article_cover_image
author_article_image

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

إضاءات حلبيَّة - 4. معالم ومناسبات وأعلام

ورد في صفحة الكتاب الرابعة: "هو الكتاب الرابع والأخير الرديف لكتابِي معالم حلب الأثريَّة، الذي يتحدَّث عن تاريخ حلب ومبانيها".

الأستاذ عبد الله حجَّار عاشق للآثار عمومًا، وآثار محافظة حلب خصوصًا. حين تجلس معه يسرد لك التاريخ بأسماء أماكنه وأعلامه وسنواته، وكأنَّه يسرد قصَّةً من حياته. كيف لا وهو ابن حلب، أقدم مدينة في التاريخ، ومحطَّة لطريق الحرير. العامَّة يعرفون حلب من مأكولاتها وتراثها، والمثقَّفون يعرفونها من حضارتها التي لم تشأ أن تنحطَّ حتَّى في أحلك الظروف السياسيَّة. حضارة تنعكس في إتقان الصناعة، وسعة الثقافة، واستمراريَّة التراث الموروث وتطويره كي يقاوم تيَّارات العولمة التي تهدِّد الخصوصيَّات الثقافيَّة.

الكتاب باقة من الأخبار عن الأماكن والأشخاص، وتجميع لمقالاتٍ كتبها الأستاذ عبد الله طوال عشرات السنين بالعربيَّة أو باللغات التي يتقنها: الفرنسيَّة والإنجليزيَّة والألمانيَّة، ولا أعرف هل يتقن لغات أخرى. وله عدَّة مقالات نشرها في مجلَّة المشرق.

يبدأ كتابه بمقدِّمة، هي بالأحرى صرخة استغاثة للحفاظ على تراث حلب، لا المدينة وحدها بل المدينة وريفها، خصوصًا بعد أن عصفت بها الحرب. يلي ذلك بعض المقالات التاريخيَّة: تاريخ حيَّي الجميليَّة وساحة الحطب ومعالمهما التراثيَّة، وتاريخ أتارب، هذه القرية المنسيَّة المليئة بالآثار المهدَّدة حجارتها بالتفكيك لبناء البيوت، والمعالم الأثريَّة المنتشرة على طرفَي الطريق الدوليِّ بين حلب ودمشق، أي في البلاد من شمالها إلى جنوبها تقريبًا.

بعدها يعيد الأستاذ عبد الله حجَّار نشر مقالاتٍ كتبها عن أعلام حلب، أو الأجانب الذين اهتمُّوا بتاريخ حلب وآثارها فكتبوا ونقَّبوا وكشفوا كنوزًا أوابد. وهنا يلفت انتباهنا نصٌّ يحمل عنوان: "رسالة لم تُرسَل، سيادة محافظ حلب". الرسالة طريفة وعميقة. لقد تمَّ تعيين محافظ جديد لحلب، فيكتب الأستاذ عبد الله حجَّار رسالة يعرِّف بها عن نفسه، فيذكر في عشرة أسطر، وبإيجاز، المناصب التي شغلها والأعمال التي نفَّذها، ويؤكِّد بعدها: "ليس التباهي هو القصد من ذكر النشاطات والمجالات التي عملتُ وأعمل بها، وإنَّما بيان صحَّة ودقَّة الطلبات التي سأقوم بعرضها..." (ص. 75). فما الذي يريده؟

تزفيت طرقات معيَّنة لتسهيل الوصول إلى المواقع الأثريَّة (ويرفق الرسالة بمخطَّط من خبرته في هندسة الطرق)، حماية القرى الأثريَّة من التخريب والتشويه، دورات مياه لائقة للسوَّاح في قلعة سمعان...

الكتاب يحوي مقالات عدَّة قصيرة تخلِّد ذكرى أعلامٍ حلبيِّين عاشوا في القرن العشرين، وعلماء آثار أجانب عرفهم شخصيًّا، وجال معهم في سورية وآثارها فأغناهم وأغنوه بالمعارف، مثل هورست وإيفلين كلنجل، باولو ماتّيِه، جان كلود دافيد وغيرهم، وقد ضمَّن الكتاب صوره معهم في أماكن مختلفة. كما نجد في الكتاب تذكيرًا بمئويَّات بعض المباني والمؤسَّسات، وقراءات نقديَّة لبعض الكتب التاريخيَّة المنشورة، التي لا يتردَّد فيها عن تصويب معلومات أوردها المؤلِّفون، وذِكر المصدر الذي تسبَّب في حدوث الخطأ.

ولعلَّ أهمَّ نصٍّ في الكتاب، وهو الأطول، قراءته النقديَّة لكتاب: أيَّامي مع جورج طرابيشي... اللحظة الآتية، بقلم زوجته هنرييت عبُّودي. ما السرُّ وراء هذا الاهتمام؟ جورج طرابيشي، الفيلسوف المشهور، وأوَّل مترجم للأعمال الفلسفيَّة المعاصرة إلى العربيَّة، هو ببساطة رفيق طفولة الأستاذ حجَّار، بل ورفيق عمره. فالمراسلات لم تنقطع بينهما حتَّى وفاة الأستاذ طرابيشي.

الكتاب غنيّ، مسلٍّ بأخباره، وهو بحقٍّ مرجع تاريخيٌّ لكلِّ باحث.




عبد الله حجَّار

إضاءات حلبيَّة – 4
معالم ومناسبات وأعلام

ط.1، 364 صفحة، حلب، 2025

 


الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: كاتب وباحث، مدرِّس في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

 [email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق