الباحث المدنيُّ في مواجهة النسيان، سهيل منيمنة وتوثيق ذاكرة بيروت الحضريَّة
تُمثِّل الذاكرة الحضريَّة ركيزةً جوهريَّة في بناء هويَّة المجتمعات الجماعيّة، إذ تحفظ للمدن طابعها الحضاريَّ في مواجهة موجات التحديث والتدمير. وقد تعرَّضت مدينة بيروت، بحكم تاريخها المضطرب وتحوُّلاتها العمرانيَّة المتسارعة، لضغوط استثنائيَّة أفضت إلى تآكلٍ ملموس في نسيجها التراثيِّ ومخزونها الذاكراتيِّ الجماعيّ.
في هذا السياق، برزت شخصيَّة، الراحل حديثًا، الدكتور سهيل منيمنة نموذجًا لما يمكن تسميته بـ"الباحث المدنيّ"؛ ذلك الفاعل الثقافيُّ المؤثِّر الذي يُجسِّد التقاء الاهتمام الأكاديميِّ بالالتزام المجتمعيِّ في خدمة التراث المحليّ.
منيمنة: السيرة الشخصيَّة والتكوين المعرفيّ
وُلد سهيل رسلان (المؤرِّخ والبيئيُّ) في بيروت، وتلقَّى تعليمه في حقل الصيدلة فمارس مهنته منذ العام 1980. ولكنَّ تكوينه المعرفيَّ لم يقتصر على الحقل العلميِّ التطبيقيّ، بل امتدَّ إلى الدراسات التاريخيَّة والحضاريَّة فطوَّرها بصورة مستقلَّة عبر البحث الأرشيفيِّ المنهجيِّ والعمل الميدانيّ. أسهم هذا الجمع بين الدقَّة العلميَّة، المكتسبة من تخصُّصه الصيدلانيِّ والشغف التاريخيِّ في تشكيل منهجه البحثيِّ المتميِّز، والقائم على التحقُّق الدقيق من المصادر والتوثيق المحكَم للمعطيات.
ولا يُعدُّ مسار منيمنة استثناءً معزولًا، بل يندرج في تقليد راسخ عند الباحثين الهواة الذين أسهموا في بناء المعرفة التاريخيَّة المحليَّة في لبنان، لا سيَّما في ظلِّ غياب مؤسَّسات أكاديميَّة متخصِّصة تضطلع بمهمَّة التوثيق الحضريِّ الشامل، أضحى معها الباحث المدنيُّ المستقلُّ ركيزةً لا غنى عنها في حفظ الذاكرة الجماعيَّة.
جمعيَّة "تراثنا بيروت":
- الإطار المؤسَّسيّ
في العام 2016 أنشأ منيمنة صفحةً على منصَّة فيسبوك تحت اسم "تراث بيروت". وشرع في نشر مقالات وصور، ووثائق أرشيفيَّة تتناول موروث العاصمة اللبنانيَّة الثقافيَّ بجوانبه المتعدِّدة. ولاقت هذه المبادرة صدًى واسعًا، إذ تجاوز عدد متابعيها 281,000 متابع في سنوات قليلة، ما أشَّر إلى اهتمام شعبيٍّ حقيقيٍّ بالتوثيق التراثيِّ يتجاوز الأوساط الأكاديميَّة، ليصل إلى شرائح واسعة من المجتمع اللبنانيّ والعربيّ، والبيروتيّ بخاصَّة.
وهكذا من صفحة رقميَّة إلى لقاءات أسبوعيَّة ضمَّت مؤرِّخين وباحثين ومهتمِّين بالتراث البيروتيّ، بين التصوير الفوتوغرافيِّ للمباني الأثريَّة، إلى مجموعات الطوابع النادرة، والفنون التشكيليَّة المحليَّة، تتوَّجت هذه الجهود في العام 2019 بتسجيل جمعيَّة "تراثنا بيروت" رسميًّا بموجب مرسوم وزارة الداخليَّة رقم 707، لتتحوَّل من مبادرة فرديَّة إلى كيان مدنيٍّ مؤسَّسيّ، ينتمي إلى فئة منظَّمات المجتمع المدنيِّ- غير الربحيَّة، والمعنيَّة بصون التراث الثقافيّ وتنظيم الأنشطة الميدانيَّة والفعَّاليَّات التوعويَّة.
- الرسالة والرؤية
كان من أهداف الجمعيَّة إعادة التواصل بين الأجيال الشابَّة وتراث مدينتها، في ظلِّ تراكم الحروب والتهجير الذي أضعف انتقال الذاكرة الجماعيَّة عبر الأسَر البيروتيَّة، مستندةً، في عملها التوثيقيّ، إلى طيف واسع من المصادر، يشمل الوثائق المحفوظة في المحاكم الروحيَّة والمدنيَّة، وسجلَّات المُلكيَّة العقاريَّة، ومذكَّرات الرحَّالة والدبلوماسيِّين الأجانب، فضلًا عن موروث العائلات البيروتيَّة الشفهيّ. وقد حرص منيمنة، الذي أشرف على منصَّتها الرقميَّة، على إرفاق الوثائق والصور الأرشيفيَّة النادرة بتحليلات تاريخيَّة مفصَّلة، مجسِّدًا ما يُعرف بـ "الأرشفة المجتمعيَّة" (Community Archiving). وهو ما يُعدُّ ذا دلالة بالغة على كسر الحواجز التقليديَّة بين المعرفة الأكاديميَّة والمجتمع العامّ، فيجعل من التراث موروثًا حيًّا متداولًا ليس حكرًا على المتخصِّصين فحسب.
المنجز البحثيّ
تشكِّل أبحاث منيمنة منظومةً توثيقيَّة متكاملة تُغطِّي محاور متعدِّدة من تاريخ بيروت الحضاريّ. ويمكن تصنيفها وفق المحاور الآتية:
- أوَّلًا: تاريخ البنية التحتيَّة والتنقُّل
في دراسته الموسَّعة المعنونة بـ "تاريخ الطيران المدنيِّ والتجاريّ في مدينة بيروت ومطاراتها" تتبَّع منيمنة تطوُّر مسار الطيران التاريخيَّ في العاصمة اللبنانيَّة، منذ أوَّل رحلة موثَّقة في العام 1913، مرورًا بمراحل تطوُّر مطار بئر حسن، وصولًا إلى المطار الدوليِّ في خلدة. تكتسب هذه الدراسة أهمِّيَّتها من كونها تربط بين التاريخ التقنيِّ والتحليل الجيوسياسيِّ لموقع بيروت، بوصفها مركزًا للتواصل الإقليميِّ والدوليّ. كما تُضيء جانبًا تمَّ إغفاله من تاريخ بيروت الاقتصاديّ، فترصد كيف أسهمت بنيةُ الطيران التحتيَّة في تشكيل صورة المدينة عاصمةً للانفتاح والتبادل الثقافيِّ في منطقة الشرق الأوسط.
- ثانيًا: التاريخ الاقتصاديّ والعمرانيّ
تناولت دراسة "خانات بيروت القديمة" بُنية المدينة التجاريَّة في حِقبها العثمانيَّة والانتدابيَّة، محلِّلةً وظيفة الخانات الاقتصاديّة والاجتماعيَّة، ومُوثِّقةً معطيات تفصيليَّة عن منشآت من قَبيل "خان أنطون بك" و"خان البيض". ولا شكَّ في أنَّ هذه الدراسة وغيرها أسهمت في سدِّ فجوة بحثيَّة واضحة في مجال التاريخ الاقتصاديِّ البيروتيّ، مقدِّمة صورةً متكاملة عن شبكة التبادل التجاريِّ التي جعلت من بيروت محورًا تجاريًّا إقليميًّا في العصر العثمانيّ.
أمَّا بحث "أبراج بيروت وتاريخها المعماريّ" فيتناول تطوُّر العمارة الرأسيَّة في المدينة، وعلاقتها بالتحوُّلات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، مقدِّمًا مقاربةً تحليليَّة لمسار التحديث العمرانيِّ في بيروت، من عمارة الانتداب الفرنسيِّ إلى موجات التحديث التي أعقبت استقلال لبنان.
- ثالثًا: التراجم والسِيَر
أسهم منيمنة في إحياء سِيَر عددٍ من الشخصيَّات المحوريَّة في الثقافة البيروتيَّة، من بينهم الفنَّان التشكيليُّ عمر أنسي (1901–1969)، والعلَّامة اللغويُّ مصطفى الغلاييني (1886–1944)، والشخصيَّة الوطنيَّة سليم سلام (1868–1938) وغيرها. وتندرج هذه الدراسات في إطار ما يُعرف بـ "التاريخ من أسفل" (History from Below)، حيث تستعيد أدوار الفاعلين المحليِّين في صياغة الهويَّة الحضريَّة، بدلًا من الاقتصار على سرديَّات التاريخ السياسيِّ الكبرى، وتتميَّز بربطها بين مسار الشخصيَّة الفرديِّ وسياقها الحضاريِّ البيروتيِّ الأوسع.
- رابعًا: الدراسات النظريَّة في صون التراث
في بحثه "المحافَظة على التراث ومسؤوليَّة جيل الشباب" قدَّم منيمنة إطارًا نظريًّا لمفهوم التراث الحضاريِّ وأبعاده، مؤكِّدًا الترابط بين صون الموروث المادِّيِّ وبناء الهويَّة الجماعيَّة. ويتوافق هذا الطرح مع الأدبيَّات الدوليَّة في مجال إدارة التراث الثقافيّ، ولا سيَّما اتّفاقيَّة الأونسكو الدوليَّة لصون التراث غير المادِّيّ (2003)، التي تُبرز دور المجتمعات المحليَّة في حفظ تراثها.
الاستجابة للكوارث: نموذج انفجار مرفأ بيروت
في أعقاب انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، الذي خلَّف دمارًا واسعًا طال نحو ألف مبنًى تراثيِّ في الأحياء المجاورة، قادت جمعيَّة "تراثنا بيروت"، بإشراف منيمنة، جهودًا طارئة لتقييم الأضرار اللاحقة بالمباني التراثيَّة في أحياء الجمَّيزة، والرميل، ومار مخايل وتوثيقها. وقد اضطلعت الجمعيَّة بدور تنسيقيٍّ بين المهندسين والمتطوِّعين، ومع جهات الترميم المحليَّة والدوليَّة، وإطلاق مبادرات لرفع الوعي بضرورة الحفاظ على ما تبقَّى من نسيج معماريٍّ تاريخيّ، مثبتًا أنَّ الجمعيَّات المتخصِّصة، غير الحكوميَّة، قادرة على الاضطلاع بأدوار تكميليَّة وحيويَّة في مواجهة الكوارث.
الأثر المعرفيُّ والمؤسَّسيّ
لا شكَّ في أنَّ جمعية "تراثنا بيروت"، التي أسَّسها وأدارها منيمنة، ساهمت في رفع مستوى الوعي العامِّ بقضايا التراث، وفي استقطاب الشبيبة نحو الاهتمام بالهويَّة، وهو ما يتوافق مع التوجُّهات الدوليَّة الداعية إلى إشراك المجتمعات المحليَّة في صون تراثها. ولا يقتصر أثرها على المجتمع البيروتيّ، بل يمتدُّ إلى المغتربين اللبنانيِّين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، والذين يجدون في منصَّة الجمعيَّة جسرًا يربطهم بذاكرة مدينتهم الأصليَّة.
ختامًا، تمثِّل سيرة الراحل الأستاذ سهيل منيمنة نموذجًا بارزًا للباحث المدنيِّ الملتزِم، الذي أسهم في سدِّ فجوات توثيقيَّة حقيقيَّة في حقل الدراسات الحضريَّة البيروتيَّة. وتتجاوز أهمِّيَّة إرثه البحثيِّ حدود التوثيق الأرشيفيِّ لتصل إلى ترسيخ ثقافة الحفاظ على التراث في الوعي الجمعيِّ البيروتيّ.
هذه المقالة، بقلم صديق الراحل، هي تحيَّة وفاء لذكرى مؤسِّس ورئيس جمعيَّة "تراثنا بيروت" الراحل الأستاذ سهيل منيمنة، الذي توفِّي في مطلع شباط الماضي. وكان، إلى جانب نشاطاته في التوثيق التراثيِّ لمدينة بيروت، ونشاطاته ضمن المجتمع المدنيِّ غير الربحيّ، مساهمًا في مجلَّة المشرق الرقميَّة بمقالات نوعيَّة، منها: "المواطنة بين الحنين والنوستالجيا: علاقة المواطَنة بالموروث المكانيّ - بيروت مثالًا"، العدد 18، حزيران 2021؛ و"البيئة والتراث: علاقة مستدامة على مرِّ الأزمنة"، العدد 22، 15 حزيران 2023... وقد افتقدناه كاتبًا وموثِّقًا دقيقًا، وشخصيَّة إنسانيَّة راقية تؤمن بالحوار والانفتاح والعلم.
* الأستاذ زياد سامي عيتاني: إعلاميٌّ وباحث في التراث الشعبيّ.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق