article_cover_image

كلَّما ازداد اعتماد الإنسان على الآلة، عظُم دور المترجِم كونه الضامنَ البشريّ لمسائل لا يمكن أتمتتها.

author_article_image

الدكتورة رنا الحكيم بكداش والدكتورة جينا أبو فاضل سعد

مدرسة الترجمة - بيروت: بين العراقة في الإعداد والريادة في التجديد

المقدِّمة

انتشرت في بدايات القرن العشرين جملة: العالم قرية صغيرة. وكان السببَ الأوَّل في انتشار هذه المقولة الفورة الإلكترونيَّة والانفتاح التكنولوجيُّ الذي أمَّن للناس سرعة التواصل، وسهولة اللقاء سواء عبر البرامج الافتراضيَّة أو عبر الأثير الرحب. إلَّا أنَّه، ومع كلِّ هذا التطوُّر الرقميِّ، شهدنا، وما زلنا نشهد في أيَّامنا هذه، انعزالًا بين الدول، وقطيعة بين الناس. ولعلَّ السبب الذي زكَّى هذا التباعد هو ازدياد وتيرة الحروب بين الدول المتجاورة والبعيدة على حدٍّ سواء، وتفاقم المشاكل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وصعوبة التفاهم بين الدول. وصارت الحاجة أكبر للحوارِ والتواصل بين المتخاصِمين، للوصول الى حلِّ المشاكل أو الأزمات المستجدَّة. وصرنا نسمع عن كلمة "وسيط" لحلِّ الأزمات السياسيَّة أو الدبلوماسيَّة أو حتَّى الاقتصاديَّة. ولا شكَّ في أنَّنا حين نتكلَّم على وسيط يتبادر فورًا إلى الذهن صورة المترجِم: الوسيط بين الأشخاص واللغات المتعدِّدة والثقافات المختلفة. لذلك برزت الحاجة إلى إعداد مترجِمين أكفَّاء يتقنون فنون الحوار ومهنة الوساطة. وكانت مدرسة الترجمة - بيروت في جامعة القدِّيس يوسف من أولى المدارس التي خرَّجت مترجمين تحريريِّين وشفهيّين ساهموا، على مرِّ السنوات، في تأمين التواصل ونقل الثقافات بين الناس، وتخفيف القطيعة بين الدول. غير أنَّه حاليًّا ومع كلِّ ما نشهده من تطوُّرات، أمست مهنة الترجمة أمام تحدِّيات عظيمة، وأوَّلها انتشار فكرة أنَّها مهنة آيلة إلى الزوال، بسبب انتشار الذكاء الاصطناعيّ، وأنَّ الآلة، وبكبسة زرٍ بسيطة، تستطيع أن تنجز ما يقوم به المترجِم في ساعات طويلة. فهل المقولة صحيحة، وهل مهنة الترجمة على المحكّ؟

تحاول هذه الورقة الإجابة عن السؤال عن طريق فكرتَين رئيستَين: كيف يمكن مدرسة الترجمة- بيروت أن تطوِّر مناهجها لتدمج الذكاء الاصطناعيَّ من دون أن تفرِّغ التكوين من جوهره الإنسانيِّ والنقديّ؟ وما هي الكفايات الجديدة التي ينبغي أن يكتسبها خرِّيج مدرسة الترجمة كي يظلَّ قادرًا على المنافسة والإبداع في سوقٍ يزداد الاعتماد فيه على الأدوات الذكيَّة؟

 

مدرسة الترجمة: كانت...

دأبت مدرسة الترجمة - بيروت على إعداد المترجِمين في لبنان والوطن العربيّ[1]. وقد شكَّلت منارة على مدى السنين، كونها أوَّل مدرسة للترجمة تأسَّست في الشرق الأوسط، تؤمِّن للطالب شهادة أكاديميَّة تتدرَّج من الإجازة إلى الماستر فالدكتوراه. ومنذ تأسيسها، في العام 1980، اعتمدت مدرسة الترجمة-بيروت نموذجًا أكاديميًّا قائمًا على التعدُّد اللغويّ، حيث جمعت في برامجها بين العربيَّة والفرنسيَّة والإنجليزيَّة، ثمَّ وسَّعت هذا التوجُّه بإدراج اللغة الإسبانيَّة لاسيَّما لمن لا يتقن الفرنسيَّة، ناهيك عمَّا تقدِّمه من إمكانيَّة تعلُّم لغةٍ رابعة وخامسة بين مجموعة لغات تضمُّ الألمانيَّة والإيطاليَّة والكوريَّة واليونانيَّة والأرمنيَّة واليابانيَّة والتركيَّة والروسيَّة. ولم يكن هذا التعدُّد اللغويُّ هدفًا تعليميًّا في حدِّ ذاته، بل مثَّل خيارًا معرفيًّا يهدف إلى إعداد مترجِمين وباحثين قادرين على التفاعل المباشر مع مصادر المعرفة بلغاتها الأصليَّة. من جهة أخرى، أتاح الانفتاح على مدارس الترجمة في العالم بأسره للمُعدِّين والطلبة والباحثين الاطِّلاع على أحدث النظريَّات والمناهج في مجالات الترجمة، واللسانيَّات، والنقد الأدبيّ، والدراسات الثقافيَّة، ولاحقًا التعامل مع الترجمة الآليَّة.

وكانت نقطة التميُّز في مدرسة الترجمة - بيروت اعتمادها على اللغة العربيَّة كلغة أساسيَّة (لغة أ) في منهجها، بالمقارنة مع مدارس الترجمة الأجنبيَّة آنذاك، إضافة إلى اللغتَين الفرنسيَّة والإنكليزيَّة (وشكَّلتا اللغة ب واللغة ج). ووضعت مدرسة الترجمة هدفًا لها، في البدايات، تمثَّل بإعداد مترجِمين يتقنون هذه اللغات مشافهةً وكتابةً ما يؤهِّلهم لاحقًا لنقل النصوص مِن وإلى اللغات الثلاث. كما ركَّزت على تأمين المعرفة المتخصِّصة في عددٍ كبير من المواضيع، وتأمين المعرفة العامَّة، ما يسمح للطالب بالتعامل بسهولة مع أيِّ موضوع يواجهه في العمل. شملت الدروس، على سبيل المثال لا الحصر، مروحة كبيرة من الاختصاصات كالدراسات القانونيَّة والاقتصاديَّة والدينيَّة ... كما شملت الترجمةَ الأدبيَّة من خلال ترجمة كلاسيكيَّات الأدب العربيِّ والفرنسيِّ والإنكليزيِّ إضافةً إلى نصوص من المعرفة العامَّة، مثل علم الفلك واللسانيَّات... ولم تُهمل المدرسة الجانب الشفهيَّ الذي يُكسب المترجِم طلاقة لغويَّة، فكانت، مثلًا، دروسُ الإلقاء التي تحسِّن النطق وتُكسِب طالب الترجمة الشفهيَّة سلاسة التعبير.


فصارت...

تبدَّلت الدروس طبعًا مع الوقت، وتطوَّرت بما يواكب متطلِّبات العصر. فأعادت المدرسة هندسة برنامج التعليم نظريًّا وعمليًّا، وركَّزت، في مرحلة الإجازة، على تشكيل مجموعة وحدات تعليم module))، تجمع بين عدَّة موادَّ متجانسة. أمَّا في مرحلة الماستر، وبالإضافة إلى الترجمة الشفهيَّة، فقد تشعَّب الاختصاص في الترجمة التحريريَّة من ترجمة المؤتمرات إلى الترجمة الإعلاميَّة، فالترجمة في ميدان المال والأعمال. واتَّجهت المدرسة كذلك إلى تخصيص الباحثين في الترجميَّة – وهو مصطلح ابتكرته لوصف منحى الإعداد النظريّ– بمنهج مميَّز يؤهِّلهم إعداد رسائل الماجستير، فأطاريح الدكتوراه في البحث العلميّ. وما يهمُّنا في هذا السياق هو التركيز على مجموعات الوحدات التي تشكِّل اللبِنة الرئيسة في إعداد المترجِم، فقد انتقلت مدرسة الترجمة، بهذا التحديث، من تعليم الترجمة التقليديِّ إلى إعداد مترجِم يمتلك كفاءات رقميَّة وبحثيَّة ونقديَّة، وهو ما يعكس تطوُّر فلسفة تعليم الترجمة في العصر الرقميّ.

وتمتدُّ مجموعة الوحدات التعليميَّة في المرحلة الأولى، أي الإجازة، إلى السنوات الثلاث، وتتنوَّع الميادين فتشمل أوَّلًا التعبيرَين الشفهيَّ والكتابيَّ، أي كلَّ ما يتعلَّق بتحسين مستوى اللغات الثلاث العربيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة. وتسمح هذه الوحدة أن يعبِّر الطالب عن أفكاره بسلاسة، وأن يتدرَّج فيها بشكل منطقيّ.

وتشكِّل مجموعة تقنيَّات أو استراتيجيَّات الترجمة الأساس في تدريب الطالب، لأنَّها تعدُّه لفهم النصِّ وتحليله وصولًا إلى إعادة كتابته. وتساعد هذه المجموعة الطالب على اختيار التقنيَّة أو الاستراتيجيَّة الفضلى في مقاربة النصوص، بهدف إيصال المعنى إلى المتلقِّي ذي الثقافة المختلفة.

وتتنوَّع المجموعات لتشمل مثلًا: العلوم الاجتماعيَّة، وتهدف إلى إعداد المترجِم لفهم السياقات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والسياسيَّة التي تُنتَج فيها النصوص، فيُسهم هذا التكوين المتعدِّد التخصُّصات في تنمية الكفاية التحليليَّة لدى المترجِم، إذ يساعده في تفسير الخطابات الاجتماعيَّة والسياسيَّة، وفهم أبعادها التاريخيَّة والثقافيَّة، والتمييز بين الدلالات الاصطلاحيَّة والمفاهيميَّة التي قد تختلف باختلاف البيئات المعرفيَّة. كما يعزِّز هذا المجال قدرة الطلبة على توظيف المصطلحات المتخصِّصة توظيفًا دقيقًا، والاطِّلاع على المرجعيَّات الفكريّة التي تقوم عليها النصوص، بما يضمن إنتاج ترجماتٍ تتَّسم بالدقَّة والاتِّساق المفاهيميّ.

وتشمل المجموعات أيضًا العلوم الإنسانيَّة التي تضمُّ النصوص الأدبيَّة والفلسفيَّة والدينيَّة التي تفتح الباب واسعًا أمام الثقافات المختلفة، فتحثُّ الطالب على عمق التفكير، وترهف حسَّه إزاء النصوص، وتعزِّز لديه القدرة على التفسير فإعادة التعبير.

ولأنَّ الزمن الحاليَّ هو زمن التكنولوجيا، فقد كان لا بدَّ من إعداد الطالب إعدادًا علميًّا من خلال مجموعة العلوم الدقيقة التي تشمل نصوصًا طبِّيَّة وعلميَّة وتكنولوجيَّة. فهذه المعارف تمكِّن الطالب من اكتساب القاموس الخاصِّ بهذه الميادين والمفاهيم الكامنة وراءها، بغية فهم النصِّ المتخصِّص، فيستطيع لاحقًا التعبير بشكل واضحٍ عمَّا يتعلَّق بالعلوم الدقيقة التقليديَّة، وصولًا إلى كلِّ ما يتعلَّق بالذكاء الاصطناعيّ.

هذا ويُعدُّ ميدان المؤتمرات أحد العناصر الأساسيَّة في تكوين المترجِم، ولاسيَّما المترجِم الشفهيُّ في مدرسة الترجمة - بيروت، إذ يهدف إلى إعداد الطلبة للتعامل مع الخطابات المتخصِّصة التي تُطرح في فضاءات المؤتمرات والندوات واللقاءات الدوليَّة. ويركَّز في تدريبهم على تقنيَّات الترجمة الشفهيَّة، ولا سيَّما التتبُّعيَّة منها والفوريَّة، مع تطوير المهارات المعرفيَّة كحُسن الاستماع وشحذ الانتباه والتحليل السريع، وإدارة الذاكرة، واستخراج الأفكار الأساسيَّة، وسرعة اتِّخاذ القرار، وإعادة إنتاج الخطاب بلغةِ الهدف، مع الحفاظ على دقَّته ومقاصده. كما يولي أهمِّيَّة خاصَّة للتَّحضير للمؤتمرات، من خلال تدريب المترجِم على البحث في موضوعات مختلفة، وبناء المعاجم المتخصِّصة، واكتساب القدرة على التعامل مع المصطلحات المرتبطة بمجالات متعدِّدة مثل الاقتصاد، والسياسة، والقانون، والعلاقات الدوليَّة. وتكتسب مجموعة الوحدات هذه أهمِّيَّة خاصَّة في إطار تجديد دور المترجِم داخل المؤسَّسات الأكاديميَّة والمهنيَّة، لأنَّها تنقل الترجمة من مستوى الأداء اللغويِّ إلى مستوى الوساطة المعرفيَّة والثقافيَّة. فالمترجِم في المؤتمرات لا ينقل الكلمات فحسب، بل يشارك في نقل الأفكار والمفاهيم بين مجتمعات لغويَّة وثقافيَّة مختلفة، ما يقتضي امتلاكه وعيًا نقديًّا بالسياقات التي تُنتَج فيها الخطابات. كما ينسجم هذا المجال مع التحوُّلات الحديثة في مهنة الترجمة، حيث أصبح المترجِم الشفهيُّ مطالَبًا باستخدام أدوات رقميَّة وتقنيَّات حديثة تساعده في التحضير للمؤتمرات، مثل إدارة المصطلحات، وتحليل الوثائق، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعيّ،ِ تحليلًا وتوليفًا واختصارًا، مع المحافظة على الدور الأساسيِّ للخبرة البشريَّة في الفهم والتفسير واتِّخاذ القرار. فميدان المؤتمرات يسهم في تكوين مترجِمٍ قادرٍ على الانخراط في البيئة الدوليَّة، وعلى ممارسة الترجمة بوصفها نشاطًا معرفيًّا وثقافيًّا يتجاوز حدود النقل اللغويّ.

أمَّا موارد المترجِم فهي من مجموعة الوحدات الأساسيَّة، إذ تشير إلى جملة الأدوات والمعارف والكفاءات التي يعتمد عليها المترجِم لإنجاز ترجمة دقيقة وفعَّالة. تهدف المجموعة إلى تعزيز الثقافة العامَّة والفضول الفكريِّ لدى الطالب، وبالتالي تكوين مخزونه المعرفيِّ، ولا تقتصر على استخدام القواميس والمراجع اللغويَّة، بل تشمل أيضًا المعرفة العميقة باللغتَين والثقافتَين (المصدر والهدف)، والقدرة على تحليل النصوص، والاستفادة من المصادر الوثائقيَّة والرقميَّة الحديثة. 

تُعدُّ مجموعة الوحدات المتعلِّقة بالهندسة اللغويَّة، التي عُزِّزت منذ فترة وجيزة، من الوحدات التي تعكس التحوُّل الذي تشهده برامج تعليم الترجمة في مدرسة الترجمة - بيروت، نحو ترسيخ دمج التكنولوجيا في تكوين المترجِم. وتنطلق هذه المجموعة من اعتبار الترجمة نشاطًا معرفيًّا وتقنيًّا في آنٍ واحد، الأمر الذي يقتضي إكساب الطلبة مهارات التعامل مع الأدوات الرقميَّة التي أصبحت جزءًا لا يتجزَّأ من بيئة العمل المحيطة بالترجمة المعاصرة. وتركِّز مجموعة الوحدات هذه على تدريب الطلبة على توظيف التقنيَّات اللغويَّة الحديثة، مثل أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب (Computer-Assisted Translation)، وأنظمة إدارة المصطلحات، وبناء المدوَّنات اللغويَّة وذاكرات الترجمة، إضافة إلى حُسن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعيِّ التوليديِّ، والتعامل مع النماذج اللغويَّة الكبيرة التي تسهم في اقتراح مسوَّداتِ ترجمةٍ قابلة للمراجعة والتصويب والتحسين. فمن شأن مجموعة وحدات الهندسة اللغويَّة تنمية قدرة الطلبة على تقييم مُخرجات هذه الأدوات تقييمًا نقديًّا، والتمييز بين ما يمكن أن تؤدِّيه التقنيَّات الآليَّة وما يتطلَّب تدخُّل المترجِم البشريِّ من تحليلٍ دلاليٍّ وثقافيّ، وتصويب لغويّ، وتحسين أسلوبيّ. ولا يقتصر دور هذه المجموعة على تنمية المهارات التقنيَّة، بل يمتدُّ إلى تعزيز الكفاءة البحثيَّة لدى المترجِم، من خلال تدريبه على استخراج المصطلحات، وإدارة الموارد اللغويَّة الرقميَّة، وتحليل البيانات النصِّيَّة، بما يسهم في رفع جودة الترجمة، وتوحيد المصطلحات، وتحسين الاتِّساق اللغويّ. وبهذا المعنى، تمثِّل مجموعة وحدات الهندسة اللغويَّة تجسيدًا للتكامل بين علوم اللغة، والترجمة، وعلوم الحاسوب، بما يواكب التحوُّلات الرقميَّة في مهنة الترجمة، ويؤهِّل المترجِم للعمل في بيئات متعدِّدة اللغات تعتمد، بصورة متزايدة، على التقنيَّات الذكيَّة، كما تؤهِّله ليغدو قادرًا على فهم كيفيَّة عمل الأدوات الرقميَّة، وتقييم مُخرجاتها وإدماجها في ممارسته الترجمة من دون أن يتَّكل عليها اتِّكالًا أعمى.


مهنة للمستقبل: الواقع والتحدِّيات

لم تعتمد مدرسة الترجمة - بيروت على مرِّ السنين على إعادة النظر الاعتباطيَّة في تصميم برامجها، بل كانت ترصد تحوُّلات سوق العمل محليًّا وعالميًّا، وتراقب كيفيَّة تأقلم معاهد الترجمة الجامعيَّة مع هذه التحوُّلات. ولعلَّ انتماءها إلى شبكات دوليَّة كالمؤتمر الدوليِّ الدائم للمعاهد الجامعيَّة للمترجِمين التحريريِّين والشفهيِّين (CIUTI)، وشبكة الجامعات التي أبرمت معها منظَّمة الأمم المتَّحدة اتفاقيَّات التعاون (UN MoU Network)، وشبكة الجامعات الحائزة اعتماد "ماستر الترجمة الأوروبيّ" الذي تمنحه المفوضيَّة الأوروبيَّة لأفضل برامج الترجمة (EMT)، والجمعيَّة الفرنسيَّة للبرامج الجامعيَّة المعدَّة لمهن الترجمة (AFFUMT) – مع أنَّ مدرسة الترجمة - بيروت ليست بفرنسيَّة ولا هي بأوروبيَّة – جعلتها على تماسٍ مباشر مع كبرى الجامعات الدوليَّة، ومع منظَّمتَين تُعدَّان من أهمِّ موظِّفي المترجِمين في العالم، عَنَينا بهما منظَّمة الأمم المتَّحدة والمفوَّضيَّة الأوروبيَّة. وقد عملت هاتان المنظَّمتان مؤخَّرًا على إعادة تحديد مواصفات مترجِم وترجمان[2] الغد، وهما عاكفتان على مساعدة الجامعات، التي تنضوي في شبكتَيهما، في إعداد الطلَّاب بما يتوافق مع هذه المواصفات. فإلى الكفاءات اللغويَّة والترجميَّة والبحثيَّة والمهنيَّة العامَّة، أضافتا كفاءات رصد أخطاء الترجمة الآليَّة والتنقيح اللاحق لها (post-editing)، الكفاءات الرقميَّة على أنواعها، كفاءة التواصل الفعَّال، القدرة على التأقلم السريع مع متغيِّرات بيئة العمل ومتطلِّباتها، الانفتاح على أساليب العمل والمهامِّ الجديدة التي قد تُلقى على عاتق المترجِمين، التمكُّن السريع من الموضوعات الجديدة، القدرة على العمل ضمن الفريق وتحت الضغط. 

إنَّ وحدات التعليم الجديدة التي أُدخلت على برامج إعداد المترجِمين حديثًا إنَّما تؤهِّل الطالب للتعامل مع الذكاء الاصطناعيّ، بانتقاله من متلقٍّ عاديٍّ أو سلبيٍّ إلى مساهِم فعليٍّ في التقنيَّات الرقميَّة. لذا وضَعت مدرسة الترجمة، بالتعاون مع مهندسين رقميِّين، برنامج دبلوم جامعيٍّ جديد في الهندسة الرقميَّة يتيح الانتقال من مجرَّد الإلمام بالأدوات الرقميَّة إلى تحكُّم نقديٍّ حقيقيٍّ بالتقنيَّات اللغويَّة. ويعتمد هذا البرنامج على ثلاثة مستويات وهي: التدريب الرقميُّ، والتدريب على الذكاء الاصطناعيّ، وصولًا إلى التدريب على الخوارزميَّات.  والمستوى الأوَّل، أي التدريب الرقميّ، هو الأساس الذي يقوم عليه التدرُّج لأنَّه يمكِّن الطالب من التعامل مع البيئات الرقميَّة، مثل معالجة النصوص وإدارة المشاريع وغيرها... وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا التدريب لا يندرج ضمن الذكاء الاصطناعيِّ بمعناه الدقيق، ولكنَّه يشكِّل مرحلة أساسيَّة تسمح للطالب أن ينطلق إلى المستوى اللاحق بشكل أكثر فعَّاليَّة.

أمَّا التدريب الثاني، أي التدريب على الذكاء الاصطناعيّ، فيخوِّل الطالب استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعيِّ وتقييمها والإشراف عليها، فيكتسب الطالب معرفة في صياغة تعليمات فعَّالة إلى الأنظمة التوليديَّة والإشراف على المُخرجات.

أمَّا محصِّلة المستويَين الآنفَين فهو التدريب الخوارزميُّ الذي يقود الطالب إلى التعامل مع الآليَّات الداخليَّة وتدارُك تحيُّزات الذكاء الاصطناعيّ. وكما ينبغي للمترجِم، عادةً، أن يكون مسؤولًا عن مساءلة مصدرٍ ترجميٍّ أو اصطلاحيٍ، فالمطلوب منه أيضًا في هذه المرحلة مساءلةُ آليَّةِ عمل الأداة التي يشتغل عليها، وإلَّا بقي إشرافه على النتائج الخوارزميَّة سطحيًّا. ولتوضيح هذا التدرُّج يمكن تخيُّل المسار الذي يقطعه الطالب: ففي سنوات الإجازة يتعلَّم استخدام أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب، وذاكرات الترجمة كجزء من وحدة التدريب اللغويّ، ثمَّ يتولَّى، في سنوات الماستر، مراجعة الترجمة الآليَّة، مبرِّرًا كلَّ قرار تعديلٍ وتنقيح، وفي المرحلة المتقدِّمة من تدريبه ينتقل إلى تحليل تحيُّزات محرِّك الترجمة الآليَّة، ويناقش حدوده في النصوص الثقافيَّة أو الدبلوماسيَّة أو الرسميَّة أو غيرها.

كلُّ هذه التغييرات في تحديث البرامج لا تخلو من تحدِّيات حقيقيَّة تواجهها مدرسة الترجمة - بيروت. ولعلَّ التحدِّي الأوَّل هو في العثور على أساتذة يجمعون بين الخبرة اللغويَّة والخبرة التقنيَّة، وهذا ما يستدعي تكوينًا لهيئة التدريس أيضًا وليس للطلَّاب فحسب. أمَّا التحدِّي الثاني فهو خطر الانزلاق إلى الثقة الزائدة التي قد يوليها الطالب للآلة من غير تدقيق كافٍ بمُخرجاتها، ما يحتِّم تدريب الطلَّاب تدريبًا صحيحًا على مساءلة الآلة. وأمَّا التحدِّي الثالث فيكمن في التفاوت بين سرعة تطوُّر الآلة وتقنيَّاتها وتطوُّر المناهج، ما يحتِّم أيضًا التفكير في آليَّات أكثر مرونة تواكِب تطوُّر الآلة. ويبقى التحدِّي الأخير المتمثِّل في تغيير النظرة إلى الترجمة التي تتحوَّل مع التقدُّم الرقميِّ من مهنة ضيِّقة ومحدَّدة إلى مروحة واسعة من المِهن اللغويَّة، تبدأ بالتحرير ولا تنتهي بالتنقيح اللاحق، بل تتخطَّاه إلى كلِّ ما تطلبه الهندسة اللغويَّة.


 الخاتمة:

ستبقى...

بعد هذا العرض المفصَّل لتطوُّر مناهج تعليم الترجمة في مدرسة الترجمة - بيروت، نعود إلى السؤال الذي طرحناه في بداية هذه المقالة: هل مهنة الترجمة على المحكّ؟ وهل هي آيلةٌ إلى الزوال؟

 صحيح أنَّ التحدِّيات كثيرة، ولكنَّ مهنة الترجمة تعيش تحوُّلًا عميقًا، وهذا التحوُّل يعيد تحديد دور المترجِم أكثر ممَّا يلغيه. فالآلة قد تُنجز النقل اللغويَّ بسرعة، ولكنَّها لا تحلُّ محلَّ الحكَم النقديِّ والثقافيِّ الذي يميِّز المترجِم البشريّ. أضف إلى ذلك ناحيتَين مهمَّتَين يتفوَّق بهما هذا الأخير على المترجِم الآليّ: فالمترجِم البشريّ، ولا سيَّما خرِّيج مدرسة الترجمة - بيروت، يحصل عبر إعداده الأكاديميِّ المميَّز على شهادةٍ معترفٍ بها في المحافل الأكاديميَّة والمهنيَّة الدوليَّة، ويحوز كذلك ثقة السلطات المحلِّيَّة والدوليَّة، الحكوميَّة منها وغير الحكوميَّة، فتستعين بخبراته، لا سيَّما إن كان محلَّفًا، وتضمُّه إلى فريق خبرائها ليكون وسيطًا تأتمنه على نصوصها التي تتَّسم، في الغالب، بطابعٍ من الخصوصيَّة والسرِّيَّة يحول دون تسليمها إلى الآلة حتَّى لا تصبح مشاعة للجميع. لذا تبدو حاليًّا الحاجة إلى المترجِم أكثر إلحاحًا من ذي قبل؛ فهو المشرف على الآلة، وقد يغدو مصمِّم خوارزميَّاتها، لكنَّه ليس إطلاقًا المنافس لها. ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى أنَّ المترجِم يعيش مسؤوليَّة مستمرَّة، فكلَّما ازداد اعتماد الإنسان على الآلة، عظُم دور المترجِم كونه الضامن البشريَّ لمسائل لا يمكن أتمتتها.

أمَّا صورة المترجِم الوسيط فقد اكتسبت بُعدًا آخر. فوساطته صارت مزدوجة: وساطة بين لغتَين وثقافتَين كما كانت دائمًا، ووساطة جديدة بين الآلة والإنسان يبرع فيها المترجِم بدورٍ مزدوج أيضًا: مستخدِم للتقنيَّات ومُسائِل لها، لا بل مصمِّم لها، في آنٍ واحد.

وبعد،

تتطوَّر المعرفة تطوُّرًا سريعًا يضع مهنًا كثيرة على المحكّ. وما يساعد المهن والمؤسَّسات على البقاء ليس سرعة تطوُّر الذكاء الاصطناعيّ، بل القدرة على الجمع بين الوعي النقديِّ والتمكُّن التقنيِّ والكفاءة اللغويَّة. وقد حاولت مدرسة الترجمة - بيروت أن تجمع ما بين العراقة المتمثِّلة في التكوين الأساسيِّ للمترجِم الذي لا غنى عنه، والتجديد القائم على استيعاب متغيِّرات مهَن الترجمة ومواكبتها. وطوالَ السنوات كلِّها لم تفصل بين تراثها الإنسانيِّ اللغويِّ والتقنيَّة الحديثة، بل سعت إلى أن توائِم بينهما في سبيل تكوين جيلٍ من المترجِمين يستطيع أن يشرف على الآلة بوعيٍ نقديٍّ بدل أن يكون متلقِّيًا أو خاضعًا لها، فإذا به يعزِّز الآلة بذكائه البشريِّ بدل أن يكتفي بأن يكون هو معزَّزًا بالذكاء الاصطناعيّ.


ثبت المصادر والمراجع

• سليماني حفيظة. أثر الذكاء الاصطناعيِّ على الترجمة الأدبيَّة: التحدِّيات الجماليَّة، الفلسفيَّة والأخلاقيَّة في عصر الإبداع الآليّ، 2026،

“The Impact of Artificial Intelligence on Literary Translation: Aesthetic, Philosophical, and Ethical Challenges in the Age of Automated Creativity.” Cahiers de Traduction, 32(1), 35-36.

https://asjp.cerist.dz/en/article/292289

• Department for General Assembly and Conference Management (DGACM), United Nations (2026). Preparing Future UN Linguists (3 June 2026) – Summary Report. New York: United Nations, 17 June 2026.

• École de Traducteurs et d'Interprètes de Beyrouth (ETIB), Université Saint-Joseph de Beyrouth — الموقع الرسميُّ والمناهج المنشورة

• EMT Board and Competence Task-Force (2022). EMT Competence Framework 2022. Brussels: European Commission.

• EMT Expert Group (2017). EMT Competence Framework 2017. Brussels: European Commission.

M.M. Abouelnour, H. Alrababah, K. Tokal, A.K. Alsharef. “Artificial Intelligence Driven Computational Framework for Evaluating Arabic Literary Text Generation Using ChatGPT”. Journal of Wireless Mobile Networks, Ubiquitous Computing, and Dependable Applications (JoWUA), volume: 17, number: 2 (June-2026), pp. 684-699. DOI:

10.58346/JOWUA.2026.I2.038

• Najm, P. & Abou Fadel Saad, G. (2022). “Les compétences des enseignants de traduction au XXIe siècle: étude empirique sur le cas de l'École de traducteurs et d'interprètes de Beyrouth (ETIB)”. Lebende Sprachen, 67 (2). Berlin, Allemagne : De Gruyter.

https://doi.org/10.1515/les-2022-1006


الحواشي

[1]     مدرسة الترجمة - بيروت: أسَّسها الأبوان اليسوعيَّان رولان مينيه، ورينيه شاموسي، ثمَّ انتقلت الإدارة إلى د. جرجورة حردان، فـ د. هنري عويس، فـ دة. جينا أبو فاضل سعد. وحاليًّا تتولَّى دة. ماري يزبك إدارة مدرسة الترجمة - بيروت.

[2]   نعتمد مصطلح "ترجمان" للإشارة إلى المترجِم الشفهيِّ مقابل "مترجم" الذي يشير إلى المترجم التحريريّ.



الدكتورة رنا الحكيم بكداشأستاذة جامعيَّة وباحثة في اللغات والترجمة. تشغل حاليًّا منصب ممثِّلة الأساتذة في كلِّيَّة اللغات والترجمة، جامعة القدِّيس يوسف – بيروت، وفيها حازت شهادة دكتوراه - (2012) عن أطروحة بعنوان: الترجمة واللغات: العلاقة الملتبسة. من منشوراتها: مائة مبدعة ومبدعة، كتب عربيَّة أثرت العالم (عمل مشترك)، ط.١. أبو ظبي: مركز أبو ظبي للغة العربيَّة، 2024؛ والتعبير الكتابيّ، بيروت: دار المشرق، 1996.

[email protected]

 الدكتورة جينا أبو فاضل سعد: عميدة كلِّيَّة اللغات والترجمة في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت (منذ 2016). وهي أوَّل من حاز دكتوراه في الترجمة (2003) من مدرسة الترجمة نفسها، عن أطروحة بعنوان: المترجم في عِمارتَي النصّ – الشكل سمة دخول إلى المعنى. لها أكثر من ثلاثين مقالًا وبحثًا علميًّا ومؤلَّفات في الترجمة ومصطلحاتها. أستاذة محاضرة وعضو في لجنات مناقشة أطاريح الدكتوراه في جامعات عربيَّة وأوروبيَّة وكنديَّة، وعضو في الفدراليَّة الدوليَّة للمترجمين (FIT). من أحدث منشوراتها: 

    Le français au Liban: défis contemporains et efforts de revitalisation dans un contexte multilingue (en collaboration avec Rifai, L.) Al-Kimiya, 25. Beyrouth, Liban: Editions de l’Université Saint-Joseph (2025); “Théâtre et mémoire en FLE: Optimisation de l’expression orale à travers des procédés mnémotechniques" (en collaboration avec Rifai, L.), Revue Algérienne des Sciences du Langage, 9 (2), 122-135, (2024).

[email protected]





تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق