article_cover_image

Pamela Chrabieh, "Weaving Echoes", Hybrid Art (Integrated Iconography), 2026.

author_article_image

الدكتورة باميلا شرابيه

فنٌّ على حافَّة الهاوية: بين أزمات لبنان وآفاق العالم

الفنُّ في لبنان ليس ترفًا. هو مرآةٌ مشقوقة تحفظ من الضوء ما يكفي ليبدِّد العتمة. أن تكون فنَّانًا هنا يعني أن تعيش في قلب العاصفة وتتمسَّك، بالرغم من الإرهاق، بأنَّ الخيال ضرورة للبقاء. المصارف حجبت مدَّخراتٍ كنَّا نظنُّها أمانًا، والحرب تطرق الأبواب، والتعب صار لغةً يوميَّة. ومع ذلك، ما زال من يرسم، ويعرض، ويجمع الناس حول لحظة جمالٍ قصيرة، كأنَّها شهيقٌ في بلدٍ يختنق. هذا الإصرار على الفعل الإبداعيِّ ليس "زينة"، بل ممارسة يوميَّة لمعنى الكرامة.


معركة ضدَّ الانطفاء

منذ ٢٠١٩ تغيَّر كلُّ شيء: مؤسَّسات ثقافيَّة تقلَّصت أو أقفلت، والتضخُّم التهم القدرة على الاستمرار، وانفجار المرفأ دمَّر مشاغل وأرشيفات، وعلَّق غبارًا في الذاكرة. ومع ذلك، تتحوَّل بيوت مهجورة إلى معارض، وحدائق صغيرة إلى مسارح، ومنصَّات رقميَّة إلى نوافذ على العالم. في هذا الارتجال جمالٌ مرّ؛ فالإبداع لم يعد خيارًا حرًّا، بل معركة يوميَّة ضدَّ الانطفاء. وراء كلِّ عرضٍ صغير، وفيديو قصير، وورشةٍ للأطفال في الحيّ، هناك رغبة عنيدة في أن يبقى للصوت موطئ قدم، وللصورة حقٌّ في الظهور.

لكنَّ المعضلة ليست اقتصاديَّة فحسب. فالنساء الفنَّانات، والمبدعون القادمون من الأحياء الهامشيَّة أو من عائلاتٍ متواضعة، يصطدمون بجدرانٍ غير مرئيَّة تُبطِئ الاعتراف بأعمالهم. من دون سياساتٍ عامَّة تحمي القطاع، تبقى الفرص مركَّزةً في يدِ قلَّة، ويُدفَع كثيرون إلى الهجرة أو الصمت. ومع ذلك، لا يخلو المشهد من مبادرات أهليَّة ومؤسَّسات صغيرة تعيد توزيع الضوء على هوامش كانت منسيَّة، وتؤسِّس لعلاقات مهنيَّة أكثر عدالة وشبكات رعاية تدعم الاستمراريَّة لا "الموسميَّة".


لبنان ملتقًى رغم كلِّ شيء


 الفنَّانون الذين يحملون سرديَّات الأزمة والمقاومة يجدون صدًى في عواصم عديدة، ويكتشفون عبر الإقامات الفنِّيَّة والمنصَّات الرقميَّة سُبُلًا للوصول. ليس هذا "تسويقًا للألم"، بل تقديمٌ لتجارب صادقة في عالمٍ مُثقلٍ بالصور المصنَّعة. في المدينة نفسها عادت برامج مدينيَّة واسعة تربط الأحياء بالمعارض والفعَّاليَّات، وتُنعش الحركة الثقافيَّة كمن يفتح النوافذ في بيتٍ ظلَّ مغلقًا طويلًا. تلك العودة، ولو متقطِّعة، تقول إنَّ الشرايين القديمة ما زالت قادرة على تمرير بعض الدم.

الخارج ليس جنَّة. سوق الفنِّ العالميَّة يمرُّ بدورة تباطؤ ملحوظة، والحركة عند القمَّة أقلُّ سخاءً من السابق، فيما تميل ديناميَّات العرض والاقتناء إلى التفاوض الهادئ والبيع بعيدًا عن الأضواء (1). في المقابل، تبرز فضاءاتٌ إقليميَّة، خصوصًا في الخليج، تفتح مساراتٍ جديدة للفنَّانين اللبنانيِّين، وتمنح الأعمال فرصة أن تُرى ويجري حولها نقاشٌ مُجدٍ، بدل أن تكون مجرَّد "ترند" عابر. هذه التحوُّلات تفرض على الممارِس الثقافيِّ أن يتقن لغاتٍ عدَّة: لغة الفكرة، ولغة السوق، ولغة الشَّراكات.

التكنولوجيا بابٌ ذو وجهَين. المنصَّات الرقميَّة فتحت نوافذ جديدة، سمحت ببيع الأعمال والوصول إلى جمهورٍ أوسع، لكنَّها أيضًا هشَّة، محكومة بخوارزميَّاتٍ تفضِّل السرعة على العمق. أمَّا الذكاء الاصطناعيُّ فيضيف قلقًا جديدًا: يمكن أن يكون أداة خلَّاقة توسِّع الإمكانات البصريَّة والبحثيَّة، لكنَّه أيضًا يهدِّد بإزاحة اليد البشريَّة، واستنساخ الأساليب من دون إذن، وتكريس انحيازاتٍ ثقافيَّة ولغويَّة. المسألة ليست رفضًا «تقنيًّا» للتطوُّر، بل طلب لقواعدَ وأخلاقيَّاتٍ واضحة تضمن الاعتراف والإنصاف والشفافيَّة، وتمنع تحويل الفنَّان إلى "مزوِّد بيانات" بلا حقوق.


السياسة الثَّقافيَّة المستدامة


 ثمَّة بُعدٌ آخر لا يجوز تجاهله: السياسة الثَّقافيَّة. ما لم تُصَغ رؤية عامَّة للقطاع بصناديق مستدامة، وتمويلٍ شفَّاف، وشبكات أمان اجتماعيّ، ومساراتٍ تُنصف الشباب والنساء ومَن يأتون من بيئاتٍ مهمَّشة، سيبقى المشهد متروكًا لصُدف السوق والمِنح الظرفيَّة. هذا لا يعني التقليل من أثر المبادرات الدوليَّة التي تساعد في سدِّ فجواتٍ حقيقيَّة عبر المِنح والتدريب والدعم التقنيِّ للمؤسَّسات والممارِسين؛ بل يعني أنَّ هذه المبادرات ينبغي أن تُنسَج داخل سياسةٍ وطنيَّةٍ تضمن الاستمراريَّة بدل "الإسعاف".

مع ذلك، لا تُختزل الحكاية بالعُسر فحسب. فالإصرار على الفنِّ هنا فعلُ مقاومةٍ بحدِّ ذاته. هو إعلان أنَّ الخيال يظلُّ حيًّا حتَّى على الحافَّة. الفنَّانون يؤسِّسون جماعاتٍ صغيرة، يُطلقون مهرجاناتٍ متواضعة بأثرٍ كبير، يصنعون أرشيف ذاكرةٍ في مجتمعٍ مهدَّدٍ بالنسيان، ويطرحون أسئلةً جريئة على بنى السُّلطة والمعنى (2). وعلى الصَّعيد العالميّ، لا يقدِّمون صورة بلدٍ مأزوم فحسب، بل يقدِّمون أيضًا عمقًا وحسًّا ساخرًا وقدرة على الابتكار. إنَّهم يحوِّلون الهشاشة إلى قوَّة تعبير، ويجعلون من النُدرة مادَّةً لثراء جماليٍّ لا يتوقَّعه أحد.

كلُّ هذا يفضي إلى خلاصةٍ بسيطة وصعبة في آن: الدَّرب إلى الأمام لا يمرُّ بالصبر الفرديِّ وحده. نحتاج إلى سياسةٍ ثقافيَّة عادلة، وتمويلٍ متَّسِق، وشراكاتٍ تتجاوز المركزيَّة، ومقاربة نقديَّة للتكنولوجيا، كي يخدم الذكاء الاصطناعيُّ الإنسان بدل أن يبتلعه. نحتاج أيضًا إلى تعاقدٍ أخلاقيٍّ جديد يضمن حرِّيَّة التعبير ويواجه الرقابة الناعمة والخشنة معًا. عندها فقط يصبح الفنّ، هنا وفي العالم، شهادةً حيَّة على بقاء المعنى، لا مجرَّد أثرٍ جميلٍ على جدارٍ هشّ.

في النهاية، الفنُّ في لبنان ليس «منتجًا» بقدر ما هو طريقة عيش (3): أن تلتقط شظيَّة ضوء وتبني منها مشهدًا؛ أن تضع يدك على جرحٍ عامٍّ وتحوِّله إلى سؤالٍ مشترك؛ أن تنحت من ضيق الموارد متَّسعًا للخيال. لهذا يواصل الفنُّ حياته، لا لأنَّ الظروف ملائمة، بل لأنَّ الحياة نفسها تحتاج من يذكِّرها بما يليق بها من معنًى، ولو في زمنٍ لا يليق.

المراجع


1.  

- “The Art Basel and UBS Global Art Market Report 2025”, Art Basel.

-  “Sotheby’s losses more than double to $248m as art market slumps”, The Guardian.

2.

.UNESCO فنُّ التعافي: اليونسكو تحشد الجهود من أجل إحياء بيروت، -

-      “Beirut Art Days 2025”, Agenda Culturel.

3. -     “Why We Must Rethink How We Value Local Arts and Culture in Lebanon”, Kulturnest, 2025.




 

   الدُّكتورة باميلا شرابيِّه: فنَّانة تشكيليَّة وكاتبة وباحثة لبنانيَّة-كنديَّة، والرَّئيسة التَّنفيذيَّة والمؤسِّسة الشَّريكة لمركز Kulturnest في لبنان، بخبرة تمتدُّ أكثر من ثلاثين عامًا في التَّدريس الجامعيِ والبحث والفنون والإعلام الإبداعيّ. تحمل شهادة دكتوراه في علوم الأديان من جامعة مونتريال، وماجستير في اللَّاهوت والأديان والثَّقافات، ودبلومًا عاليًا في الفنون الجميلة، إلى جانب شهادات من جامعات مرموقة مثل هارفرد ورايس. وقد نشرت العديد من الكتب والمقالات، وشاركت في معارض محليَّة ودوليَّة، ونالت عدَّة جوائز.

[email protected]




تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق