article_cover_image
author_article_image

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

راعي الرعيان، حياة الأب نقولا كلويترز اليسوعيّ من يوميَّاته (1940-1985)


قبل ثلاث سنوات، كتبت كارول داغر الكتاب الأوَّل عن الأب نقولا كلويترز، وصفت فيه حياته كمراقبٍ من الخارج، واعتمادًا على شهاداتِ مَن عرفوه. حمل الكتاب عنوان: "حبٌّ متفانٍ لأرضٍ مهمَلة، سيرة الأب نقولا كلويترز اليسوعيّ في لبنان". والآن، يكتب الأب فرنسيس بركماير كتابًا جديدًا يرسم فيه صورة هذا الأب المقتول في البقاع، في أثناء الحرب الأهليَّة بلبنان، لا انطلاقًا ممَّا قيل عنه، بل ممَّا يقوله هو عن نفسه.

الأب فرنسيس يهتمُّ بأرشيف الرهبنة اليسوعيَّة في الشرق الأوسط. وحين رُفِعَت قضيَّة تطويب الأب نقولا كلويترز، طُلِبَ منه أن يُعِدَّ ملفًّا لقضيَّة التطويب، فرجع إلى كلِّ الأرشيف المتعلِّق بهذا الأب، الذي عاش معه في السنة الثالثة للابتداء، وهو هولنديٌّ مثله، ففوجئ، إذ وجَد بين أغراضه الشخصيَّة المحفوظة في الأرشيف دفاتر كان الأب نقولا يدوِّن فيها يوميَّاته. وثائق كاملة رسم منها الأب فرنسيس صورة عن هذا الأب المقتول من الداخل، وهو ما يميِّز كتابه من الكتاب السابق ذكره.

إذا تكلَّمنا بلغة النِسَب، يمكن القول إنَّ 50% من الكتاب هو ما كتبه الأب نقولا عن نفسه وعن خبرته الروحيَّة في مذكَّراته، 20% ما قيل عنه، و30% تعليق الأب فرنسيس وشرحه. وقد وضِعَت النصوص الوثائقيَّة بتنسيقٍ مختلف لتسهيل العمل على الباحثين. الحواشي في غالبيَّتها تشير إلى تصنيف النصوص في الأرشيف، وبعضها يشير إلى معنى بعض المصطلحات أو التعابير التقنيَّة الواردة سواء في اليوميَّات أو في تعليق الأب فرنسيس.

اللافت في حياة الأب نقولا هو اكتشافه للرسالة التي يدعوه الربُّ إليها: أن يكون فقيرًا مع الفقراء. أن يشاركهم حياتهم، ويساعدهم، بفضل التكوين الاجتماعيِّ الذي ناله في دراسته الجامعيَّة، على النهوض من حالة الفقر والبؤس. هذا ما يضعه الكاتب في المقدِّمة، إذ يخصِّص الفصل الأوَّل لاكتشاف الأب نقولا دعوته الخاصَّة هذه.

الفصل الثاني يتكلَّم على مساعيه للمصالحة بين الجماعات. وهذه المصالحة ليست بين المسيحيِّين والمسلمين، كما يخال لنا للوهلة الأولى حين نقرأ عن شخصٍ يعيش في البقاع الشماليّ، بل بين المسيحيِّين أنفسهم، الذين يعيشون في مجتمع عشائريٍّ متناحر. فقد كتب في إحدى المرَّات:

"في عطلة الأسبوع الماضي، كان لدينا حفل وعد الروَّاد الشبيبة. يوم الجمعة يوم تحضيرٍ روحيّ... وفي مساء السبت، أقيم حفل للقرويِّين على أرض المدرسة بمساعدة القرية بأكملها، بدون خلاف... وقد أثَّر هذا الأمر كثيرًا في الشباب وفي جميع المساعدين بالرعيَّتين. ويجري حاليًّا توحيد شطرَي القرية، خصوصًا من خلال حفل مساء السبت لجميع العائلات في القرية" (ص. 49).

أمَّا المصالحة بين المسيحيِّين والمسلمين فإنَّ الأب نقولا لم يسعَ إليها من خلال اللقاءات الرسميَّة بل اللقاءات الشخصيَّة وأفعال المحبَّة. فأعماله الخيريَّة كانت للجميع بدون تمييز، وكان أمله هو أن يغيِّر المستفيدون من هذه الأعمال مواقفهم تجاه الآخر المختلف.

عمل الأب نقولا من أجل الحدِّ من الهجرة، لا الهجرة الكبيرة إلى بلدان الغرب، بل الهجرة الأولى من الريف إلى بيروت، فأنشأ مشاريع تزيد من دخل السكَّان، وتحسِّن أحوالهم المعيشيَّة.

الفصل الثالث يتناول الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة، ويرويها كما عاشها الأب نقولا ورواها:

"شرٌّ جهنَّميّ: لقد كانت خبرة صيف 1975 في اللبوة (بلبنان) حيث حشد هائج يرتعد غضبًا مختلطًا بالخوف، يصرخون ويهينونني، ويهدِّدونني، ويوقفون سيَّارتي. استولى عليَّ الخوف. لذا، لاحقًا، اضطررت للذهاب إلى هناك مرَّة أخرى. رجال يحملون السلاح... وحتَّى الهراوات" (ص. 75).

"الجنود السوريُّون أجبروني هذا المساء، بتهديد رشَّاشاتهم، على مرافقتهم إلى مكانٍ ما في بعلبك... فجأة شعرت في داخلي بهدوء شديد، وعرفتُ أنَّني مستعدٌّ للموت إذا طلب الربُّ منِّي ذلك. لم يكن يريد بعدُ" (ص. 76).

الفصول اللاحقة تتناول مواضيعه الشخصيَّة: التعاون مع اليسوعيِّين، اندماجه في الكنيسة المحلِّيَّة، التعاون مع الراهبات، اللقاءات مع المسلمين، خدمته في برقا وتساؤلاته عن إمكانيَّة الذهاب إلى السودان... لتبدأ الفصول بعدها تمهِّد لاستشهاده إذ تسرد شعوره في سنواته الأخيرة، ولمرّاتٍ عدَّة، أنّه مصيره. وفي النهاية، تفاصيل الاستشهاد.

راعي الرعيان، اسم على مسمَّى. كاهن، راعي رعيَّةٍ سُلِّمَت له غالبيَّة أفرادها يعملون في الرعي. الكتاب روحيٌّ أكثر منه تاريخيّ، فيه يطَّلع القارئ على مسيرة نفسٍ أرادت أن تخدم الله من خلال خدمة الإنسان حتَّى النهاية، حتَّى الموت قتلًا.




سِيَر قدِّيسين وشهود إيمان

الأب فرنسيس جوزيف بركماير اليسوعيّ

راعي الرعيان، حياة الأب نقولا كلويترز اليسوعيّ من يوميَّاته
(1940-1985)

تعريب الأب سامي حلَّاق اليسوعيَّ

ط. 1، 216 صفحة، بيروت: دار المشرق، 2025

ISBN: 978-2-7214-5687-8




  الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ:  راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق