لماذا نستمرُّ في دراسة فنِّ الترجمة في زمن الذكاء الاصطناعيّ
تندرج هذه الافتتاحيَّة في إطار الملفِّ الذي تُخصِّصه مجلَّة المشرق الرقميَّة لقضيَّة الترجمة في عالمنا المعاصر، وما تواجهه من تحوُّلات عميقة بفعل التطوُّر المتسارع في تقنيَّات الذكاء الاصطناعيّ. ولم يعد الحديث عن الترجمة اليومَ منفصلًا عن الأدوات الرقميَّة التي دخلت بقوَّةٍ إلى مجالات التعليم والبحث والنشر والتواصل، وأعادت طرح أسئلة أساسيَّة بشأن طبيعة عمل المترجِم، ومستقبل مهنته، والمهارات التي ينبغي أن يكتسبها طالب الترجمة.
فقد أحدثت تقنيَّات الذكاء الاصطناعيِّ في السنوات الأخيرة تحوُّلًا هائلًا في مجال الترجمة. فما كان يحتاج إلى ساعات طويلة من البحث والكتابة والمراجعة، أصبح يُنجَز في ثوانٍ قليلة. يكفي أن نضع نصًّا أمام برنامج مثل «تشات جي بي تي» أو «ديب إل» أو غيرهما من محرِّكات الترجمة، حتَّى نحصل على نصٍّ مترجَم يبدو، في حالات كثيرة، سليمًا وواضحًا وقريبًا من لغة البشر. ولم تعد هذه الأدوات تكتفي بترجمة الكلمات والجُمل المنفردة، بل أصبحت قادرةً على التعامل مع نصوص طويلة، وعلى مراعاة جانبٍ من السياق، واقتراح صيَغ بديلة، وتعديل النبرة والأسلوب، بل شرح خياراتها الترجميَّة أحيانًا. وتؤكِّد شركة «أوبن أي آي»OpenAI أنَّ نماذجها تستطيع فهم نصوصٍ بلغات متعدِّدة وإنتاجها وتحليلها، مع الإشارة إلى أنَّ مستوى الأداء قد يختلف من لغةٍ إلى أخرى. كما يوفِّر موقع «ديب إل»، DeepL مسارد اصطلاحيَّة تساعد على تثبيت ترجمة المصطلحات ومراعاة السياق النحويِّ والدلاليّ.
أمام هذا التقدُّم المذهل، يبرز سؤال مشروع: لماذا نواصل تدريس الترجمة في الجامعات؟ ولماذا يقضي الطالب سنوات في دراسة اللغات، وفقهِ النصوص، ونظريَّات الترجمة وتقنيَّاتها، إذا كانت الآلة قادرةً على إنجاز العمل في لحظات، وبدقَّة متزايدة؟
إنَّ هذا السؤال لا ينبغي أن يُرفَض أو يُستهان به؛ لأنَّه يمسُّ مستقبل المهنة وطبيعة التكوين الجامعيّ. غير أنَّ الجواب عنه يبدأ بالتمييز بين نقل الكلمات ونقل المعنى، وبين إنتاج نصٍّ مقبولٍ لغويًّا وصناعة ترجمة مسؤولة وأمينة وملائمة للقارئ، وللغرض الذي أُعدَّت من أجله.
الترجمة ليست استبدال كلماتٍ بكلمات
لو كانت الترجمة مجرَّد استبدال كلمةٍ من لغة بكلمة تقابلُها في لغة أخرى، لكان المعجم وحده قد أغنى، منذ زمن بعيد، عن المترجِم. لكنَّ الكلمات لا تعيش منفردة؛ فهي تكتسب معانيها من السياق، ومن نوع النصّ، ومن زمن كتابته، ومن خلفيَّة مؤلِّفه، ومن الثقافة التي نشأ فيها، ومن الجمهور الذي يتوجَّه إليه.
قد تحمل الكلمة الواحدة معنًى قانونيًّا في وثيقة، ومعنًى لاهوتيًّا في كتابٍ دينيّ، ومعنًى مجازيًّا في قصيدة، ودلالة مختلفة تمامًا في خطابٍ سياسيّ. كما قد تكون العبارة صحيحةً من الناحية اللغويَّة، ولكنَّها غريبة عن روح اللغة المنقول إليها أو غير ملائمة للمقام. وهنا يظهر عمل المترجم الحقيقيّ: أن يسأل ماذا يريد الكاتب أن يقول، ولماذا قاله بهذه الطريقة، وكيف يمكن إيصال أثره إلى قارئٍ آخر يعيش في لغةٍ وثقافةٍ مختلفتَين.
الترجمة، بهذا المعنى، فعلُ قراءةٍ وتأويل قبل أن تكون فعلَ كتابة. والمترجِم ليس ناقلًا محايدًا يتحرَّك بين قاموسَين، بل هو قارئ متعمِّق، وباحث في المصطلحات، ووسيط بين ثقافتَين، وكاتب يعيد بناء النصِّ في لغة جديدة. أمَّا الآلة، مهما بلغت قدرتها، فهي تُنتج الصيغة الأكثر احتمالًا، بناءً على الأنماط التي تعلَّمتها، لكنَّها لا تعيش تجربة النصّ، ولا تتحمَّل وحدها مسؤوليَّة اختياراته وآثاره.
دقَّة الآلة لا تُلغي احتمال الخطأ
تبدو الترجمات الآليَّة الحديثة مقنعة جدًّا؛ وهذه القوَّة نفسها قد تكون مصدر خطر. فالخطأ اللغويُّ الواضح يمكن اكتشافه بسهولة، أمَّا الجملة السليمة، التي تنقل معنًى غير دقيق، فتكون أشدَّ تضليلًا. قد تحذف الأداة قيدًا مهمًّا، أو تضيف معنًى لم يكن في الأصل، أو توحِّد بين مصطلحَين ينبغي التمييز بينهما، أو تختار تعبيرًا فصيحًا لا يناسب المجال المتخصِّص.
تتعاظم خطورة هذه الأخطاء في النصوص القانونيَّة والطبِّيَّة والفلسفيَّة واللاهوتيَّة والدبلوماسيَّة. فالخطأ في ترجمة عقدٍ قد يغيِّر حقًّا أو التزامًا، والخطأ في تقرير طبِّيّ قد يؤثِّر في قرار علاجيّ، والخلط بين مصطلحَين فلسفيَّين أو لاهوتيَّين قد يشوِّه مذهبًا فكريًّا كاملًا. لذلك لا يكفي أن تكون الترجمة «جيِّدة في معظمها»؛ إذ يجب أن تكون قابلة للتحقُّق، وأن يقف وراءها شخص مؤهَّل يستطيع تفسير اختياراته وتحمُّل المسؤوليَّة عنها.
من هنا، لا تنتهي وظيفة المترجِم بظهور الذكاء الاصطناعيّ، بل تتحوَّل. يصبح المترجِم أكثر حاجة إلى مهارات النقد والمقارنة والتحقُّق والتحرير اللاحق. وعليه أن يعرف متى يثق باقتراح الآلة، ومتى يرفضه، ومتى يعود إلى المعاجم المتخصِّصة والمراجع والنصوص الموازية وأهل الاختصاص.
اللغة ذاكرة وثقافة وهويَّة
تستطيع الآلة أن تقدِّم مقابلات لغويَّة ناجحة، لكنَّها قد تعجز عن إدراك العمق الثقافيِّ الذي تحمله بعض الكلمات. فهناك عبارات مرتبطة بتاريخ جماعة، وأمثال تستدعي ذاكرة شعبيَّة، وصور بلاغيَّة تنتمي إلى تراث دينيٍّ أو أدبيّ، وإشارات لا يفهمها إلَّا مَنْ يعرف البيئة التي نشأ فيها النصّ.
ويبرز هذا التحدِّي بوضوحٍ في الترجمة من العربيَّة وإليها. فاللغة العربيَّة تجمع بين تراث طويل واستعمالات معاصرة متعدِّدة، وتتنوَّع فيها مستويات التعبير بين الفصحى التراثيَّة والفصحى الحديثة واللهجات المحليَّة. كما أنَّ كثيرًا من مصطلحاتها الدينيَّة والفلسفيَّة والسياسيَّة مُثقَل بتاريخٍ من الاستعمالات والدلالات. ولا يستطيع المترجِم أن يختار الصيغة الأنسب من دون معرفة هذا التاريخ ومن دون إحساسٍ حيٍّ بإيقاع العربيَّة وأساليبها.
إنَّ ترجمة الأدب والشعر والنصوص الروحيَّة لا تهدف إلى إخبار القارئ بما يقوله النصُّ فحسب، بل إلى نقل شيء من صوته وجماله وإيقاعه وفرادته. وقد تستطيع الآلة أن تُنتج قصيدة سليمة، لكنَّ السؤال يبقى: هل هذه هي القصيدة التي كتبها المؤلِّف؟ وهل حافظت على توتُّرها وصورها وغموضها المقصود؟ وهل نقلت أسلوب الكاتب أم استبدلته بأسلوب عامٍّ مألوف؟
المترجِم مسؤول أخلاقيًّا
يفرض استعمال الذكاء الاصطناعيِّ أسئلة جديدة تتعلَّق بالسرِّيَّة والمُلكيَّة الفكريَّة والتحيُّز والمساءلة. فهل يجوز إدخال وثيقة سرِّيَّة أو عقد غير منشور أو ملفّ طبِّيِّ في أداة إلكترونيَّة؟ مَنْ يضمن حماية البيانات؟ ومَنْ يتحمَّل المسؤوليَّة إذا وقعت ترجمة خاطئة أو متحيِّزة؟ وهل يجوز للمترجم أن يقدِّم نصًّا أنتجته الآلة على أنَّه ثمرة عمله من دون مراجعة حقيقيَّة؟
إنَّ تعليم الترجمة اليوم يجب أن يكوِّن ضمير المترجم بقدر ما يكوِّن مهاراته. فالمترجِم مؤتمن على كلام الآخرين، وعلى أسرارهم أحيانًا، وعلى صورتهم أمام قرَّاء لا يستطيعون الرجوع إلى النصِّ الأصليّ. وهو مسؤول عن مقاومة الصور النمطيَّة والتحيُّزات التي قد تتسرَّب إلى الترجمة الآليَّة بسبب طبيعة البيانات التي دُرِّبت عليها. وقد شدَّدت إرشادات اليونسكو، بشأن الذكاء الاصطناعيِّ في التعليم والبحث، على ضرورة الإشراف البشريِّ والاستعمال المسؤول لهذه التقنيَّات.
كيف ينبغي أن يتغيَّر تعليم الترجمة؟
لا يصحُّ أن تستمرَّ الجامعات في تدريس الترجمة كأنَّ الذكاء الاصطناعيَّ لم يظهر. ولا يفيد كذلك أن تحظر هذه الأدوات أو تعتبرها نوعًا من الغشِّ في جميع الأحوال. المطلوب هو إدماجها في التكوين الأكاديميِّ ضمن منهج نقديٍّ ومسؤول.
ينبغي أن يتعلَّم الطالب كيف يقارن بين الترجمة البشريَّة والترجمة الآليَّة، وكيف يكتشف الأخطاء الخفيَّة، ويُجري التحرير اللاحق، ويبني مسردًا اصطلاحيًّا، ويختار الأداة المناسبة لكلِّ نوع من النصوص. وعليه أن يتدرَّب على كتابة تعليمات الذكاء الاصطناعيِّ الدقيقة، وعلى حماية البيانات، والتحقُّق من المصطلحات والمراجع، وتوثيق تدخُّلاته وقراراته.
وفي المقابل، يجب تعزيز المعارف التي لا تمنحها الآلة وحدها: التعمُّق في اللغتَين، دراسة الأدب والتاريخ والحضارة، تحليل الخطاب، التخصُّص في المجالات القانونيَّة أو الطبِّيَّة أو الاقتصاديَّة أو اللاهوتيَّة، وتنمية القدرة على الكتابة السليمة والجميلة في اللغة المنقول إليها. فكلَّما ازدادت الآلة سرعة، أصبح مطلوبًا من الإنسان أن يزداد عمقًا.
لذلك ينبغي ألَّا تقتصر الامتحانات على مطالبة الطالب بترجمة نصٍّ يمكن أن تترجمه الآلة في ثوانٍ. الأفضل أن يُطلب منه تحليل خيارات الترجمة، ومقارنة صيغ متعدِّدة، وكشف مواطن الضعف، وتبرير قراراته، وإعادة كتابة النصِّ بما يلائم جمهورًا محدَّدًا. عندئذٍ تصبح دراسة الترجمة تدريبًا على الحكم النقديّ، لا منافسة عقيمة في السرعة مع الحاسوب.
من المترجِم المنفِّذ إلى المترجِم الخبير
قد تختفي بعض الأعمال الروتينيَّة أو يقلُّ الطلب عليها، ولا سيَّما الترجمات البسيطة والمتكرِّرة. لكنَّ الحاجة ستزداد إلى مترجِمين خبراء يُشرفون على الجودة، ويتخصَّصون في مجالات دقيقة، ويعدِّلون النصوص بحسب الثقافات والجماهير، ويتولَّون الترجمة الأدبيَّة والفوريَّة والدبلوماسيَّة، ويراجعون ما تُنتجه الأنظمة الذكيَّة.
فالآلة تستطيع أن تقترح، لكنَّ الإنسان هو الذي يختار. وهي تستطيع أن تُسرِّع العمل، لكنَّ الإنسان هو الذي يحدِّد غايته. وقد تنتج نصًّا سليمًا، لكنَّ المترجم هو الذي يحكم إن كان هذا النصُّ أمينًا وعادلًا وملائمًا وجميلًا.
إنَّ السؤال الصحيح، إذًا، ليس: هل سيحلُّ الذكاء الاصطناعيُّ محلَّ المترجِم؟ بل: أيُّ مترجم سيبقى ضروريًّا في زمن الذكاء الاصطناعيّ؟ والجواب هو أنَّ المترجم الذي يكتفي بنقل الكلمات سيواجه صعوبة متزايدة، أمَّا المترجِم الذي يفهم النصوص والثقافات، ويمتلك تخصُّصًا، ويُحسِن استخدام الأدوات الحديثة ونقدها، فستزداد قيمته.
نستمرُّ في دراسة فنِّ الترجمة لا لأنَّنا نحتاج إلى نصوصٍ تنتقل بسرعة من لغة إلى أخرى فحسب، بل نحتاجُ إلى معانٍ تُنقل بأمانة، وثقافات تتحاور باحترام، وأصوات بشريَّة لا تضيع وسط التشابه الذي تُنتجه الآلات. فالذكاء الاصطناعيُّ لا يلغي فنَّ الترجمة؛ إنَّه يدفعنا إلى إعادة اكتشاف جوهره، وإلى الانتقال من تعليم الترجمة بوصفها صنعة لغويَّة محدودة إلى تعليمها بوصفها معرفة نقديَّة، ومسؤوليَّة أخلاقيَّة، وفنًّا من فنون اللقاء بين البشر.
البروفسور سليم دكَّاش اليسوعي: مدير عامِّ دار المشرق ورئيس تحرير مجلَّة المشرق. عضو في الاتِّحاد الدَّوليِّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التَّربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب - الفلسفة من جامعة بانتيون - السُّوربون 1 (1988). يدرِّس فلسفة الدِّين والحوار بين الأديان والرُّوحانيَّة السُّريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدِّينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق