الهجرة الرقميَّة والهجرة الجغرافيَّة: تحوُّلات الانتماء والهويَّة واللغة في مجتمعات الشبكة
قلبت الثورة الرقميَّة كثيرًا من المفاهيم التي استقرَّت في الوعي الإنسانيِّ في القرن العشرين وما قبله، لا سيَّما تلك التي ارتبطت بدلالات معجميَّة ثابتة، كالهجرة التي شكَّلت أحد الأعمدة التأسيسيَّة لما سُمِّي
بـ "القرية الكونيَّة" أو بـ "عالمٍ بلا حدود". فالهجرة، في معناها الكلاسيكيّ، هي انتقال الأفراد أو الجماعات من موطنهم الأصليِّ إلى مكانٍ آخر، بحثًا عن ظروف عيشٍ أفضل، وهي بذلك هجرةٌ في الجغرافيا، مقرونة غالبًا بتجربة الاغتراب والانفصال عن المكان الأوَّل.
سقوط المعنى الكلاسيكيِّ للهجرة
أفرز القرن الحادي والعشرون نمطًا جديدًا من الهجرة، لا يقوم على الانتقال الجسديِّ بقدر ما يقوم على التحوُّل الرمزيِّ والثقافيّ، وهو ما بات يُعرف بـ "الهجرة الرقميَّة". في هذا السياق، لا يغادر الفرد مكانه الفيزيائيِّ بالضرورة، بل ينتقل من فضاءٍ جغرافيٍّ قاعدته الانتماء الاجتماعيُّ والتاريخيّ، إلى فضاءٍ رقميٍّ قاعدته الافتراض، حيث تتشكَّل أنماط جديدة من الاندماج عبر الشبكات والمنصَّات. بهذا المعنى، ليست الهجرة الرقميَّة انتقالًا من بلد إلى آخر، بل انتقال في أنماط العيش، والعمل، والتواصل، والانتماء، خارج الحدود الجغرافيَّة التقليديَّة.
الهجرة الرقميَّة: نمطُ وجود لا انتقال مكان
تُعيدُ الهجرة الرقميَّة تشكيل الهويَّة، واللغة، والعلاقات الاجتماعيَّة، بل وحتَّى مصادر الرزق، عبر وسائط رمزيَّة لا تفترض العيش المشترك ولا الحضور الجسديّ، بل تكتفي بالاتِّصال الدائم.
من هنا، يصبح التمييز ضروريًّا بين الهجرة الجغرافيَّة، بوصفها انتقالًا جسديًّا، والهجرة الرقميَّة، بوصفها انتقالًا ثقافيًّا ورمزيًّا من مجتمعٍ محليٍّ إلى فضاء إلكترونيٍّ، تحكمه قواعد مختلفة في التفاعل والانتماء والاعتراف.
إشكاليَّة الهويَّة واللغة في الفضاء الرقميّ
ما هي، إذًا، قواعد هذه الهجرة الجديدة؟ وبصيغةٍ إشكاليَّة أعمق: ما هي هويَّة الهجرة الرقميَّة في أبعادها اللغويَّة والاجتماعيَّة، وربَّما السياسيَّة أيضًا؟
في إجابة أوَّلية، تُنتج الهجرة الرقميَّة هويَّة طيِّعة ومرنة، انتقائيَّة وقابلة للتبديل، تتلوَّن بحسب المنصَّة وبحسب الجماعات الافتراضيَّة التي ينخرط فيها الفرد. لغتها ليست أصيلة بقدر ما هي هجينة، تميل إلى الصورة والشكل والرمز أكثر من المعنى المتجسِّد في العلاقة الاجتماعيَّة المباشرة، فتتجاوز شرط الحضور الجسديّ، وتتيح للفرد أن "يعيش خارج مكانه"، حتَّى وهو مقيم فيه.
الإشكاليَّة المشرقيَّة: وجودٌ معلَّق بين مكانَين
بهذا المعنى تفرض الهجرة الرقميَّة مفهومًا إشكاليًّا جديدًا للانتماء، والهويَّة، واللغة، والعلاقات الاجتماعيَّة، لا في المجتمعات الغربيَّة فحسب، بل في المجتمعات المشرقيَّة أيضًا، حيث تتقاطع الهجرة الرقميَّة مع تاريخٍ طويل من الهجرة الجغرافيَّة، لتُنتج أشكالًا غير مسبوقة من الوجود المعلَّق بين المكان المعلوم والمحدَّد، والفضاء الشبكيِّ المفتوح أو الفضفاض دلاليًّا ورمزيًّا.
لذلك، ترتبط الإشكاليَّة بالانتماء في زمن التحوُّلات بين الهجرة الجغرافيَّة والهجرة الرقميَّة، وحيث تؤثِّر منصَّات التواصل الافتراضيِّ في تشكيل الهويَّة، واللغة، والعلاقات داخل المجتمعات المتعدِّدة.
مجتمعات متخيَّلة
يُعيد بندكت أندرسن (Benedict Anderson 1936-2015: مؤرِّخ إيرلنديٌّ - أميركيٌّ وعالِم في السياسة) في كتابه الجماعات المتخيَّلة Imagined Communities، تعريف الجماعة كبناء رمزيٍّ يبنيه التخيُّل المشترك بين الأفراد لا التعايش الحسيُّ أو المادِّيّ. يصلح هذا التعريف كثيرًا في الزمن الرقميّ، حيث تُنتِج منصَّات التواصل الاجتماعيِّ مجتمعات خارج المكان، ولا يتعارف أفرادها بشكل مباشر، بل تولِّدها الإرادة الفرديَّة في الانضمام الى تجمُّع في هيكليَّة افتراضيَّة ليس من الضروريِّ أن يعرف كلُّ شخص فيها بقيَّة الأشخاص بالشكل التقليديِّ المعروف في نطاقات القرية أو الشارع أو المدينة. يتمُّ الانتماء إلى هذه الجماعة إراديًّا من دون قواعد تفرض حيثيَّات اجتماعيَّة أو قوميَّة أو وطنيَّة.
الاغترابُ اللبنانيُّ في الفضاء
في الحالة اللبنانيَّة، نموذجًا، شكَّلت مجموعات المغتربين على فيسبوك وواتساب، منLebanese in» Paris» إلى ««Lebanese in Dubai فضاءات بديلة عن الوطن كمكان. وتُناقَشُ في هذه المجموعات مواضيع عدَّة تحدِّدها الظروف أو المناسبات أو التعابير الوجدانيَّة، أو مقاربات المطروحِ في السياسة، والاقتصاد، وتفاصيل الحياة اليوميَّة.
مَن يراقب مضمون الخطابات المتبادلة في هذه المجموعات يشعر وكأنَّ المشاركين فيها لم يبارحوا أمكنتهم في الوطن الأمِّ ورحابه الواسعة. لكنَّ الانخراط الرقميَّ في "جماعة" معيَّنة يُخفِّف من غربة الهجرة الجغرافيَّة وقساوتها، ويعوِّض الانسلاخ عن المكان بما يعنيه عاطفيًّا، ليُبقي انتماءً من نوع آخر يتشكَّل من الانقطاع الحسيِّ الكامل عن الجغرافيَّا الوطنيَّة، ولينضمَّ إلى منصَّة لا تعني الاندماج المتكامل في الوطن بل تُبقي الانتماء الحسيَّ معلَّقًا ومجمَّدًا أو مؤجَّلًا إلى حين العودة إلى الربوع.
وقد شكّلت منصَّات مثل فيسبوك وإنستغرام فضاءاتٍ سياسيَّة واجتماعيَّة بديلة في لبنان، وبرز ذلك بوضوح في انتفاضة 17 تشرين، حيث تحوَّل وسم "#لبنان_ينتفض" إلى مساحة جامعة للبنانيِّين في الوطن والاغتراب. هنا، لم يكن الانتماء قائمًا على المكان، بل على المشاركة الخطابيَّة والوجدانيَّة في لحظة سياسيَّة مشتركة.
نماذج عربيَّة وغربيَّة: أمَّة من دون أرض
في العالم العربيّ أدَّت الوسوم دورًا مشابهًا، من "#كلنا_سوريا" إلى " #الحرِّيَّة_لمعتقَلي الرأي"، حيث أعادت المنصَّات إنتاج جماعاتِ تضامن عابرة للدول، تُشبه ما يسمِّيه أندرسن "الأمَّة من دون أرض".
وفي الغرب تتجلَّى الظاهرة في جماعات رقميَّة عابرة للهويَّات القوميَّة، كحركات المناخ #FridaysForFuture، أو العدالة الاجتماعيَّة #BlackLivesMatter، حيث تحلُّ "القضيَّة" محلَّ "الانتماء القوميّ".
ويكفي التذكير بأنَّ التضامن الشعبيَّ العالميَّ مع غزَّة تجلَّى عبر وسوم عابرة للحدود، مثل #GazaUnderAttack، على نحوٍ يُعيد إنتاج جماعات تضامن رقميَّة تتجاوز الانتماءات القوميَّة.
الانتماءات الرقميَّة بين شرق وغرب
في هذا النوع من الانتماء في الفضاء الرقميّ، في الخاصيَّة اللبنانيَّة أو المشرقيَّة، يطغى الحنين، أو محاولات تتبُّع الأخبار في الوطن المضطرب. وغالبًا ما تكون الجماعات الافتراضيَّة مكوَّنة من مشاركين وناشطين في اتِّجاهات سياسيَّة متشابهة، في وقت تميلُ المجتمعات الغربيَّة إلى إنشاء جماعات عابرة للهويَّات القوميَّة والوطنيَّة، وتلتصق أكثر بهموم بيئيَّة أو حقوقيَّة، فتتقدَّم "القضيَّة" على "الأرض المشتركة" كأساس للانتماء.
وفي الحالتَين، الغربيَّة والمشرقيَّة، يبدو الانتماء الحسيُّ في تحوُّل بنيويٍّ في المفهوم الكلاسيكيِّ للجماعة الاجتماعيَّة أو السياسيَّة، وهذا ما يطرح مفهومًا جديدًا أو حديثًا للهويَّة.
الهويَّة السائلة
يقدِّم زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman 1925-2017: عالِم اجتماع وفيلسوف بولنديّ) مصطلح "الحداثة السائلة" Liquid Modernity. فيفصل الهويَّة عن الثبات والجمود، بل هي، برأيه، تتحرَّك في إعادة التشكُّل بحكم نوعيَّة الهجرة الرقميَّة. الواضح بالنسبة إليه أنَّ "المهاجر الرقميَّ" يختار هويَّته انطلاقًا من رؤيته، أو مزاجه، أو وضعيَّته. وأحيانًا يختار هويَّاتٍ عدَّة من دون أن يستقرَّ في أيٍّ منها، ومن دون أن يتخلَّى عن هويَّته الأساسيَّة.
الهويَّة في الهجرات الرقميَّة العربيَّة
في حالات الهجرة الجغرافيَّة اللبنانيَّة بعد العام ٢٠١٩، وفي حالات اللجوء السوريِّ، مثلًا، أعانت المنصَّات الرقميَّة الأفراد، المنسلِخين عن أمكنتهم، في الحفاظ على هويَّتهم الوطنيَّة. لكنَّ هؤلاء المنسلخين انتمَوا إلى مجمَّعات افتراضيَّة أخرى فرضتها ظروف الإقامة الجديدة في سياقات ثقافيَّة مختلفة، أي أنَّ الهويَّة الأصليَّة، النوستالجيَّة الطابع، تحوَّلت بفعل الواقع الجديد إلى "حالة مبرَّدة" (جامدة) في لحظة تاريخيَّة. تحدِّد هذه الحالة معنى "الهجرة الرقميَّة".
وفي حين تتبلور "الهويَّة السائلة" عند المشرقيّ: اللبنانيِّ والسوريِّ والفلسطينيِّ والعراقيِّ والأردنيّ... في حالةٍ عابرة لا تصمد طويلًا في مواجهة أثقال الجذور المتنوِّعة، وطنيًّا وطائفيًّا وعشائريًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، فإنَّ الغربيَّ قادر أكثر، بالرَّغم من تنامي العصبيَّات الانعزاليَّة مؤخَّرًا، على تنويع "هويَّته السائلة" في خطاب التنوُّع والاندماج، فيتخطَّى الهويَّة الأصليَّة، في سياق الفرديَّة المتطرِّفة غربًا، ليرسو على إمكانيَّات واسعة للانتقال من الانتماء المكانيِّ القابل للتبديل إلى المنصَّة المطلوبة أو الهويَّة الانتقائيَّة.
الاغتراب المشرقيّ: قوَّة التقاليد
الملاحَظ من دون عناء، أنَّ الهجرة الجغرافيَّة أقوى من الهجرة الرقميَّة في الاغتراب المشرقيّ، أي أكثر فعَّاليَّة في تثبيت البنى الثقافيَّة والتراتبيَّة التقليديَّة، لا في تفكيكها، وحيث التأثير المباشر في الجيل الجديد المُغترِب يبقى راسخًا في التراتبيَّة البطريركيَّة. وهذا ما يظهر في الملبس (الحجاب، الزيِّ التقليديِّ الكرديّ، الكوفيَّة الفلسطينيَّة...) والمأكل (المطابخ اللبنانيَّة والفلسطينيَّة والسوريَّة والآسيويَّة...) وأحيانًا كثيرة في الاستمرار في ممارسة الشعائر الدينيَّة المتوارثة (الطقوس المارونيَّة والقبطيَّة، الالتزام بصلاة الجمعة وغيرها).
اللغة الهجينة
إذا كان معظم المهاجرين الجغرافيِّين يتشبَّثون بلغتهم كحاضنة للهويَّة، ويحافظون عليها في العائلة، فإنَّ اللغة في الهجرة الرقميَّة تُصاب بتحوُّلات عميقة حتَّى في لبنان والعالم العربيّ، فتنتشر أنماط لغويَّة هجينة: عربيَّة مكتوبة بحروف لاتينيَّة، أو مزيج من العربيَّة والإنكليزيَّة والفرنسيَّة في الجملة الواحدة.
لا تعبِّر هذه الظاهرة عن تراجع معجميٍّ للغة، بل عن تحوُّل اللغة من أداة ترسيخ للانتماء إلى وسيلة تواصُل وظيفيَّة وسريعة. وهذه الظاهرة درسها مانويل كاستلز (-1942 Manuel Castells: عالِم اجتماع إسبانيّ) في كتابه The Rise of the Network Society، ليستخلص أنَّ اللغة في الفضاء الرقميّ، وفي "مجتمع الشبكات" تفقد جوهرها لتصبح رديفة للصورة أو التعبير الهجين. يتجلَّى ذلك بوضوح في استعمال الإيموجي (Emoji)، والميمات (memes)، والفيديوهات القصيرة، التي تتجاوز الحدود اللغويَّة، لذلك فإنَّ اللغة، العربيَّة تحديدًا، مهدَّدة في دورها الثقافيِّ على المدى الطويل.
اللغة العربيَّة في صيغتها الرقميَّة
وإذا كان المهاجر الجغرافيُّ يتشبَّث بلغته الأمِّ بوصفها آخر ما تبقَّى له من وطن، فإنَّ المهاجر الرقميَّ يتعامل مع اللغة بوصفها أداة ووظيفة لا بوصفها تحمل مقتنيات الذاكرة أو الانتماء. في هذا السياق، تشهد اللغة العربيَّة تحوُّلًا نوعيًّا لا يقتصر على التداخل اللغويّ، بل يتعدَّاه إلى تفكيك بنيتها الرمزيَّة نفسها.
تتجلَّى هذه الظاهرة بوضوح في انتشار ما يُعرف بـالـ Arabizi، حيث تُكتب العربيَّة بحروف لاتينيَّة مدعومة بأرقام تحلُّ محلَّ أصوات عربيَّة غير موجودة في الأبجديَّة اللاتينيَّة. فتحوِّل:
- الرقم 3 إلى حرف ع 3arab = عرب.
- الرقم7 إلى ح7ob = حبّ.
- الرقم5 أو7 إلى خ.
- الرقم2 إلى همزة أو ألف مقطوعة...
لا تعكس هذه التحويلات "سهولة تقنيَّة" فحسب، بل تنقل اللغة من نظام ثقافيٍّ إلى نظام خوارزميّ، حيث تُختصر الأصوات، وتُسرَّع الكتابة، وتُلغى القواعد لصالح الفعَّاليَّة.
الميم السياسيُّ واستعارات الدولة الفاشلة
الأخطر من ذلك، أنَّ اللغة الهجينة لا تنحصر في المحادثات الخاصَّة (واتساب)، بل تتسلَّل إلى الخطاب العامّ، السياسيِّ والإعلاميّ، عبر ميمات سياسيَّة تختزل أحداثًا معقَّدة بكلمتَين أو ثلاثة، مثلًا: "كلُّن يعني كلُّن"... هذا يعني، ظاهرًا، أنَّ "الجميع مسؤول" عن انهيار لبنان، ويعني عميقًا رفض التفريق بين السلطة والمعارضة داخل النظام اللبنانيِّ القائم، أي القنص السريع على منظومة شرعيَّة سياسيَّة متكاملة.
يستبدِل هذا "الميم" التحليل السياسيَّ بالاتِّهام كأداة تعبئة جماهيريَّة، ولكنَّه يعطِّل النقاش المبرمج، وتحديد المسؤوليَّات بشكل مفصَّل، ويحوِّل السياسة إلى حالة رفض فحسب.
في "ميم" Game Over ما يعني ظاهرًا أنَّ اللعبة انتهت، لأنَّ العقد الاجتماعيَّ انهار لعدم جدوى المشاركة السياسيَّة أو إصلاح النظام من داخله. وهذا التعبير استعارة من الألعاب الرقميَّة، حوَّل الدولة إلى "دولة فاشلة" والمواطن إلى لاعب خاسر، ما يسوق خطابًا خطيرًا عن اللاجدوى من الحراك السياسيّ، وكأنَّه يدعو إلى الهجرة أو اللامبالاة.
تعني عبارة System Down بعدما أصبحت "ميمًا" على الإنترنت، أنَّ النظام توقَّف، وتدلُّ عميقًا على عطل أصاب مؤسَّسات الدولة، ما يجرِّدها من بُعدها الوظيفيِّ تمامًا كالشعار(الميم) الهجين Lebanon.exe has stopped working، حيث يتحوَّل لبنان، باللغة الرقميَّة، إلى تطبيق فاشل، لا كمكان انتماء بل كنافذة قابلة للإغلاق.
هناك الكثير من الشعارات السلبيَّة في ظاهرها وعمقها، مثلًا: No Hope Mode المُثقل بالإحباط.
الميم السياسيّ: من التحليل إلى الاتِّهام
لا تختزل الميمات السياسيَّة الواقع فحسب، بل تُعيد إنتاجه بلغة هجينة، سريعة، وغير قابلة للتفكيك. فهي تُلغي السرد السياسيَّ والاجتماعيَّ والاقتصاديّ، وتُقصي التحليل والنقاش والتداول وتلجأ إلى الصدمة فقط. وبهذا، تتحوَّل اللغة من أداة تفكير جماعيٍّ إلى وسيلة تفريغ رمزيّ، تُراكم الإحباط عوض أن تُنتج الفعل البنَّاء.
هذه الظاهرة الشبابيَّة التي عرفها لبنان في حراك تشرين (٢٠١٩-٢٠٢٠) تتشابه مع حالات من القنوط في الغرب كاستعمال ميمات قاحلة:Trump / Brexit / Covid .
الإيموجي: من اللغة إلى ما فوقها
يقودنا هذا الاختزال الرمزيُّ في اللغة إلى ظاهرة "الإيموجي"، كرمز بصريٍّ رقميٍّ يُستخدم في التواصل الإلكترونيّ أو الهجرة الرقميَّة، وكتعبير مقتضَب ومختزل عن مشاعر وأفكار وأفعال من دون شرح
لغويٍّ مطوَّل، وهو تعبير عابر للحدود الداخليَّة والخارجيَّة في قالب من "لغة فوق اللغة"
(Meta-language) لا تنتمي إلى لغة قوميَّة ووطنيَّة، عربيَّة أو فرنسيَّة أو إنكليزيَّة، فهي وسيط مشترك في "الهجرة الرقميَّة" أو "مجتمع الشبكات" المتنوِّعة.
يشكِّل الإيموجي خطرًا كبيرًا على اللغة التقليديَّة لأنَّه يلغي السرد، ويختزل المعنى في رموز انفعاليَّة واستفزازيَّة، مثلًا: لا كهرباء⚡❌، أو "لبنان...يا حرام"???♂️، أو رموز للسخرية ?، أو ?️?? لبنان بلد مثقوب...
من أمثلة "الإيموجات" العربيَّة: تكميم الأفواه ??️، خطٌّ أحمر ✋?، سلام وحرِّيَّة ?️.
من التضامن الواقعيِّ إلى التفاعل الشبكيّ
إذا كان المهاجرون الرقميُّون يتفاهمون، بعضهم مع بعض، بلغةٍ أوجدوا رموزها وعمَّموها كقاعدة تفاهم، فإنَّ هذه اللغة تطرح إشكاليَّة العلاقات الاجتماعيَّة كعلاقات أبعد من المكان، داخل العائلات المهاجرة. فالعائلة اللبنانيَّة أو العربيَّة الموزَّعة بين قارَّات عدَّة باتت تعيش في تفاعل دائم عبر الشاشات، كشكل أو وسيلة تعوِّض غياب الاحتكاك الجسديّ، فهل هذا التفاعل حميم في مشرقٍ قام على علاقات بطابع جماعيٍّ - عصبيٍّ - تضامنيّ؟
وهل قضت الهجرة الجغرافيَّة على الروابط التقليديَّة وفكَّكتها أم شبكات التواصل خلقت إيجابيَّة الاحتكاك الرقميِّ الذي نشأ أصلًا كوسيلة تعارف من خلال الفيسبوك أوَّلًا؟
الحميميَّة الرقميَّة وحدودها في العائلة اللبنانيَّة
تظهر الهجرة الرقميَّة، في إطار الهجرة الجغرافيَّة، كظاهرة إيجابيَّة، ولو باردة وفردانيَّة وأقلَّ إنسانيَّة اجتماعيًّا. لكنَّها ولَّدت مجالًا للقاء عائليٍّ أو اجتماعيٍّ يحمل الضدَّين: الواقعيَّة والافتراض. وفي الحالتَين يتمُّ اللقاء عبر الأثير، والتحاور بأقلِّ احتكاك عاطفيٍّ على الأرجح.
أعادت المنصَّات تشكيل العلاقات داخل العائلة والمجتمع. فالعائلات اللبنانيَّة الموزَّعة بين بيروت، والخليج، وأوروبا وأستراليا وكندا والقارَّة الأميركيَّة، تعيش اليوم "قربًا دائمًا" عبر واتساب وزوم، وهذا القرب تفاعليٌّ بامتياز، ولو أنَّه ألغى العلاقات الشرقيَّة التقليديَّة في تشاركيَّة اللقاءات، واستبدلها افتراضًا من دون أن يقع المهاجِر المشرقيُّ بما وقع فيه الغربيُّ من فردانيَّة مترسِّخة، فانسجمت العلاقات الرقميَّة مع نمط غربيٍّ قائم، وتنامى منذ الثورة الصناعيَّة في القرن الثامن عشر، وإن أدَّى هذا النمط إلى تعميق العزلة الاجتماعيَّة، وهذا غير مألوف في المجتمعات الشرقيَّة.
خلاصة ١
لا يمكن فهم الهجرة الرقميَّة بوصفها ظاهرة عابرة، ولا كخطرٍ مطلق على الهويَّة، بل تعكس انتقالًا تاريخيًّا من الانتماء المرتكِز إلى الأرض، إلى انتماء شبكيٍّ يقوم على التواصل الرقميِّ والرمزيّ. يكمن التحدِّي الأساسيّ، خصوصًا في المجتمعات المشرقيَّة، في تحويل هذا الفضاء الرقميِّ، من دافعٍ لتعليق أو تجميد الهويَّة، إلى أداة واعية لإعادة إنتاجها، ثقافيًّا (أسلوب حياة) ولغويًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.
لم يعد الانتماء في زمن التحوُّلات حقيقة جاهزة، بل صار تفاعلًا مفتوحًا بين الجغرافيا والشبكات الافتراضيَّة، وبين الهجرة الجسديَّة والهجرة الرقميَّة.
خلاصة ٢
عرف لبنان، كما العالم العربيُّ، الهجرتَين الجغرافيَّة والرقميَّة، لكنَّ الهجرة الثانية الحديثة العهد تتقدَّم إلى دائرة البحث، خصوصًا أنَّ الهجرة الرقميَّة تتَّخذ في لبنان شكلَين متمايزَين: هجرة رقميَّة نخبويَّة يمارسها المثقَّفون، وهجرة رقميَّة وجوديَّة تعيشها الشبيبة.
شكَّل الفضاء الرقميُّ عند النخبة تعويضًا عن الفضاء العامِّ المنهار، وتعويضًا عن أدوات تعبيرٍ مندثرة في الصحافة والجامعة والمنتدى.
من الهجرة الرقميَّة النخبويّة إلى الهجرة الرقميَّة الشبابيَّة
لجأ المثقَّف إلى هجرة رقميَّة ليقدِّم، من خلال منصَّته الخاصَّة المتشعِّبة في صداقات وشبكات تواصل، خطابًا نقديًّا. ومع الأسف، أثبتت التجارب اللبنانيَّة منذ العام ٢٠١٩ أنَّ تأثير الناشطين النخبويِّين محدود عمليًّا، ومحصور داخل دوائر رقميَّة متشابهة ومتجانسة، ولا ترتقي إلى منصَّة نقاش عامّ، فوقع الخطاب النخبويُّ في فخِّ التشابه، لا التحاور المفيد بين الأضداد.
في المقابل، يعيش معظم الشباب اللبنانيِّ الهجرة الرقميَّة لا بوصفها خيارًا ثقافيًّا، بل كاستراتيجيَّة نجاة. فليس العملُ عن بُعد، وصناعة المحتوى، والهجرة الرقميَّة عبر تيك توك وإنستغرام، امتدادًا لانتماء سابق، بل بديل عنه.
هنا لا تُستخدم المنصَّات لإعادة إنتاج الانتماء إلى وطن، بل لتجاوزه من خلال الانفصال والتزام الهويَّة العابرة، والانتماء المؤقَّت، واستخدام اللغة الهجينة، فباتَ جيل من الشباب والشابَّات يهاجر رقميًّا فيرتبط بالمنصَّة أكثر من ارتباطه بالوطن والجماعة أو التاريخ، وهي هجرة توازي في قسوتها الهجرة الجغرافيَّة.
المراجع
• Arjun Appadurai, Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization, University of Minnesota Press, 1996. (Selected Readings PDF).
• Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism, Verso, 1983) Selected Readings - PDF).
• Manuel Castells, Communication Power, Oxford University Press, 2009. )Selected Readings -PDF).
• ______________, The Rise of the Network Society, Wiley-Blackwell, 1996. (Selected Readings -PDF(.
• Zygmunt Bauman, Liquid Modernity, Polity Press, 2000. (Selected Readings PDF).
الأستاذ أنطوان سلامه: كاتب وصحافيٌّ وناشر موقع ليبانون تابلويد. أستاذ محاضر في عدد من الجامعات اللبنانيَّة في الإعلام والقضايا المعاصرة. حائز شهادتَي إجازة في التوثيق وفي الصحافة (الجامعة اللبنانيَّة)، وشهادة ماستر في علم الاجتماع (جامعة الكسليك). إعلاميٌّ في الإذاعة والتلفزيون. له مؤلَّفات عدَّة أبرزُها: طانيوس شاهين من منازلة الإقطاع إلى عجز الثورة، (دار النهار)، ونار المُقدَّس والمحرَّم الكاريكاتور الدانماركيّ من كوبنهاغن إلى الأشرفية، (دار مختارات)، والموارنة والشيعة في لبنان التلاقي والتصادم، (هاشيت أنطوان).
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق