البلاط السماويّ. أيقونات المسيح، العذراء مريم، الملائكة
إنَّه كتابٌ جديد للأب سامي حلَّاق اليسوعيّ الذي نُشر له في العامَين الأخيرَين مؤلَّفاتٌ أربعة: "ديونيسيوس الأريوباغيّ: التراتبيَّة السماويَّة في الملائكة"، "اللاهوت والجمال"، "يهوذا الإسخريوطيُّ في عشرين قرنًا"، و"دليلُكَ لفهم الأيقونات".
يتألَّف الكتابُ من قسمَين كبيرَين: يشمل الأوَّل فصلَين، عن أيقونات "المسيح الضابط الكلّ" و"العذراء مريم مع طفلها"، وهو إعادة طبع لكُتيِّبَين سابقَين أدخل عليهما بعضَ التنقيحات؛ ويشمل الثاني أيضًا فصلَين، عن "عِلم الملائكة" في الكتاب المُقدَّس والتقليد الآبائيِّ واللاهوتيِّ وعن أيقونات الملائكة؛ وهناك فصل أخير تطرَّق فيه إلى التبادل الثقافيِّ بين الشرق والغرب في الإيقونوغرافيا.
تناول في الفصل الأوَّل (ص.١١-٤١) موضوعاتٍ كثيرة عن أيقونة يسوع الضابط الكلّ (Παντοκράτωρ, Pantokrátor)، كاختلاف إشارة الصليب، فمِنهم من رسم المسيح يبارك بالسبَّابة تأكيدًا على وحدانيَّة الله واعترافًا بسلطة ابن الله، ومنهم من رسمه يبارك بإصبعَين دلالةً على طبيعتَي المسيح الإلهيَّة والإنسانيَّة؛ واختلاف أبعاد الجسم والرأس، فالبيزنطيُّون رسموا الأجسام الممطوطة تعبيرًا عن ارتقاء الفكر والعقل والقلب نحو السماء، والسريان رسموا الأجسام القصيرة مع الرؤوس الكبيرة تعبيرًا عن تفوُّق الروح على الملذَّات الدنيويَّة (ص. ٢٥). كما توقَّف عند أنماط أيقونات المسيح كأيقونة الصلاة (Δέησις, Déisis)، المسيح عظيم الكهنة، الحكمة الإلهيَّة، إلخ.
تناول الكتاب في الفصل الثاني (ص.٤٣-٧٤) أيقونات العذراء مريم والطفل في الفنِّ البيزنطيّ، وهي التي تُوضع دومًا مع أيقونة المسيح الضابط الكلِّ على قائمتَي الباب الملكيِّ للإيقونسطاس. وقد توسَّع في لاهوت مريم من خلال كتابات آباء الكنيسة والنقاشات المجمعيَّة، شارحًا بعضًا من تلك الأيقونات المتنوِّعة كأيقونة صاحبة الجلالة (Κυριώτισσα, Kyriotissa) والمُرشدة (Ὁδηγήτρια, Odighítria) والمُتضرِّعة (Πλατυτέρα, Platytera) التي ترفع راحتَيها نحو السماء، والأمِّ الحنون ( Ἐλεούσα, Éléousa) التي تُظهِر العلاقة العاطفيَّة الحميمة التي تربطها بابنها، إلخ.
وتعمَّق في الفصل الثالث (ص. ٧٥-١٠٨) بالأسس الكتابيَّة واللاهوتيَّة عن الملائكة. في الكتاب المُقدَّس، هم كائناتٌ روحيَّة خلقها الله لخدمته، يحملون رسالةً إلهيَّة. ومن آباء الكنيسة، تناول ديونسيسيوس الأريوباغي مسألة الملائكة في كتابه التراتبيَّة السماويَّة، فأورد خلقهم وأنواعهم وتراتبيَّتهم ووظائفهم. وتطرَّق في الفصل الرابع (ص. ١٠٩-١٤١) إلى سمات إيقونوغرافيا الملائكة (الجنس، الجسد، الملابس، الأدوات، التراتبيَّة، ...)، مُؤكِّدًا أنَّ غياب التفاصيل في الكتاب المُقدَّس وتضارب آراء آباء الكنيسة بشأنها كانا فرصةً سانحة لإبداعٍ أكثر حرِّيَّة عند مُصمِّمي الأيقونات.
استطرد في الفصل الخامس والأخير (ص. ١٤٣-١٦٨) في موضوع حركة التبادل المعرفيِّ بين الفنَّيْن الشرقيِّ والغربيّ، ففيما استقرَّت الأيقونة البيزنطيَّة بمثابة النموذج الأوَّليِّ للفنِّ المسيحيِّ في بداية الكنيسة، تسرَّب التأثير الغربيُّ انطلاقًا من القرن الثالث عشر، وقد ظهر الأمرُ من خلال أيقونات الإفخارستيَّا أو الملاك الحارس على سبيل المثال.
الكتابُ غنيٌّ وعميق في المعلومات، وسهلٌ في القراءة. جال فيه الأب حلَّاق بالتاريخ وحيثيَّات الكتاب المُقدَّس وآراء آباء الكنيسة والروحانيَّة والفنِّ مُظهِرًا الدائرة الجدليَّة التي تربط بين عالَم الأيقونات وعِلم اللاهوت، إذ كلاهما يمنحان المعرفة الروحيَّة ويهذِّبان النفس ويدعوان إلى الترقِّي في الإيمان.
وردت فكرةُ في الكتاب تكشف عن تنوُّع المواقف في عالَم الإيقونوغرافيا، وبالتالي تنوُّع المُقاربات اللاهوتيَّة. اختلف آباءُ الكنيسة بشأنِ ملامح يسوع الخارجيَّة، فأعلن فريقٌ أوَّل أنَّه كان بشعًا استنادًا إلى نبوءة أشعيا عن العبد المُتألِّم ورغبةً في التحرُّر من الثقافة اليونانيَّة التي قدَّرت الجمال المادِّيَّ والجسديّ، وأكَّد فريقٌ ثانٍ أنَّه كان جميلًا اعتقادًا منه بأنَّ التناسق الخارجيَّ إشعاعٌ للجمال الروحيّ، وربط الفريق الثالث جمالَ المسيح أو بشاعته بالناظر إليه. ففيما لاقى الموقف الثاني رواجًا في الفنِّ البيزنطيّ، أُناصر شخصيًّا الرأي الأخير... ولكنْ كيف يمكن أن يتبدَّل الوجه المرسوم بين مُشاهِدٍ وآخر؟
العقيدة المسيحيَّة
الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ
البلاط السماويّ. أيقونات المسيح، العذراء مريم، الملائكة
ط.1، 172 صفحة، بيروت - لبنان: دار المشرق، ٢٠٢٥
ISBN: 978-2-7214-5693-9
الأب غي سركيس: حائز درجة الدكتوراه في اللاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغورَيّة الحبرَيّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدينيَّة والتأمليَّة والفكريَّة في اللاهوت المسيحيّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميِّ المسيحيّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسلام...لمن؟، أؤمن ...وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيّ، وإيمان في حالة بحث - النشاط اللاهوتيُّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات).
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق