصحافيُّون دورًا مهمًّا في نشر العلوم والمعارف والثقافة، وكذلك في نقل مختلف الآراء والأفكار السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة[71]. وقد تطلَّب تعداد الصحف في حمص جدولًا بأهمِّ تلك المجلَّات المتنوِّعة بمواضيعها الفنِّيَّة والأدبيَّة والاجتماعيَّة والأخلاقيَّة[72].
| اسم المنشور | العام | نوعه | المؤسِس |
| "حمص" | 1909 | صحيفة | الطائفة الأرثوذكسيَّة |
| "صدر سورية" | 1920 | صحيفة | نسيب شاهين |
| "الشرق | 1923 | صحيفة | أديب الساعاتي |
| "جادَّة الرشاد" | 1923 | مجلَّة شهريَّة اجتماعيَّة أخلاقيَّة. | حنَّا الخبَّاز |
| "دوحة الميماس" | 1928 | مجلَّة أدبيَّة فنيَّة. تُعدُّ أوَّل مجلَّة تصدر في حمص اهتمَّت بالنسائيَّات والمجتمع الحمصيّ، وساهمت في الدفاع عن المرأة. | ماري شقرا |
| "البحث" | 1930 | صحيفة، ومجموعة أدب وفنٍّ واجتماع. | رفيق فاخوري، نبيه سلامة، محيي الدين الدرويشي |
| "الحبّ والسلام" | 1936 | مجلَّة كاثوليكيَّة شعريَّة مصوَّرة. تبحث في الدين والعلم والتهذيب وأمجاد الأمَّة السريانيَّة. | المطرانيَّة السريانيَّة الكاثوليكيَّة بحمص |
| "الحبُّ في المحاكم" | 1938 | مجلَّة أدبيَّة فنيَّة اجتماعيَّة. | إسكندر الرياشي وتوفيق الشامي |
| "الضحى" | 1944 | صحيفة | سليمان المعصراني |
| "الهدى" | 1946 | صحيفة | قاسم شاغوري |
| "الهدى" | 1946 | مجلَّة أسبوعيَّة اجتماعيَّة أدبيَّة إخباريَّة مصوَّرة، غير سياسيَّة. |
|
| "الميتم" | 1946 | مجلَّة أسبوعيَّة أخلاقيَّة وعلميَّة وتربويَّة. | الميتم الإسلاميّ بحمص |
| "الأمل" | 1947 | مجلَّة أسبوعيَّة ثقافيَّة تربويَّة. | كمال النجَّار |
| "السوريّ" الجديد" | 1948 | صحيفة | فيضي الأتاسي وتوفيق الشامي |
| "الفجر" | 1951 | صحيفة | أحمد نورس السوَّاح |
| "القافلة" | 1953 | صحيفة | محمَّد الحاج يونس |
| "السنا" | 1953 | مجلَّة اقتصاديَّة عمَّاليَّة أدبيَّة نصف شهريَّة. | إليان الطرابلسي |
| "الينبوع" | 1956 | مجلَّة أدبيَّة أسبوعيَّة. | محمَّد البدويَّة |
| "العروبة" | 1957 | صحيفة | محمَّد الأزهري |
| "مساء الخير" | 1957 | مجلَّة أسبوعيَّة أدبيَّة اجتماعيَّة. | عبد الرحمان الترجمان |
| "الخمائل" | 1962 | مجلّة أسبوعيَّة أدبيَّة جامعة. | محيي الدين الدرويشي |
| "صوت البلد" | 1963 | صحيفة | حسن الشامي |
| "الثورة" | 1963 | صحيفة | حزب البعث السوريّ |
أطلقت أكثر من 20 مجلَّة وصحيفة في حمص خلال نصف قرن تقريبًا، وهذا رقم يدلُّ على خصوبة الفكر، ونضجه، وتنوُّعه، وإيجاد المساحة الحرَّة للتعبير عنه. ويرافق الصحافةَ أعلام عديدة برزت في حمص أدَّى كلُّ واحد منها دورًا في مدينته حمص وفي بلده سورية.
برز في حمص عدد كبير من الأعلام، وكان لها دورها المؤثِّر فنيًّا وأدبيًّا وعلميًّا وثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثوريًّا، ونذكر منها[73]:
• الشيخ عبد الحميد الزهراوي (1871-1916): أديب، نائب.
• المحامي رفيق رزق سلُّوم (1891-1916): لاهوتيٌّ وكاتب.
• خالد الحكيم (1878-1944): مهندس عسكريّ.
• الخوري عيسى أسعد (1878-1949): مؤرِّخ وأديب وفيلسوف ورجل دين.
• ماري ينِّي عطالله (1895-1975): صحافيَّة رائدة.
• مراد السباعي (1914-2002): ممثِّل وأديب وكاتب مسرحيّ.
• صادق الأسعد (1875-1957): شاعر.
• عبد الهادي زين العابدين (1888-1965): شاعر وخطَّاط.
• سامي الدروبي: سياسيّ ودبلوماسيّ وكاتب ومترجِم وأستاذ جامعيّ وفيلسوف.
• نسيب عريضة: أحد مؤسِّسي الشعر المهجريّ، وعضو الرابطة القلميَّة في نيويورك.
• عبد المسيح حدَّاد: شاعر، وأحد مؤسِّسي الشعر المهجريّ.
• أمين الجندي: شاعر من أواخر القرن التاسع عشر، شارك في صناعة النهضة العربيَّة الثقافيَّة.
• عبد الباسط الصوفي: شاعر رومنطيقيّ اشتُهر في أوساط القرن العشرين.
• يوسف الخال: شاعر، اشتُهر في أوساط القرن العشرين.
• عبد الغفَّار الدروبي: عالِم دين، اشتُهر في المدينة بتقواه.
• حسَّان شمسي باشا: طبيب، اكتسب شهرة خاصَّة في أواسط القرن العشرين.
• عمر الفرَّا: شاعر، اشتُهر بكتابة الشعر الشعبيّ.
• هاشم الأتاسي: رئيس سورية سابقًا لفترتين، وأبو الدستور السوريّ السابق.
• لؤي الأتاسي: رئيس مؤقَّت للجمهوريَّة بعد ثورة الثامن من آذار في العام 1963.
• نور الدين الأتاسي: رئيس سابق للجمهوريَّة.
• فرحان الصبَّاغ: عازِف عود. أنشأ في العام 1981 المؤسَّسة العالميَّة لموسيقى الحضارات التابعة لليونيسكو.
• رياض الترك: سياسيّ شيوعيّ وحقوقيّ سوريّ بارز.
• الطيِّب تيزيني: فيلسوف وكاتب سوريّ.
• مالك الجندلي: موسيقار سوريّ. وحائز على جائزة أفضل عازِف بيانو لعام 1997.
• شادية حبَّال: عالِمة فضاء وفيزياء، ومتواجدة حاليًّا في الولايات المتَّحدة.
• سهير الأتاسي: ناشطة سوريَّة حقوقيَّة.
3. النشاط السياسيّ
تعدُّ حمص مدينةَ ملتقى الأفكار والحضارات ومجالًا فسيحًا للتعبير عن حرِّيَّة الرأي، ما ساهم في التأثير القويّ لبعض الأعلام الحمصيِّين في سورية في القرن الماضي والحافل بالتغيُّرات السياسيَّة، ولا سيَّما في حقبة نهاية الاحتلال العثمانيّ، والحربَين العالميَّتين، والانتداب الفرنسيّ، ومحاولات الاستقلال بالسلطة، تبلورت معها شخصيَّة أولئك في خوض نضال في الظروف الصعبة تحقيقًا للاستقلال. وبناءً على ما سبق، نستنتج أنَّ الحمصيَّ لا يحتاج إلى دافع يدفعه، ولا إلى محرِّك يحرِّكه[74]، وأنَّه يحفظ ثروته من التلف، فيحفِّزها ليصرفها في التعليم والتربية، وهذا ما كان مصدرًا أساسيًّا لتمويل المدارس والصحف وغيرها[75]، فاستطاع أن يبني لحمة وطنيَّة لافتة.
الخاتمة
جال البح?
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق