مورفولوجيا الشيطان في الأيقونات وحسُّ الإيمان
إلى جانب الشخصيَّات الصالحة المرئيَّة واللامرئيَّة، تصوِّر الأيقونات البيزنطيَّة شخصيَّات طالحة مرئيَّة ولامرئيَّة. في هذا التصوير، يعبِّر الرسَّام الإيقونوغرافيُّ عن أفكاره اللَّاهوتيَّة ومواقفه الروحيَّة بشأن الخير والشرّ، الصلاح والطلاح، من خلال تعبيراتٍ مورفولوجيَّة معيَّنة تعتمد على مصادر من جهة، وعلى حسِّ الإيمان لديه من جهةٍ أخرى. هذا البحث يهتمُّ باكتشاف حسِّ الإيمان الذي دفع الإيقونوغرافيِّين إلى اختياراتٍ معيَّنة لتصوير شخصيَّة الشيطان.
كلمات مفتاحيَّة: مصادر - مورفولوجيا – شيطان – حسُّ الإيمان - هجين.
مقدِّمة
الشيطان كائن روحيٌّ لا مادِّيّ. هذا ما تتَّفق عليه جميع المعتقدات الدينيَّة التي تندرج هذه الشخصيَّة في تعاليمها. وكما هو حال أيِّ كائن روحيّ، فهو ليس له شكل مادِّيّ حسِّيّ، أي ليست له هيئة مورفولوجيَّة. ومع ذلك، انطلاقًا من طباع الشخصيَّة وطبيعتها الروحيَّة، يسعى الأدباء والفنَّانون عادةً لتصوير ما لا صورة له، سواء بالكلمات الواصفة أو بالأشكال المعبِّرة. بيد أنَّ هذا التصوير لا يأتي من العدم، بل يعتمد على ركائز مرجعيَّة عدَّة تشكِّل مجموعة من المعطيات، بعضها قانونيٌّ وبعضها أقلُّ قانونيَّة.
سوف أتوقَّف في بحثي هذا عند صورة الشيطان في الإيقونوغرافيا البيزنطيَّة. فمَن ينظر إلى الأيقونات التي تحوي صورًا للشيطان يلاحظ أنَّ التصوير ينحصر في ثلاث فئات: شكل بشريّ، شكل هجين بين الحيوان والإنسان، وشكل حيوانيٌّ واقعيٌّ أو أسطوريّ. هذه الفئات استوحت أشكالها من مصادر غذَّت مخيِّلة المصوِّر فجعلته يختار مورفولوجيا معيَّنة لتصوير الشيطان بطريقةٍ تعكس ما يريد قوله بالشكل عن هذه الشخصيَّة.
الشائع في الإيقونوغرافيا أنَّ كلَّ رسَّام يعتمد على مصادر ثلاثة في عمله التصويريّ: الكتاب المقدَّس في المقام الأوَّل، يليه التقليد والتراث الكنسيَّان، وهما مجموعة المعتقدات والتعاليم المقبولة والشائعة ومجموعة الطقوس المُمارسة في عصره، وأخيرًا المخيِّلة التي تغذِّيها ثقافته، وهي ثقافة متوارَثة عن وعي أو لاوعي، وإيمانه الذي قد يتماشى مع هذه الثقافة أو يتحدَّاها.
في ما يخصُّ موضوعنا، يمكنني القول إنَّ المصدر الأوَّل لا يعطينا مادَّة مورفولوجيَّة كافية تساعد المصوِّر في عمله وتحدُّ، في الآن نفسه، من مخيِّلته، كما هو الحال في الشخصيَّات أو المواضيع الإيقونوغرافيَّة الأخرى. المصدر الثاني (التقليد والتراث الكنسيَّان) ظهر لاحقًا كمادَّة مورفولوجيَّة، بعد أربعة قرونٍ تقريبًا من المصدر الأوَّل، وقد صيغ بوجود المصدر الثالث (الثقافة المحيطة) السابق له زمنيًّا، والذي يحوي مادَّة غنيَّة لكنَّها مشوبة بكثيرٍ من الغموض، ما يدفعني بوجهٍ عامٍّ إلى طرح احتمال أنَّ المصدر الثاني استقى مورفولوجيَّته من المصدر الثالث، وبالتالي إلى عكس الترتيب المذكور آنفًا.
سوف أعرض في بحثي المصادرَ الثلاثة لأبيِّن، عند الكلام على التعبير الإيقونوغرافيّ، إلى أيِّ مدًى التزم المصوِّر بها أو نأى بنفسه عنها، انطلاقًا ممَّا يمكنني تسميته: الحسُّ الإيمانيّ. وللأسباب المقدَّمة سابقًا، سيكون عرض المصادر بحسب الترتيب الآتي: الكتاب المقدَّس، الثقافات المحيطة، التقليد والتراث الكنسيَّان.
الكتاب المقدَّس مصدرًا أوَّلًا
باستثناء سفر الرؤيا، ليس لدينا في الكتاب المقدَّس أيُّ وصفٍ صريحٍ لمورفولوجيا الشيطان. كلُّ ما ورد عنه يتناول شخصيَّته، طباعه، مسلكه تجاه الله والبشر. فحتَّى الحيَّة التي أغوت الإنسان الأوَّل لا يمكنها أن تكون مصدرًا موثوقًا لمورفولوجيا إيقونوغرافيَّة للشيطان. أوَّلا، لأنَّها كائن خلقه إله صالح؛ وثانيًا، لأنَّ صورة الحيَّة أنقذت العبرانيِّين في الصحراء (عدد 21: 9)، وشبَّه يسوع صلبه بها (يوحنَّا 3: 14)، ودعا المؤمنين ليتشبَّهوا بها: "فكونوا كالحَيَّاتِ حاذِقين" (متَّى 10: 16)؛ وثالثًا، لأنَّ العديد من دارِسي الكتاب المقدَّس يعتقدون أنَّ تأليف سفر التكوين يسبق مفهوم الشيطان الحاليّ. فالعهد القديم لا يصوِّر الشيطان خصمًا لله. إنَّه حاضر حضورًا مسالمًا أمام العرش السماويِّ في سفر أيُّوب (الفصلان 1 و2)، ومع رئيس الملائكة في سفر زكريَّا (3: 1-2). ويبدو أنَّ الهويَّة الشرِّيرة الصرفة والعداء مع الله ظهرا في كتابات ما بين العهدَين، وتبنَّاهما العهد الجديد[1].
ومع ذلك، يمكن العثور على مقاطع رأى فيها آباء الكنيسة أنَّها تلمِّح لسقوط الشيطان في سفر أشعيا (14: 12- 15) بشكلٍ رمزيٍّ من خلال الكلام على سقوط ملك بابل، وسفر حزقيال (28: 11-19) في الكلام على ملك صور حيث يبدو التلميح أوضح، إذ يقول الربّ: "كُنتَ في عَدنٍ، جَنَّةِ الله... كُنتَ كَروبًا مُنبَسِطًا مُظَلِّلًا، أَقَمتُكَ في جَبَلِ اللهِ المقدَّس... مِن كَثرَةِ مُتاجَرَتِكَ ٱمتَلَأَ باطِنُكَ عُنفًا وخَطِئتَ فَدَنَّسْتُكَ مُبعِدًا إِيَّاكَ عن جَبَلِ الله... وأَفسَدتَ حِكمَتَكَ مِن بَهائِكَ فطَرَحتُكَ إِلى الأَرض". في هذين المقطعَين، نجد عناصر تساعد على تشكيل مورفولوجيا، لكنَّها ليست كافية.
الوصف الأوضح نجده في الفصل الثاني عشر من سفر الرؤيا. هذا الفصل يقيم علاقة جليَّة بين الحيَّة القديمة، والتِّنِّين، والشيطان: "فأُلقِيَ التِّنِّين الكَبير، الحيَّة القَديمة، ذاكَ الَّذي يقالُ لَه إِبْليسُ والشيطان" (رؤيا 12: 9). في هذا الربط، يمكن الاستعانة بصورة التِّنِّين المورفولوجيَّة لتصوير الشيطان. فسفر الرؤيا يصفه كالآتي: "تِنِّينٌ كَبيرٌ أَشقَر لَه سَبعَةُ رُؤُوسٍ وعَشرَةُ قُرون، وعلى رُؤُوسِه سَبعَةُ تيجان، وذَنَبُه يَجُرُّ ثُلثَ كَواكِبِ السماء" (رؤيا 12: 3-4). الميثولوجيا اليونانيَّة والتصاوير الشرق-أوسطيَّة القديمة تعطينا تصوُّراتٍ واضحة عن هذا التِّنِّين؛ إنَّه حيوان له رأس حيَّة، ويختلف عن التِّنِّين الآسيويِّ الذي له رأس أسد أو نمر. ويظهر هذا العنصر الثقافيُّ في سفر الرؤيا: "ورَأَى التِّنِّين أَنَّه قد أُلقِيَ إِلى الأَرض، فطارَدَ المَرأَةَ الَّتي وَضَعَتِ الوَلَدَ الذَّكَر، فأُعطِيَتِ المَرأَةُ جَناحَيِ العُقابِ الكَبيرِ لِتَطيرَ بِهما إِلى البرِّيَّة... في مَأمَنٍ مِنَ الحيَّة، فأَفرَغَتِ الحيَّة مِن فَمِها خَلفَ المَرأَةِ مِثلَ نَهرٍ مِنَ الماءِ لِيَجرُفَها النَّهر" (رؤيا 12: 13-15).
من هذا المنطلق، درجت أيقونات القدِّيس جاورجيوس والملاك ميخائيل على تصوير القدِّيس أو الملاك في صدد طعن التِّنِّين المطروح أرضًا، ورأس التِّنِّين هو رأس حيَّة، ويتميَّز عنها بجناحَي الخفَّاش الخاليَين من الريش، وجسمه المنفوخ، والأسنان التي تقرِّب شكله من شكل التمساح أحيانًا.
في الفصل 13 تتعقَّد المسألة. إذا كان الشيطان، عدوُّ البشر، هو الوحش، ففي هذا الفصل يظهر وحشان آخران بمورفولوجيَّتين مختلفتَين تمامًا. الأوَّل: "ورَأَيتُ وَحشًا خارِجًا مِنَ البَحْر، لَه سَبعَةُ رُؤُوسٍ وعَشرَةُ قُرون، وعلى قُرونِه عَشرَةُ تيجان وعلى رُؤُوسِه ٱسمُ تَجْديف. وكانَ الوَحشُ الَّذي رَأَيتُه أَشبَهَ بِالفَهْد، وقَوائِمُه مِثلُ قَوائِمِ الدُّبّ، وفَمُه مِثلُ فَمِ الأَسَد" (رؤيا 13: 1-2)؛ والثاني: "ورَأَيتُ وَحشًا آخَرَ خارِجًا مِنَ الأَرض، وكانَ لَه قَرْنانِ أَشبَهُ بِقَرنَيِ الحَمَل، ولٰكِنَّه يَتَكَلَّمُ مِثلَ تِنِّين" (رؤيا 13-11). وفي الفصل 16 تفصيل يزيد المسألة تعقيدًا: "ورَأَيتُ ثَلاثَةَ أَرْواحٍ خَبيثَةٍ مِثلِ الضَّفادِعِ خارِجَةً مِن فَمِ التِّنِّين ومِن فَمِ الوَحْشِ ومِن فَمِ النَّبِيِّ الكَذَّاب، فهي أَرْواحٌ شَيطانِيَّةٌ تَأتي بِالخَوارِق" (رؤيا 16: 13-14).
الأشكال المذكورة آنفًا رهيبة ومخيفة ومهدِّدة، ويستطيع الإيقونوغرافيُّ أن يعتمد عليها، أو على بعضٍ منها، لتشكيل مورفولوجيا مرعبة. ففي الحديث عن سقوط بابل، يصيح ملاك: "سَقَطَت، سَقَطَت بابِلُ العَظيمة! وصارَت مَسكِنًا لِلشَّياطين، ومَأوًى لِكُلِّ روحٍ نَجِس، ومَأوًى لِكُلِّ طائِرٍ نَجِس، ومَأوًى لِكُلِّ وَحشٍ نَجِسٍ مَمْقوت" (رؤيا 18: 2). الكلمات المفتاح في الآية السابقة: طائر، وحش، ممقوت، تقود إلى اختياراتٍ مورفولوجيَّة: أجنحة، وجه، وربَّما جسم، حيوانيّ، بشاعة. ربَّما هذا كلُّ ما يستطيع الإيقونوغرافيُّ أن يستخلصه من الكتاب المقدَّس لتصميم مورفولوجيا للشيطان، لكنَّه سيتصرَّف بشكلٍ مختلف، وسيصوِّر الشيطان انطلاقًا من عنصرٍ مهمٍّ، وهو: الحسُّ الإيمانيّ.
الثقافات المحيطة مصدرًا ثانيًا
إذا كان الكتاب المقدَّس يعطي الإيقونوغرافيَّ القليل عن مورفولوجيا الشيطان، فهل استعان المصوِّر بالثقافات المحيطة به، والتي هي في غالب الأحيان مركّبٌ من مركَّبات ثقافته؟ سوف أعرض، بجولةٍ سريعة، "شياطين" الثقافات المحيطة بالعالَم البيزنطيِّ لنرى ما الذي تستطيع هذه الثقافات أن تقدِّمه لهذه المورفولوجيا.
لدينا بوجهٍ عامٍّ أربع ثقافات: البابليَّة، والمصريَّة، واليونانيَّة، والسلافيَّة. وقد اعتمدتُ هذه الثقافات من دون غيرها لسببَين: الأوَّل قربها من المناطق التي نشأ فيها فنُّ الإيقونوغرافيا وتطوَّر، مع كلِّ الأفكار المسيحيَّة في تلك الفترة التي تشيطِن آلهة الديانات الوثنيَّة؛ والثاني هو مقدار أوجه الشبه بين شكل آلهة الشعوب الشرِّيرة، والنصوص المسيحيَّة التي تتكلَّم على الشيطان. لن أتناول جميع آلهة هذه الحضارات، بل سأنتقي ما يشبه التصوير النصِّيَّ في الأدب المسيحيِّ البيزنطيّ.
الحضارة البابليَّة
الشخصيَّة الميثولوجيَّة اللافتة هي شخصيَّة بازوزو أو زو، وهي شخصيَّة شهيرة في الأساطير البابليَّة. مورفولوجيًّا، يظهر بازوزو كرجل نحيل جدًّا، بقدمَي وأجنحة نسر (4 أجنحة)، ويدَي ورأس أسد. يُصوَّر دائمًا تقريبًا، رافعًا يده اليمنى، ومُسبِلًا يده اليسرى.

تمثالٌ نحاسيٌّ للإله بازوزو من بلاد ما بين النهرَين،
تمَّ استخراجه من موقع تلِّ الشيخ حمد الأثريِّ في سوريا.
في الأساطير البابليَّة المبكِّرة يظهر متخفِّيًا في هيئة "طائر العاصفة" زو، الذي سرق ألواح القدَر من التِّنِّينة تيامات Tiamat. وفي الحضارة البابليَّة اللاحقة، يظهر مرَّة أخرى، هذه المرَّة باسم بازوزو، ويُقال إنَّه ابن هانبا Hanpa، رئيس شياطين الرياح. عندما يستدعيه المُتعبِّدون، يظهر في هيئة تمثال، مُتجمِّدًا في الوضع الموصوف آنفًا. ومع ذلك، يتحوَّل من هيئة التمثال إلى هيئته الحيَّة. وبهذا الشكل، يكون قادرًا تمامًا على الحركة. "يُقال إنَّ هذا الوحش سرق ألواح القدَر... فنال، بحوزته إيَّاها، سلطةً على الكون كمتحكِّمٍ في مصائر الجميع، وما يكفي لتعريض استقرار الحضارة للخطر"[2].
يشبه جسم بازوزو جسم شياطين بلاد ما بين النهرَين الأخرى، لكنَّ رأسه مميَّز في أنَّه مستطيل الشكل، له قرنان معقوفان، وحاجبان ضخمان فوق عينَين مستديرتَين عميقتَين، وفكُّ كلب يُظهر أسنانًا ولسانًا، ولحية طويلة ذات شقَّين مُحدَّدة بخطوط أفقيَّة، وأذنان بارزتان. يُعَدُّ تكوين رأس بازوزو أقدم مثال معروف على مورفولوجيا بلاد ما بين النهرَين التي تمزج بين سمات حيوانيَّة وبشريَّة متعدِّدة. كانت المورفولوجيات السابقة تكتفي بإضافة جزءٍ واحد فحسب من جسم الحيوان، مثل رأس إنسان على جسم أسد. بالإضافة إلى ذلك، حيَّرت مورفولوجيا بازوزو الباحثين بسبب ظهورها المفاجئ بشكلها الكامل في السجلَّات الأركيولوجيَّة، بدون ظهور أيِّ مراحل تطوُّريَّة واضحة، وهو ما جعل تحديد أصول المورفولوجيا الجغرافيَّة الدقيقة مستحيلًا، إلَّا إذا صحَّت فرضيَّة بعضهم في أنَّها أتت من الهندوسيَّة القديمة.
الحضارة الفرعونيَّة
هناك عدَّة شخصيَّات ميثولوجيَّة في الحضارة الفرعونيَّة نجدها في الإيقونوغرافيا المسيحيَّة. أوَّلها أموت Ammut، شيطانة من مصر القديمة، جسمها نصف أسد وفرس نهر وتمساح، أضخم ثلاثة حيوانات آكلة لحوم بشريَّة عرفها المصريُّون القدماء. كانت إلهة جنائزيَّة، ومن ألقابها "آكلة الموتى" و"آكلة القلوب". ففي أثناء الدينونة، تلتهم "أموت" الإنسان الخاطئ. دورها، ورأس التمساح لديها، حين يفتح فمه لأكل الموتى، يذكِّراننا بالوحش الذي يفتح فاه في أيقونات الدينونة ليلتهم العصاة.

أموت يقف عند وزن قلب آني.
من برديَّة آني حوالى العام 1250 قبل الميلاد.

نقش حجريٌّ بارز للإله بِس في معبد هاتور، قرية دندرة، محافظة قنا، مصر.
هذه المورفولوجيا غير العاديَّة، إلى جانب قامته القزمة، تُضفي على بِس مظهرًا مميَّزًا يسهل التعرُّف إليه فورًا. في الإيقونوغرافيا المسيحيَّة، مدُّ اللسان سمة مورفولوجيَّة للشيطان، وهناك مَن يرى تشابهًا بين وجه بِس ووجه رئيس الشياطين، قابض الأرواح، في أيقونات الدينونة حيث يصوَّر وجهيًّا.
اللافت هو أنَّ الآلهة الفرعونيَّة في غالبها ليست شرِّيرة ما عدا أبيب، الأفعى الضخمة التي هي في صراع دائمٍ مع رع إله الشمس، و"سِت"، الذي رأسه رأس كلبٍ أو ذئبٍ أو ابن آوى، إله الفوضى والعواصف والعنف الذي كان يُصوَّر أحيانًا على أنَّه شيطان لأنَّه قتل أخاه أوزيريس، لكنَّنا نراه حاضرًا في محفل الآلهة في أثناء الدينونة.
اليونان القديم
كلمة شيطان اليونانيَّة "دايمون δαίμων" المشتقَّة من الفعل اليونانيِّ "دايستاي δαίεσθαι" تحمل دلالات إيجابيَّة واضحة. الدايمون، في الحضارة اليونانيَّة القديمة، آلهة يمتلكون قوًى خارقة للطبيعة، وأقدارًا، وأرواحًا حارسة، أو ملائكة تُقدِّم الهداية والحماية، وجودهم محسوس لا مرئيّ.
ما يهمُّنا، من بين الدايمون، شخصيَّة الساتير Σάτυροι، أو الماعز الأشعث، الأكثر شقاوة من الشرّ. الساتير كائنات ذكوريَّة عُرفت بسلوكها الجامح والشهوانيِّ والثمِل، كانت في المقام الأوَّل من أتباع ديونيسوس، إله الخمر. صُوِّرت كهجينٍ من الإنسان والحيوان، بملامح مثل أذنَي وذيل وأرجل ماعز أو حصان، ولكن بجسم رجل. ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد، طغى تصوير الساتير بأرجلٍ بشريَّة.

إناء أسود عليه صورة نادرة لساتير يواجه المُشاهد،
وتُنسب إلى رسَّام ليدوس، حوالى العام 550 قبل الميلاد - متحف مِتروبوليتان للفنون، نيويورك.
الساتير شخصيَّة بشعة بحسب معايير الجمال اليونانيَّة القديمة. لديها سمات غير مرغوب فيها، مثل علامات الشيخوخة والصلع والوجه الخشن والأنف القصير. حين نرى صور الساتير، ينتابنا شعور قويٌّ بأنَّه مصدرٌ مهمٌّ لمورفولوجيَّة الشيطان في الإيقونوغرافيا البيزنطيَّة. لعلَّ "حسَّ الإيمان" لدى الإيقونوغرافيِّين دفعهم إلى تفضيل هذه الشخصيَّة بسبب سلوكيَّاتها الشهوانيَّة العبثيَّة التي يصنِّفها الإيمان المسيحيُّ بأنَّها آثمة.
الحضارة السلافيَّة
الشخصيَّات الشيطانيَّة في الحضارة السلافيَّة كثيرة، ويمكننا القول إنَّ مورفولوجيَّتها أثَّرت بوضوح في مورفولوجيا الشيطان الإيقونوغرافيَّة للبلدان السلافيَّة. فالأرواح الشرِّيرة أو الصالحة كثيرة، وشخصيَّة بيِسBies ، تسمية عامَّة وتشير في الآن نفسه إلى روح شرِّيرة أو شيطان في الأساطير السلافيَّة. وبتأثير المسيحيَّة، أصبحت الكلمة مرادفة لكلمة "تشورت" أي الشرِّير[3].
بوجه عامّ، تسكن هذه الكائنات الغابات، ومورفولوجيَّتها خليط من العناصر الثلاثة: النبات، ويظهر عمومًا في القرون كثمار أو أغصان شجر عارية، والحيوان، ويظهر عمومًا في الأطراف، والإنسان، ويظهر في الوجه. أمَّا الجسم فهو بين الإنسان والحيوان.

رسم تخطيطيٌّ للشيطان بيِس،
وقد منح الإيقونوغرافيُّون مورفولوجيَّته للشيطان في أيقونات القدِّيس نيكيتا.
من هذا التقديم الموجز يمكن القول إنَّ مورفولوجيا الشيطان في الإيقونوغرافيا لم تولد من العدم. فبيزنطية، بسبب مكانتها الحضاريَّة والاقتصاديَّة، كانت مكان لقاء الأمم والثقافات والعبادات والمهرجانات، ولا يمكن استبعاد تغذِّي الذواكر من هذه القصص، وخصوصًا الأشكال التي كانت تأتي مرسومةً على الأقمشة أو الآنيَة، أو حتَّى منحوتة كآلهة مرافقة، سواء في هيئة تماثيل أو في قلاداتٍ أو خواتم أو أيِّ قطعة للزينة. ومع ذلك هناك مشكلة يجب حلُّها: هذه الآلهة ليست شرِّيرة. بازوز يرعى الأطفال حديثي الولادة، وأموت يلتهم الموتى الأشرار، وبِس يدافع عن المملكة، وساتير يلهو، وبيس السلافيُّ يحمي الغابة وحيواناتها. صحيح أنَّ الإيمان المسيحيَّ يقول إنَّ الله هو الذي يحمي، ولكن أما كان يجدر اعتبار هذه الآلهة بمثابة نسخة وثنيَّة عن الملائكة؟
لم تتبنَّ الديانات التوحيديَّة هذا الاختيار، بل فضَّلت شيطنتها بالكامل، ربَّما لتحثَّ الناس على تركها واعتناق اليهوديَّة أو المسيحيَّة أو الإسلام. هذا السؤال يُطرَح اليوم في أكاديميَّات البحث، وهو يخرج عن الموضوع المطروح هنا. ما أريد الإشارة إليه هو المزيج الذهنيُّ الذي من المحتمل أنَّه حدث في ذاكرة الرسَّام بين صور آلهة الثقافات المحيطة والقصص المسيحيَّة عن الشياطين، وهو ما سمح، على ما يبدو، باستعارة ملامح من أشكالها في الإيقونوغرافيا. لكنَّ هذه الاستعارة لم تكن عمياء، بل مرَّت بما سمَّيتُه: حسَّ الإيمان.
التقليد والتراث الكنسيُّ مصدرًا ثالثًا
لا يذكر روبين لين فوكس Robin Lane Fox في كتابه، عن الوثنيَّة والمسيحيَّة في القرون الثلاثة الأولى، الشيطان مع جيشه إلَّا بشكل عابر[4]. وكذلك الحال مع ما كتبه بيتر براون Peter Brown في السحر والشياطين وظهور المسيحيَّة[5]، فإنَّه لا يتناول موضوع علم الشياطين في الكنيسة الأولى. فالسحر قضيَّة منفصلة. لذلك لا يُذكر الشياطين في كتاب دفاع أبوليوس Apuleius، الذي يتناول تهمة السحر، باستثناء تلميح إلى شياطين أفلاطون.
كان هذا هو الحال في القرون الثلاثة الأولى. المسيحيَّة ناشئة ومضطهَدة، والآراء عن شيطنة الديانات الوثنيَّة وآلهتها تُقال همسًا، وليست موضوعًا يستدعي التصوير. علينا أن ننتظر القرن الرابع لنجد مصادر مورفولوجيَّة عن الشيطان.

أيقونة يونانيَّة للقدِّيس أنطونيوس تظهر صراعاته مع الشيطان في مربَّعات الإطار.
بعد مئة سنة كتب كالينيكوس Callinicus حياة هيباتيوس Vita Hypatii. لم نعد في الصحراء بل في ضواحي القسطنطينيَّة؛ المناطق الداخليَّة المباشرة للعاصمة على الجانبَين الأوروبيِّ والآسيويّ، لا تزال وثنيَّة إلى حدٍّ كبير (هذا في النصف الأوَّل من القرن الخامس) ولا تزال تُقدَّم التضحيات الحيوانيَّة في المعابد[7]. رجال الدين النظاميُّون غير فعَّالين ولا يقومون بالكثير للتعامل مع الوضع. حتَّى أسقف خلقيدونية لم ير أيَّ ضرر في اقتراح إحياء الألعاب الأولمبيَّة في مسرح مدينته إلى أن أوضح له وفد من الرهبان أنَّ الألعاب المعنيَّة كانت "مهرجانًا رهيبًا للشيطان"، وتصل إلى حدِّ عبادة الأصنام (الفصل 33، 1). وبالتالي، تقع مهمَّة هداية الفلَّاحين على عاتق الرهبان.

أيقونة روسيَّة للقدِّيس هيباتيوس.
تصوِّر المربَّعاتُ على اليمين لقاءاته بالشياطين.
من الناحية المورفولوجيَّة تقول سيرة هيباتيوس إنَّ الشيطان أرتميس (إله الصيد عند اليونان)، الذي يبلغ طوله عشرة أضعاف طول الإنسان، شوهد وهو يرعى الخنازير (الفصل 45). الشيطان شخصيَّة عظيمة إلى حدٍّ ما، إمبراطور، لا أقلَّ من ذلك، يجلس تحت مظلَّة محاطًا ببلاطه الخاصِّ من الشياطين (الفصل 28). يحثُّه هيباتيوس على التوبة (وهذا يبدو غريبًا)، ويعرض عليه إمكانيَّة أن يستقبله الله تائبًا من خلال صلوات القدِّيسين، لكنَّ الشيطان، الذي يُسعد بالسلطة التي يتمتَّع بها في العالم، يرفض (الفصل 15).
كثرت الكتابات عن الشياطين بعد القرن الرابع الميلاديّ، خصوصًا في سِير الرهبان. كانت غايتها تحذير المكرَّسين لله من الانحراف. ومع هذا الانتشار، ظهر ما يمكن تسميته "علم الشياطين". لا شكَّ في أنَّ هذا العلم يدين الكثير لأوريجينُس الذي قام بتحليل منهجيٍّ للمعطيات الكتابيَّة، ودمجها في نظام متماسك لعلم الشياطين[8]. وقد تحقَّق ذلك من خلال عمليَّة تحديد الهويَّة بمساواة الشيطان مع لوسيفوروس، وأمير صور، والتِّنِّين، واستبعاد المراقبين الغامضين الذين اشتهوا بنات البشر في سفر التكوين 6: 1، ومن خلال عمليَّة تفكيرٍ إبداعيّ. احتاج تفسير أوريجينوس المفصَّل والدقيق إلى بعض التعديل، ولكنَّه، إلى حدٍّ كبير، مقبول من قِبل الكنيسة[9].
تبنَّت الكنيسة نظام علم الشياطين استجابةً لظروف القرنَين الثاني والرابع، وكانت ركيزته الأساسيَّة ربط الوثنيَّة وطوائفها ونبوءاتها، وبالطبع اضطهادها للمسيحيِّين، بعالم الشياطين. ولعلَّ هذا هو أحد أسباب ظهور التشابه في الإيقونوغرافيا بين الشيطان وآلهة الوثنيِّين. لم يكن ذلك ليحدث لولا إيمان نسبة كبيرة من الجمهور في ذلك الوقت بوجود الشياطين. وبالفعل، مع حلول القرن الرابع، آمن الجميع تقريبًا - مسيحيُّون ويهود ومانويُّون ووثنيُّون - بحقيقة وجود الشياطين. فبغضِّ النظر عن شهادة النصوص، فإنَّ الأدلَّة الأثريَّة دامغة، وهي انتشار القِطع التي تحمل صورًا للشياطين: بُرديَّات سحريَّة، وأحجار كريمة، وتمائم، ونقوش...
هنا يمكن القول إنَّ المصدر الثاني لمورفولوجيا الشياطين (أي الأدب الكنسيّ) ظهر في القرن الرابع، وازدهر في القرون التي تلته، خصوصًا في سيَر الرهبان، وبعض التعاليم غير الرسميّة التي لها علاقة بالتعزيم. تروي قصص طرد الشياطين حكاياتٍ عن مرضى وممسوسين يأتون إلى الكنائس أو يلتمسون مساعدة رجال الدين، وتُجرى طقوس طرد الأرواح الشرِّيرة باستمرار، ويصرخ المرضى، ويطيرون في الهواء، ويتمزَّقون إربًا إربًا حتَّى يخرج من أفواههم حيوان كريه - ضفدع، أو ثعبان، أو غراب. يحدث هذا علنًا، وهو أمر عاديُّ الملاحظة[10].
أمَّا سيَر الرهبان فتعطي في غالب الأحيان مورفولوجيا واضحة للأشكال التي تظهر فيها الأرواح الشرِّيرة. إنَّها أشكال متنوِّعة يصعب حصرها. مثلًا، يقول القدِّيس أثناسيوس في حياة أنطونيوس: "يمكن أن تتَّخذ الشياطين أشكالًا مرئيَّة، وبالتالي تخلق صورًا وخيالات في أذهان ضحاياها. إنَّهم يعتمدون بشدَّة على هذه القوَّة لهزيمة الرهبان"[11].
يمكن أن يغيَّر الشيطان شكله بإرادته. وغالبًا ما فكَّر أثناسيوس فيه كعملاق ضخم يعيش في الهواء، ويستخدم شكله الرهيب وقوَّته لمنعنا من الصعود إلى السماء. أو قد يظهر كصبيٍّ أسود، علامة على فراغ روحه وظلامها، وأيضًا على ضعفه المتأصِّل أمام قوَّة المسيح. وغالبًا ما يتَّخذ هو وشياطينه شكل وحوش، رمزًا لغبائهم الوحشيّ، أو قنطورًا - وحش يشبه الإنسان حتَّى الفخذين ولكن له أربع قوائم مثل الحصان - يرمز إلى حقيقة أنَّه ليس لديهم وجود حقيقيٌّ ولا مكان حقيقيّ في الكون.
واستقى أثناسيوس من سفر أيُّوب وصفًا مورفولوجيًّا: "عينا الشيطان كنجم الصبح. من فمه تخرج مصابيح متَّقدة، ومواقد نار تقذف اللهب. يخرج من أنفه دخان أتون متَّقد بنار الجمر. أنفاسه جمر، ومن فمه لهيب". يستطيع الشيطان أن يتَّخذ شكل ملاك نور، ويمكن أن تخدعنا الشياطين بالغناء الجميل، والاقتباس من الكتاب المقدَّس، وترديد كلمات الصلاة، وحتَّى اتِّخاذ مظهر الرهبان. لكنَّ التظاهر بالخير جهدٌ جهيدٌ عليهم، فيتراجعون إلى واقعهم بعد وقت قصير، مُظهرين القبح وناشرين الرائحة الكريهة. في أصدق صورهم، هم أجسام ثقيلة غير مرئيَّة تنحدر نحو الظلام والخراب[12].

الشيطان يظهر للقدِّيس يعقوب المكرَّم في هيئة ملاك النور في أثناء صلاته
(الشيطان مختبئ وراء الوهم الذي يولِّده)
"أكثر الوحوش شيوعًا التي تختارها الشياطين هي أن تظهر بشكل تنانين، وثعابين، وعقارب، وأسود، ودببة، وفهود، وثيران، وذئاب، وضباع، وديكة. وقد تبع أثناسيوس مواطنه أوريجينوس في دمج الشيطان مع لوياثان، وأمير صور، ولوسيفوروس (راجع حزقيال 28: 18-19)، وفي تعريف الكبرياء بأنَّه أوَّل خطيئة للشيطان"[13].
لكنَّها تظهر أيضًا في هيئات بشريَّة. فقد رأى باخوميوس الشيطان يظهر كفتاة سوداء صغيرة حاولت إغواءه. فطرد باخوميوس الفتاة بضربة من يده؛ وبعد ذلك بقيت الرائحة الكريهة على يده لمدَّة عامين[14]. كما انزعج مقاريوس من حشد من الشياطين السود الصغار الحجم[15].
الشياطين يرسلون أحيانًا أحلامًا وهلوسات لتخويف الرهبان، ولكن في بعض الأحيان يكونون موجودين فعليًّا خارجيًّا، حيث يولِّدون رؤية كائنات مختلفة وصوتها ورائحتها. يتَّخذون مظهر الرجال القدِّيسين، ويكذبون؛ ويتَّخذون أشكال العمالقة والوحوش البرِّيَّة والزاحفة، فيثيرون الخوف والاشمئزاز. يفوحون بروائح مقزِّزة، وغالبًا ما يثيرون ضجيجًا وصخبًا محطِّمًا للأعصاب... استيقظ أنطونيوس ذات مرَّة على أصوات صراخ مروِّعة واهتزاز جدار كوخه؛ ثمَّ هاجمه الشياطين بأشكال مرعبة عديدة مثل "الأسود والدببة والفهود والثيران والثعابين والأفاعي والعقارب والذئاب"، وكلُّها تهدِّده بأصوات صاخبة وحنجريَّة وعواء.
ليس لدى الشياطين كرامة؛ فهم ينزلون من الرهيب إلى السخيف من أجل صرف انتباه الراهب عن تأمُّلاته. إنَّهم يرقصون ويضحكون ويصفِّرون ويقفزون ويطلقون الريح ويتبخترون؛ في بعض الأحيان يقدِّمون الكوميديا: شاهد باخوميوس شياطين صغيرة تربط حبلًا بعناية إلى ورقة ثمَّ تتظاهر بأنَّها تشدُّها وتعجز عن تحريكها... وتمَّ تسجيل اعتداءات جسديَّة. قفز شيطان على ظهر هيلاريون وجلده؛ وذات مرَّة، هاجمت جماعة من الشياطين أنطونيوس، وضربوه وجلدوه حتَّى سقط فاقدًا للوعي على الأرض[16].
الشياطين يسكنون الهواء، ويسافرون بالأجنحة. قد يصبحون ضئيلي الحجم، فيدخلون أجسادنا مع الهواء الذي نستنشقه من الأنف... حجمهم ولونهم وشكلهم يتناسب مع مكانتهم الكونيَّة المتدنِّية، ولكن مع قدرتهم على رؤيتنا، لا يمكننا رؤيتهم أبدًا، إلَّا إذا اتَّخذوا أشكالًا زائفة لتضليلنا؛ قد يظهرون كملائكة نور، أو نساء جميلات، أو محاربين، أو ما يحلو لهم؛ في هذه الأشكال، يصرُّون على أسنانهم ويطلقون أنينًا وروائح كريهة[17].
عن مسكن الشيطان في الهواء، بحسب حياة أنطونيوس، يقول الأب جان دانييلو[18] إنَّ حياة أنطونيوس تُجسِّد مفهومًا متماسكًا بشكلٍ ملحوظ، يكاد يكون "علميًّا"، لعالم الشياطين، الواقع في الهواء أسفل السماء المرئيَّة. الشياطين موجودون في الهواء نتيجة سقوطهم، وتقذفهم باستمرار اضطرابات الرياح، ما يتناقض مع هدوء الكرة السماويَّة، ومن هنا تأتي الفوضى والاضطراب اللذان يُعبِّران عن العمل الشيطانيّ. بفضل موقعهم في الهواء، يستطيع الشياطين عرقلة التقدُّم التصاعديِّ للأرواح البشريَّة بعد الموت، وهذا هو المفهوم المألوف لمكان الانتظار τελώνεια، والذي قُدِّر له أن يستمرَّ حتَّى نهاية العصر البيزنطيّ.
مورفولوجيا في النصوص الإيقونوغرافيَّة
بعد عرض النصوص المكتوبة التي تصف مورفولوجيا الشيطان، بقي علينا ذكر نصٍّ مهمٍّ مكتوب، لكنَّه ليس تعليمًا للرهبان أو للمؤمنين، بل هو إرشاد للرسَّامين. إنَّه مخطوط ديونيسيوس من فورنا، ويعود إلى القرن التاسع عشر، لكنَّ جذوره قديمة تعود إلى المعلِّم بانسيلينوس من القرن الثالث عشر. كان الرسَّامون ينسخون مخطوط بانسيلينوس ويضيفون إلى الهامش ملاحظات أو إضافات، فيأتي الناسخ، ويُدرِج الملاحظات في متن النصّ. وهكذا توسَّع النصُّ عبر القرون الستَّة، حتَّى وصل إلى ديونيسيوس الراهب من فورنا، ومنه إلينا. يصف النصُّ سقوط لوسيفورُس، رئيس الشياطين، وهو موجَّه، كما قلنا، لرسَّامي الأيقونات، ويحدِّد لهم فيه مورفولوجيَّة الشيطان:
"في السماء، يجلس المسيح كالملك على عرشه ويمسك الإنجيل مفتوحًا على هذه الكلمات: "رأيتُ الشيطان يسقط من السماء كالبرق" (لوقا 10: 18). وحوله أجواق الملائكة في خشية وخشوع. وفي وسطهم ميخائيل يقول على صحيفة ورق[19]: فلنثبُت في خشية الله، ولنعبد هنا الملك إلهنا". ومن تحت، جبالٌ في وسطها فتحة كبيرة نقرأ فوقها عبارة: "التتريّ"[20]. ويسقط لوسيفورُس وكلُّ جيشه من السماء. في الأعلى يبدون جميلين جدًّا. وتحتهم يصبحون ملائكة الظلمة. وتحتهم يبدون أكثر ظلمةً وسوادًا. وتحتهم أيضًا، يصبحون نصف ملاك ونصف شيطان. وفي النهاية، يصبحون شياطين بكاملهم، سودًا وبشعين. وفي الأسفل جدًّا، تحت الجميع، في وسط الهوَّة، الشيطان لوسيفورُس، وهو أشدُّ سوادًا وبشاعة من الجميع، مستلقٍ على بطنه وينظر نحو الأعلى"[21].

فريسك حديث يصوِّر سقوط الملائكة،
ويبدو التحوُّل المورفولوجيُّ هادئًا بدون إثارة للرعب.
في الأيقونات المتأثِّرة بالفنِّ الغربيّ يصبح الفم بشعًا وحيوانيًّا، والأنف يتدبَّب ويصير كالمنقار، ويبدأ الذيل بالظهور، وتتحوَّل الأيدي والأرجل إلى قوائم حيوان، والأظافر إلى مخالب، والجلد مشعَّر كجلد القرد، والوجه مكشِّر وهو ليس وجه إنسان، بل حيوان مخيف. وفي بعض الأحيان، يصوِّر لوسيفورُس، أي حامل النور، بثلاثة رؤوس، لها آذان ذئب، وهو يلتهم ضحاياه.
أمَّا الأيقونات المحافِظة على حسِّ الإيمان فتكتفي بتصوير لوسيفوروس بحجمٍ أكبر من حجم الشياطين الآخرين، يجلس بالقرب من لوياثان الذي يبتلع الخاطئين (وسيأتي الكلام عليه لاحقًا)، وهيئته التي تشبه في كثير من تفاصيلها الآلهة الوثنيَّة، خصوصًا الإغريقيَّة.

لوسيفوروس رئيس الشياطين فوق لوياثان،
جزء من أيقونةٍ تصوِّر الدينونة.
على كلِّ حال، يبدو واضحًا من دليل رسم الأيقونات، أنَّ الكاتب يفتح مجالًا للحرِّيَّة في تصوير المورفولوجيا أكثر ممَّا تفتحه نصوص التراث المسيحيِّ المذكورة آنفًا. إنَّه يكتفي باستعمال الصفة بدون الدخول في التفاصيل. يستعمل كلمة بشع وليس كلمة مخيف، ويترك لحسِّ الإيمان تصوير البشاعة.
سمات مورفولوجيا الشيطان العامَّة كما تظهر في الإيقونوغرافيا
ثقافات آلهة وثنيَّة تعيش في أجواء من العنف والعنف المضادّ، ونصوصٌ مسيحيَّة تتكلَّم حتَّى درجة المبالغة أحيانًا على شياطين تشنُّ حربًا ضروسًا على الإنسان منذ مولده حتَّى وفاته، تماثيل مرعبة، ونصوص أدبيَّة تثير الذعر، وفي وسط هذا كلِّه فنَّان يريد أن يرسم صورًا تعكس المجد الإلهيّ. هذه هي الأجواء التي وجد الإيقونوغرافيُّ البيزنطيُّ نفسه فيها طوال قرون. كان أمامه أحد الاختيارين: إمَّا أن يولِّد رسمه شعورًا بالذعر والاستنفار أو الطمأنينة والسلام. هنا يبدو أنَّ حسَّ الإيمان مارس دوره بشكلٍ لافت. فخلافًا لما يمكن توقُّعه، لم يصوِّر الإيقونوغرافيُّون البيزنطيُّون الشيطان بأشكالٍ مخيفة كما فعل الغرب في العصر الوسيط الأوسط: وجوه مرعبة، أجسام مقزِّزة، قوائم مشوَّهة تنتهي بمخالب أو حوافر... فالشيطان في الإيقونوغرافيا البيزنطيَّة، على الرَّغم من بشاعته، لا يثير الاشمئزاز ولا الهلع، ولا يبلبل الشعور بالسلام الذي على الأيقونة أن تمنحه لمَن يتأمَّلها.
لعلَّ أفضل تمثيل لهذا الحسِّ الإيمانيِّ هو الفسيفساء في كنيسة سان أبوليناريو نوفو Sant Apollinare Nuovo، رافينا، إيطاليا[22]، وهي من القرن السادس.

الدينونة. فسيفساء من كنيسة سان أبوليناريو نوفو،
القرن السادس الميلاديّ.
في الإيقونوغرافيا، تصوَّر الشياطين بثلاث طرائق: إنسان، هجين بين الإنسان والحيوان، وحيوان. وبوجهٍ عامّ، تشترك ببعض السمات التي لها مدلولها الروحيّ. السمة الأولى هي المقاييس. لافت للنظر أنَّ الشياطين أصغر حجمًا بكثير من الشخصيَّات الصالحة المرسومة. فحسُّ الإيمان يريد أن يقول إنَّ المسيح دحر مملكة الشيطان، وقلب ميزان القوى، فلم يعد للشرِّ هيمنة على الإنسان الذي يؤمن بالمسيح مخلِّصًا. إنَّه كائن مهزوم ومدحور. ومع ذلك، تصوِّر بعض أيقونات تجارب يسوع قامةَ الشيطان بقامة المسيح. إنَّها المعركة الحاسمة، صراع الجبابرة. في هذه المعركة سيندحر الشيطان، ولن يستطيع إلى الأبد أن يهيمن على العالم كما كان من قبل
السمة الثانية هي العُري. فسواء كان الشيطان في هيئة إنسانٍ أو هجين، فإنَّه يصوَّر عاريًا، أو شبه عارٍ لأجل الحشمة إذا كانت وضعيَّته تجبر الفنَّان على إظهار ظهره بالكامل كما في أيقونات نزول المسيح إلى الجحيم. إنَّه العريُ الذي نجده عند الإله بازوز البابليِّ أو ساتير اليونانيِّ أو بيس السلافيّ، مع فارقٍ وهو عدم رسم أعضاء تناسليَّة للشيطان إشارةً إلى طبيعته اللامادِّيَّة. للعري هنا مدلوله. حين أخطأ آدم وحوَّا، "انفَتَحَت أَعيُنُهما فعَرَفا أَنَّهما عُريانان. فَخاطا مِن وَرَقِ التين وصَنَعا لَهُما مِنه مَآزِر" (تكوين 3: 7). الإنسان الأوَّل حاول أن يستتر خجلًا من خطيئته أمَّا الشيطان فوقح لا يستتر.

السمة الثالثة هي اللون المعتم. باستثناء بعض أيقونات سفر الرؤيا، التي تريد إبراز دمويَّة الشيطان فتصوِّره باللون الأحمر الدمويّ، تطغى على الشخصيَّات الشيطانيَّة الألوان المعتمة: الأسود أو البنِّيّ الغامق أو الأزرق القاتم. إنَّه تعبير عن المعتقد المسيحيِّ بأنَّ الشيطان يسكن في الظلام (انظر 2بطرس 2: 4) وهو سلطان الظلمة، ليس فيه أيُّ نور.
الشيطان في هيئة إنسان
نجد هذا التصوير عمومًا في أيقونات نزول المسيح القائم من بين الأموات إلى الجحيم. يطأ المسيح درفتَي باب الجحيم الذي حطَّمه وفكَّك مغاليقه، وتظهر كمِّيَّة الأقفال في المنطقة المظلمة تحت قدميه، ورجل ملتحٍ، أسود البشرة، مقيَّد ومطروح أرضًا. لا قرون له ولا أجنحة ولا أيَّ مظهرٍ من مظاهر البشاعة. الجسم متناسق تمامًا، ولكنَّ تعابير الوجه تشير إلى الخذلان. تعابير وجه أسير. في بعض الأيقونات يبدو عليه الهلع. إنَّه الموت، أشرس عدوٍّ للإنسان.
هناك أيقونات للملاك ميخائيل يدوس فيها على الشيطان في هيئة إنسان. لكنَّ الغالبيَّة تصوِّره وهو يطعن التِّنِّين بحربة.

بعض أيقونات سفر الرؤيا تصوِّر الملاك راكبًا على حصان أحمر وهو يطعن الشيطان في هيئة إنسان، ويبدو الشيطان هنا يرفع يديه مستسلمًا مندحرًا، جسمه أحمر إشارةً إلى دمويَّته.

تفصيل بسيط أدرجه الإيقونوغرافيُّ في أيقونات سفر الرؤيا، وهو جعل قدمَي الشيطان تشبهان قدمَي قرد للإشارة إلى طبيعة هذا الكائن المشوَّهة والمشوِّهة. ومع ذلك، لا يشعر مَن يرى هذه التصويرات بالخوف ولا الكراهية بل بلذَّة الانتصار.
الشيطان في هيئة هجين
إنَّها أكثر التصاوير التي نجدها في الإيقونوغرافيا. شخصيَّة معتمة، الشعر منتصب إلى الأعلى، له جسم إنسان، وجناحان (لأنَّه ملاك ساقط) يظهران في بعض الأيقونات كجناحَي خفَّاش بدون ريش، أو أجنحة عاديَّة يمكننا تكهُّن وجود الريش عليها بدون أن نراه بسبب اللون القاتم. بعض الرسَّامين يضعون
رؤوسًا مدبَّبة على أطراف الأجنحة ليجمعوا بين الجناح بريش وجناح الخفَّاش.

الصورة الشائعة للشيطان الهجين في الإيقونوغرافيا
إنَّ وجود الريش وعدم ظهوره مسألة إيقونوغرافيَّة بحتة. فتقنيَّة الرسم في الأيقونات تضع الألوان الغامقة أوَّلًا، ثمَّ تضاف الألوان الأفتح، وتسمَّى العمليَّة: التنوير. إنَّها حسٌّ إيمانيٌّ ينبع من القيامة حيث ظهر النور من عتمة القبر. وبما أنَّ الشيطان منقطع عن الله، أي منقطع عن النور، لا نجد فيه هذا التنوير، وسيماؤه وتفاصيل جسمه تظهر بصعوبة انطلاقًا من بعض ضربات الفرشاة بلون أقلَّ قتامة. فعلى الرَّغم ممَّا يبدو تنويرًا في بعض الأيقونات، إلَّا أنَّ وظيفة اللون الفاتح هي إبراز تفاصيل المورفولوجيا بعض الشيء. فيستطيع أن يميِّز الناظر سيماءه بصعوبة. فالحسُّ الإيمانيُّ يريد أن يعبِّر عن الغموض الذي يكتنف هذه الشخصيَّة المعادية لله: إنَّه كائن مخادع.
الأطراف تختلف من أيقونة إلى أخرى. بعضها يمنح الشيطان أطرافًا بشريَّة، وبعضها الآخر أطرافًا حيوانيَّة. فإذا تتبَّعنا شكل الأطراف الحيوانيَّة مع شكل الوجه، نستطيع الاستنتاج أنَّ الجسم هو جسم قرد. لا قرد البابوان، الإله الفرعونيَّ بابي، بل النسناس، القرد المشاكس الخبيث العبثيُّ الذي سماتُه الغدر، الصورة المسخ عن الإنسان كما كان يُعتقَد.
يختلف الرأس من أيقونة إلى أخرى. الوجه يصوَّر جانبيًّا تمامًا، وهذا عُرفٌ في الإيقونوغرافيا. الشخصيَّات المصوَّرة جانبيًّا (وليس ثلاثة أرباع) هي شخصيَّات شرِّيرة. هكذا يصوَّر يهوذا في العشاء الأخير. تشبه سيماء الوجه الجرذ، أو القرد، أو الذئب... أو كائنًا يصعب تحديد هويَّته. الفم مفتوح في غالب الأحيان، علامةٌ على الكلام بدل الإصغاء والتأمُّل، ويتدلَّى منه لسان أحمر، ربَّما بسبب تأثير صورة التِّنِّين الذي ينفث النار. الأذنان متطاولتان كأذنَي ابن آوى، مدبَّبتان في نهايتهما. يضيف بعض الرسَّامين إلى الشيطان قرنَين منتصبَين أو مقوَّسَين إلى الوراء مثل قرنَي التيس، أو منحنيَين الواحد تجاه الآخر.

جزء من أيقونة يونانيَّة للقدِّيس يوحنَّا السلَّميّ.
عن القرون، اعترف الكاتب مكسيم غوركي بأنَّه، في فترة عمله القصيرة بورشة رسم الأيقونات، كان يُشجِّع الرسَّامين باستمرار على رسم القرون. ولذلك لُقِّبَ بـ "الشيطان الصّغير". عندما فُصل من عمله، أهداه أحد رسَّامي الأيقونات أيقونةً عليها صورة الشيطان، رُسِمت خصِّيصًا له. واعترف مكسيم للكاتب إيليا سورغوتشيف: "لم أستطع التَّخلِّي عنها أبدًا. حتَّى إنَّها كانت معي في سجن قلعة بطرس وبولس. أخذوا كلَّ أغراضي وتركوها لي"[24].

أيقونة الراهب. رسم حديث، يظهر الشياطين فيه بشكل مرعب بتأثير من الفنِّ الغربيّ.
الذيل اختياريّ. غالبيَّة الشياطين لها ذيول وأخرى لا، والذيل طويل ومتلوٍّ حين يكون الشيطان في حالة حركة، ومستقيم في حالة السكون. ذيل رفيع ينتهي أحيانًا بكتلة من الوبر.
في هذا الوصف حاولتُ أن أجمع أكبر قدرٍ من السِمات المشتركة لشكل الشيطان الهجين. لا شكَّ في أنَّ الأشكال تتنوَّع بتنوُّع الرسَّامين وثقافاتهم، ولكنَّها تتبع قاسمًا مشتركًا: تصوير بشاعة هادئة لإثارة شعور المقت لدى المشاهد لا الذعر. لكنَّ الأيقونات المرسومة لاحقًا، خصوصًا بعد القرن السادس عشر، تأثَّرت بالفنِّ الغربيّ، وصرنا نرى أشكالًا مخيفة كما هو الحال مثلًا في أيقونة الراهب، أو شياطين تلبس ثيابًا مثل أيقونة حديثة لتجارب القدِّيس أنطونيوس... ففي تلك الفترة، طغى التقليد المكتوب على حسِّ الإيمان، وصار المشهد يحثُّ على الهلع أكثر من حثِّه على الشعور بالثقة في الظفر والانتصار.

أيقونة يونانيَّة حديثة لتجارب القدِّيس أنطونيوس.
يظهر فيها الشياطين يلبسون ثيابًا، وتنِّين شكله مرعب.
الشيطان في هيئة حيوان
النوع الثالث والأخير لمورفولوجيا الشيطان في الإيقونوغرافيا هو الشكل الحيوانيُّ الكامل. على الرَّغم من قصص حياة أنطونيوس وقصص الرهبان الآخرين الذين ظهر لهم الشيطان في هيئة وحوش وحيواناتٍ برِّيَّة، لا نجد في الإيقونوغرافيا صورًا لهذه الحيوانات إلَّا في أيقونات محدَثة عن حياة أنطونيوس. يظهر الشيطان في المورفولوجيا الحيوانيَّة بثلاثة أشكال: الحيَّة، والتِّنِّين، ولوياثان.
الحيَّة تظهر خصوصًا في مشهد آدم وحوَّاء وهي تلتفُّ حول جذع الشجرة. لا شيء غير طبيعيٍّ في مظهرها، والمشهد لا يوحي بالرعب والفزع ولا حتَّى البشاعة. حسُّ الإيمان دفع المصوِّر إلى الاكتفاء بتصوير المشهد، وترك الذاكرة تعمل لإدراك ما يخفيه من نتائج. والمشهد الثاني هو بعض أيقونات الدينونة. الحيَّة مرسومة بشكلٍ متلوٍّ، رأسها عند مكان إدانة الأنفس وذيلها في نار جهنَّم، وهي تقسم الأيقونة عادةً إلى قسمَين، ولكن ليس إلى معسكرَين.
التِّنِّين يظهر عمومًا في أيقونات الملاك ميخائيل والقدِّيس جاورجيوس. إنَّه تنِّين برأس حيَّة، وأحيانًا يخال لنا أنَّه رأس تمساح مثل الإله أموت الفرعونيّ. له جناحان خاليان من الريش (جناحا خفَّاش) وقوائم وحوش طويلة المخالب. بعض الأيقونات تصوِّره بجسمٍ وذيل، وبعضها الآخر تجعل الجسم يشبه الذيل، فيصبح شبيهًا بالأفعى.

رسم تخطيطيٌّ لأيقونة القدِّيس جاورجيوس
لوياثان، إنَّه الوحش الأسطوريُّ الذي ربطه أوريجينوس، ومِن بَعده التقليد المسيحيّ، بالشيطان. وحش بحريٌّ يرد ذكره في سفر أيُّوب (41: 1-34) والمزامير (74: 13؛ 104: 25-26) وأشعيا (27: 1). يظهر في الأيقونات في مكانَين: أيقونات "السلَّم إلى الله" ليوحنَّا السلَّميّ، وأيقونات الدينونة. في كلا الموضوعين، لا يظهر منه عادةً إلَّا فكَّاه وعينه، وخصوصًا أنيابه وهو يلتهم الأشرار والساقطين.

في النهاية تجدر الإشارة إلى أنَّ أنماط الشياطين الثلاثة نجدها مجتمعةً في أيقونات الدينونة العامَّة. ففي هذه الأيقونات معرض لجميع أنواع الشياطين بمختلف أحجامها وأشكالها. اللافت في هذه الأيقونات هو أنَّ أنفس الخطأة تظهر بحجم الشياطين بل وأصغر منهم أحيانًا بكثير. فحسُّ الإيمان قلَب المعادلة. هذه الأنفس ابتعدت عن الله، فضعُفَت (صغر حجمها) وصارت لقمة سائغة للشيطان. إنَّها عارية مثله، لأنَّها فقدت المجد الذي منحها إيَّاه الربُّ يسوع بعمله الخلاصيّ، لكنَّها غير مظلمة. أمَّا في الأعلى فنجد مواكب القدِّيسين والأبرار بحُللهم البهيَّة وهم يدخلون المجد السماويّ.
الخاتمة
مورفولوجيَّة الشيطان في التقليد المسيحيِّ موزَّعة على معسكرَين: المورفولوجيا الأدبيَّة والمورفولوجيا التصويريَّة. ففي حين أنَّ المورفولوجيا الأدبيَّة موجَّهة إلى فئة معيَّنة من الناس، فئة القرَّاء، وغايتها تحذيرهم، فإنَّ المورفولوجيا التصويريَّة، بحكم طبيعتها، معروضة على الجميع، مسيحيِّين وغير مسيحيِّين، مثقَّفين وأمِّيِّين. وحيث إنَّ ما يُعرَض يقوم بمقام التبشير، فقد قاد حسُّ الإيمان الإيقونوغرافيِّين البيزنطيِّين إلى الابتعاد قليلًا، وأحيانًا كثيرًا، عن مورفولوجيا المصادر من أجل الحفاظ على رسالة السلام في تصاويرهم، واختزال شخصيَّة الشيطان في صورة الكائن المهزوم، أو المؤذي، ضمن حدود تفرضها العلاقة بيسوع المسيح، وتضيق هذه الحدود اضطرادًا مع تعمُّق هذه العلاقة.
الشياطين كائنات من جنس واحد، ووراء كلِّ مورفولوجيا لهم في الأيقونات قصَّة تنتظر مَن يراها ويستوعبها.
[1] في هذا الشأن، انظر: الأب سامي حلَّاق، مسألة الشرِّ والشرِّير في الديانات القديمة والكتب المقدَّسة، سورية: دار الكتاب المقدَّس، 2022. (العهد القديم، 19-32، وكتابات ما بين العهدَين، 39-52).
[2] Cf., Andrew Collins, From the Ashes of Angels, Michael Joseph Ltd, 1996, chap. 12.
[3] Cf., Marek Kepa: Slavic Daemons: The Good, The Bad & The Ugly, https://culture.pl/en/article/slavic-daemons-the-good-the-bad-the-ugly
[4] Robin Lane Fox, Pagans and Christians, London, 1986, 326 ff.
[5] P. Brown, "Sorcery, Demons and the Rise of Christianity," in Witchcraft Confessions and Accusations, ed. M. Douglas, London, 1970, 17-45.
[6] Cf., René Draguet, La Vie primitive de S. Antoine conservée en syriaque, CSCO 418, 1980, 104* ff.
[7] Vie d’Hypatios, ed. G. J. M. Bartelink, SC 177, Paris, 1971, chaps. 30.1—2, 43.11-13, 45.1-8.
[8] Cf., Jefferey Burton Russell, Satan: The Early Christian Tradition, Cornell University Press, 1981, 123 ff.
[9] Cf., H. A. Kelly, The Devil, Demonology and Witchcraft, New York, 1968.
[10] Cf., Henri-Irénée Marrou, “Un ange déchu, un ange pourtant,” in Satan ; Etudes carmélitaines, Paris, 1948, 28-34.
[11] La Vie primitive de S. Antoine, 22, 31.
[12] La Vie primitive de S. Antoine, 6, 9, 23-25.
[13] Satan: The Early Christian Tradition, Footnote 42. 170.
[14] Historia Lausiaca, 23, 76-77.
[15] Rufinus, Historia monachorum, 29.
[16] Satan: The Early Christian Tradition, 173.
[17] Satan: ibid., 180.
[18] Jean Daniélou, "Les démons de l’air dans la Vie d’Antoine", Studia Anselmiana 38, 1956, 136-47.
[19] يعتبر الفنُّ البيزنطيُّ أنَّ ما هو مدوَّن على ورقة أو كتاب تحمله الشخصيَّة هو قول يقوله.
[20] نحن في اليونان، حيث تُستعمل أسماء الميثولوجيا اليونانيَّة. الكلمة تعني: "الخائن".
[21] M. Didron, Manuel d'iconographie chrétienne, Paris, 1845, 75-77.
[22] على الرَّغم من أنَّ الكنيسة في إيطاليا، إلَّا أنَّ الفسيفساء هي فنٌّ إيقونوغرافيٌّ بامتياز. عن تأثير الفنِّ الإيقونوغرافيِّ في الغرب، راجع في هذا الصدد الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ، البلاط السماويّ، أيقونات المسيح-العذراء مريم-الملائكة، بيروت: دار المشرق، 2025.
[23] Marina Montesano, The hellish history of the devil: Satan in the Middle Ages:
الأب سامي حلَّاق: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. له أبحاث عدَّة في مجال الإيقونوغرافيا، وآخر إصداراته في هذا المجال كتابان: دليلك لفهم الأيقونات، ط.2، 2023، البلاط السماويّ، أيقونات المسيح والعذراء والملائكة، ط.1، 2025.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق