شخصيَّات يوحنَّاويَّة أنثويَّة مريم أمُّ يسوع، المرأة السامريَّة، مريم المجدليَّة
يعدنا الكاتب في مقدِّمته بالتعرُّف إلى ثلاث شخصيَّات أنثويَّة في رواية شخصيَّات يوحنَّاويَّة أنثويَّة. هذه الرواية الرابعة التي تختصُّ بقارئ يشابه في تساؤلاته تساؤلات القارئ المعاصر عن دور المرأة في حياة يسوع والكنيسة...
يخوض الكاتب الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى المخلِّصيُّ رحلة البحث، ويختار مريم أمَّ يسوع، والمرأة السامريَّة، ومريم المجدليَّة كما رسمها يوحنَّا الإنجيليّ، وكيف تفاعلت مع يسوع. ويتمحور سؤال البحث على ما إذا كانت هذه الشخصيَّات "مثاليَّة" لنقل شهادة الإيمان بيسوع.
يكشف الكاتب في مؤلَّفه كيف أنَّ علاقة يسوع بالنساء قد كسرت الكثير من مسلَّمات عصره، فهي تكشف عن احترام عميق يقوم على الحوار، إلى حدِّ أنَّ يسوع (بحسب يوحنَّا) يتجاهل جميع الأطر اليهوديَّة السائدة، إذ تُصبح المرأة هي من تبادر إلى الخدمة العامَّة، بدلًا من أن تتقوقع في التقييدات الاجتماعيَّة، وأبعد من ذلك، هي التلميذة التي تعرف كيف تدخل في قلب معلِّمها وتنقل لنا جوهر إيمانها.
يقسِّم الكاتب مؤلَّفه إلى ثلاثة أقسام بحسب كلِّ شخصيَّة: يتناول في الأوَّل شخصيَّة مريم أمِّ يسوع، وعلى أنّها ذُكرت كونها أمَّ يسوع مرَّتين فحسب، لكنَّ يوحنَّا يركِّز على دور مريم في فهم عالم يسوع، سواء عندما كانت حاضرة في عرس قانا الجليل، أي المعجزة الأولى في حياة يسوع العلنيَّة، أو عندما كانت عند أقدام المصلوب، وهي لم تتركه في أحلك لحظات حياته ومشروعه الخلاصيّ.
يوضِّح الأرشمندريت، صاحب الكتاب، أنَّ صورة مريم في رواية يوحنَّا تختلف عن تلك التي تظهر عليها في الروايات الإزائيّة، فيركِّز على هويَّتها الأموميَّة بارتباطها بابنها يسوع، كون تركيز الإنجيليِّ على عملها في ما يخصُّ يسوع، وهي صورة للكنيسة التي تلد البشر في الإيمان، وهي في المشهد الأوَّل بعرس قانا الجليل تمثِّل شعب الله، وفي المشهد الأخير تتغلَّب على عثرة الصليب، الخطوة التي تنقل الجماعة اليهوديَّة إلى الكنيسة.
يحلِّل الكاتب نصَّ "العرس" بجميع أبعاده الخريستولوجيَّة واللاهوتيَّة والإسخاتولوجيَّة، ويستخدم أسلوب التحليل السرديِّ ليقف على أحد أشهر المشاهد الكتابيَّة. وينتقل بعدها إلى مشهد الصلب الخاصِّ بيوحنَّا هذه الأيقونة التأمُّليَّة التي اختصَّ بها يوحنَّا دون سواه من الروائيِّين الإنجيليِّين. يصوِّر لنا يوحنَّا الشخصيَّات الأضعف تحت الصليب، وخصوصًا النساء والتلميذ الحبيب، وأيَّ تلميذ يتبنّى ذلك الموقف الشجاع، أي البقاء أمام الصليب كي يشهد على سرِّ الحبِّ الإلهيّ، ويُبرز يوحنَّا، عكس الإزائيِّين، شجاعةَ النسوة في هذا الموقف، الذي يعبِّر عن الحبِّ الحقيقيِّ الذي لا يتلاشى في الصعاب، والشخص الأهمُّ هي أمُّه الّتي بقيت معه إلى المنتهى، فهي نموذج المحبَّة والإيمان الناضجَين.
في القسم الثاني من الكتاب، يتناول الكاتب المرأة السامريَّة، وهو مشهد يقع ضمن إصحاح واحد، عكس مشهد (العرس/الصلب) وتوازيه. يسلّط الأرشمندريت أبو سعدى الضوء على أهمِّيَّة المرأة السامريَّة التي تتخطَّى الحدود الاجتماعيَّة، والصور المنمَّطة... إنَّها الشُجاعة التي تتكلَّم مع يسوع وجهًا لوجه. ويقسِّم الكاتب قراءته إلى تاريخيَّة وجغرافيَّة ولاهوتيَّة، وحيث يبرز الحدث المحوريُّ، أي إيمان السامريِّين بيسوع "مخلِّص العالم"، وأنَّ وجود يسوع في السامرة هو حتميٌّ للإرادة الإلهيَّة، وهو المكان الذي لم يذكره باقي رواة الإنجيل. لكنَّه المكان الذي سيصرِّح فيه يسوع عن العبادة الحقِّ، أي الليترجيا الجديدة، حيث هيكل الله في كلِّ مكان، أي أنَّ عبادة الآب ستتمُّ في القلوب، وهي عبادة الروح.
في القسم الأخير، ينتقل بنا الكاتب إلى مشهد مريم المجدليَّة الشاهدة، وهو أيضًا مشهد وحيد متكامل، يُبرز دورها الأساسيَّ كونها ناقلة للخبر السارِّ الفصحيّ. وإن يأتي دورها متأخِّرًا عند الصليب، فإنَّ رسولة الرسل هي الشخصيَّة الأبرز في حدث القيامة، بكلِّ ما تحمله هذه المرأة من مفارقات.
يشرع الكاتب بتحليل النصوص تحليلًا هيكليًّا، ليدخل بعدها في عمق شخصيَّة المجدليَّة ويفسِّر دورها من طريق علاقتها بشخصيَّات يوحنَّا الأخرى. ولعلَّ أهمَّ علاقة لمريم المجدليَّة هي العلاقة الشخصيَّة بيسوع، ذلك الحبُّ الذي يَصعب أن يفسِّره المنطق البشريُّ، وكيف له أن يفسِّر "الحيّ" من بين الأموات؟ وكيف يركِّز يوحنَّا في روايته على فرادة مريم المجدليَّة، واضطرابها، واللهجة العاطفيَّة للِّقاء، والأهمُّ من ذلك، محتوى الرسالة الموكلة إليها، بأنَّ العهد قد تحقَّق بشخص يسوع.
يشرح الكاتب باستفاضة لقاء مريم مع معلِّمها، هذا اللقاء الأنثويَّ مع القائم من بين الأموات، وكيف أنَّ في قلب الريبة والقلق، يبرز الإيمان وينمو في سوء الفهم، والانتقال من تدبير ما قبل الفصح إلى تدبير الفصح، أي الانتقال من علاقة مريم مع معلِّمها "رابوني"، إلى علاقة مريم مع الربِّ، لتكون مثالًا لنقل البشارة.
يختتم المؤلِّف بخلاصة تُفضي إلى أنَّ أحد أهمِّ الجوانب في علاقة يسوع بالنساء هي استعداده لتعليمهنَّ، وهذا يتخطَّى الحواجز والأفكار المسبقة لبيئته الاجتماعيَّة، فالحقائق اللاهوتيَّة ليست حُكرًا على جنس من دون آخر. فالمرأة هي أمُّ الكنيسة، وهي التي فتحت باب البشارة إلى غير اليهود/السامريِّين، وهي التي بشَّرت الرسل أنفسهم بالقيامة، وذلك ضمن علاقة وثيقة بالمعلِّم، مبنيَّة على فهم إيجابيٍّ للمرأة.
قدَّم الأرشمندريت أبو سعدى دراسة كتابيَّة غنيَّة عن بعض الشخصيَّات الأنثويَّة في رواية يوحنَّا الإنجيليَّة، ولم يكن بحثه مقتصرًا على الشخصيَّات الأنثويَّة، بل قدَّم بحثًا معمَّقًا في بعض أشهر المشاهد الروائيَّة الكتابيَّة، أي عرس قانا الجليل، والحديث في السامرة، والصلب، والقيامة... لذلك، يُعدُّ هذا الكتاب، بسلاسته وعمقه، مرجعًا للدراسات الكتابيَّة التي تحتاج إليها المكتبة العربيَّة، ففيه من المعلومة الكتابيَّة، والتحليل اللاهوتيِّ الكثير للباحثين عن مستوى الكلمة الأعمق. وننتظر مؤلَّفات أُخرى مماثلة تغني مكتباتنا، ولِمَ لا، فلتكن "شخصيَّات يوحنَّاويَّة ذكوريَّة"!
دراسات وأبحاث في الكتاب المقدَّس
الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى المخلِّصيّ
شخصيَّات يوحنَّاويَّة أنثويَّة
مريم أمُّ يسوع، المرأة السامريَّة، مريم المجدليَّة
ط. 1، 116 صفحة، بيروت: دار المشرق، 2025
ISBN: 978-2-7214-5685-4
الأب طوني حمصي اليسوعيّ: مدير التواصل الرقميِّ للرهبانيَّة اليسوعيَّة في الشرق الأدنى والمغرب العربيِّ. مشرف على النسخة الرقميَّة للكتاب المقدَّس باللغة العربيَّة في ترجمته الكاثوليكيَّة. حائز شهادة ماجستير في اللَّاهوت الكتابيِّ – كلِّيَّة اللَّاهوت اليسوعيَّة – باريس، ودبلوم جامعيٍّ في الصحافة الرقميَّة، جامعة القدِّيس يوسف – بيروت. له العديد من الترجمات الصادرة عن دار المشرق.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق