إشكاليَّة المصطلح في الترجمة: المفاهيم بين الحياد اللغويِّ والحمولة الفكريَّة والبيئيَّة
مقدِّمة
تُعدُّ إشكاليَّة المصطلح من أبرز القضايا التي تواجه الترجمة في العصر الحديث، إذ لم يعد المصطلح مجرَّد مقابِل لغويٍّ يمكن نقله من لغة إلى أخرى، وليس هو بالطبع نقلًا حرفيًّا، بل أصبح وحدة معرفيَّة وثقافيَّة تختزن تاريخًا من الاستعمالات، وسياقًا نظريًّا يحدِّد دلالتها ووظيفتها في الحقول المعرفيَّة المختلفة. ومن هنا تنشأ الصعوبة في ترجمة المصطلحات الفلسفيَّة والنقديَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة، لأنَّها ليست مفاهيم محايدة أو تقنيَّة بحتة، بل تحمل رؤًى معرفيَّة وأبعادًا إيديولوجيَّة تشكَّلت عبر تاريخ طويل من الإنتاج الفكريّ.
لقد أسهمت الدراسات الحديثة في الترجمة والمصطلحيَّة Terminologie في الكشف عن العلاقة الوثيقة التي تربط اللغة والفكر والثقافة. وأصبحت الترجمة تُفهَم بوصفها عمليَّة تأويل وإعادة بناء للمعنى، لا مجرَّد نقل للألفاظ (Venuti, 2018). ولذلك فإنَّ نجاح المترجِم لا يتوقَّف على امتلاكه الكفاءة اللغويَّة فحسب، بل يتطلَّب معرفة دقيقة بالسياقات الفكريَّة التي نشأت فيها المصطلحات، وبكيفيَّة تطوُّرها داخل الثقافة المنقول عنها والمنقول إليها. من هنا يُطرَح سؤال أوَّليّ: هل "بقي المصطلح العربيُّ بعيدًا عن استيعاب الكثير من المصطلحات المستحدَثة فكان بالمقابل التركيز على الترجمة أكثر من التركيز على التوليد داخل اللغة؟"
يطرح هذا المقال إشكاليَّة المصطلح اللسانيِّ والترجمة التي تعتمد التعريب والتوليد مع التركيز على أنَّ المفاهيم ليست حياديَّة، بل محمَّلة بتاريخ فكريٍّ وسياق نظريّ، وإطار حضاريٍّ يحدِّد هويَّة الناطقين باللغة المترجَم إليها، ويسعى إلى بيان أثر ذلك في عمليَّة الترجمة، مع الاستناد إلى عددٍ من الدراسات المرجعيَّة في مجال الترجمة والمصطلحيَّة.
1. مفهوم المصطلح وعلاقته بالمعرفة
يمكن ترجمة كلمة مصطلح إلى الفرنسيَّة بكلمة Terme وهي الترجمة الأكثر شيوعًا، بخاصَّةٍ في المجالات اللغويَّة والعلميَّة والتقنيَّة، على سبيل المثال: مصطلح طبِّيٌّ Un terme medical. وحين يشير المصطلح إلى الفكرة أو المفهوم، يُتَرجَم بكلمتَي Notion أو Concept مثلًا: مصطلح الديموقراطيَّة:
Le concept de la démocratie ومصطلح الحرِّيَّة بمعنى الفكرة La notion de liberté ، إلَّا أنَّ كلمة Terme هي الترجمة الأفضل.
يُعرَّف المصطلح بأنَّه وحدة لغويَّة تعبِّر عن مفهوم محدَّد داخل مجال معرفيٍّ معيَّن، ويتميَّز بالدِّقَّة والاتِّفاق النسبيِّ بين المختصِّين (Cabré, 1999). غير أنَّ هذا التعريف لا يكفي لفهم طبيعة المصطلح في العلوم الإنسانيَّة، إذ تختلف هذه العلوم عن العلوم الطبيعيَّة في أنَّ مفاهيمها تخضع للتأويل وتغيُّر الدلالات تبعًا للاتِّجاهات الفكريَّة. فمصطلحات مثل "الحداثة"، و"الخطاب"، و"الهويَّة"، و"الأيديولوجيا"، و"التفكيك"، و"النسويَّة"، ليست مجرَّد ألفاظ تشير إلى معانٍ ثابتة، بل تعبِّر عن مدارس فكريَّة كاملة، وتحمل خلفيَّات فلسفيَّة وتاريخيَّة متشابكة. ولذلك فإنَّ نقلها إلى لغة أخرى يتطلَّب نقلًا للمنظومة المفاهيميَّة التي تنتمي إليها، لا الاقتصار على إيجاد مقابلٍ معجميّ.
ويؤكِّد دو سوسور de Saussure أنَّ العلاقة بين الدالِّ والمدلول ليست طبيعيَّة، بل اعتباطيَّة تحدِّدها الجماعة اللغويَّة، وهو ما يعني أنَّ انتقال المصطلح إلى لغة أخرى يقتضي إعادة بناء العلاقة بين اللفظ والمفهوم في سياق ثقافيٍّ جديد، وليس مجرَّد استبدال لفظٍ بآخر (de Saussure, 2011)، فالمصطلح هو حاملٌ لتاريخ فكريّ.
2. المصطلح بوصفه حاملًا لتاريخ فكريّ
تنبع إشكاليَّة المصطلح من كونه نتاجًا لتاريخ فكريٍّ محدَّد. فكلُّ مفهوم ينشأ استجابةً لإشكالات معرفيَّة داخل بيئة ثقافيَّة معيَّنة، ثمَّ يتطوَّر عبر الزمن مع تطوُّر المدارس والنظريَّات. فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم مصطلح "التفكيك" بعيدًا عن المشروع الفلسفيِّ الذي قدَّمه جاك دريدا Jacques Derrida، إذ إنَّ ترجمته إلى العربيَّة بوصفه "تفكيكًا" قد توحي بمعنى الهدم أو التفتيت، بينما يتجاوز المفهوم عند دريدا ذلك ليشير إلى قراءة فلسفيَّة تكشف التناقضات الكامنة في النصوص والأنساق الفكريَّة(Derrida, 1976) .
وبالمثل، فإنَّ ترجمة مصطلح Discours إلى "خطاب" لا تنقل دائمًا المعنى الذي اكتسبه عند ميشيل فوكو Michel Foucault، حيث يدلُّ على شبكة من العلاقات المعرفيَّة والسلطويَّة التي تُنتج المعرفة وتحدِّد إمكانات التفكير(Foucault, 1972) . ومن ثمَّ فإنَّ الاقتصار على المقابِل اللغويِّ قد يؤدِّي إلى اختزال المفهوم وإفقاد القارئ جانبًا مهمًّا من دلالته.
إنَّ هذا التاريخ الفكريَّ يجعل المصطلحات مرتبطةً بسياقات إنتاجها، وهو ما يفسِّر اختلاف ترجمات المصطلح الواحد باختلاف المدارس والترجمات، وعدم وجود مقابل عربيٍّ نهائيٍّ لكثير من المفاهيم الحديثة، ومن هنا أهمِّيَّة السياق النظريِّ في ترجمة المصطلحات.
3. أثر السياق النظريِّ في ترجمة المصطلحات
يرى منظِّرو الترجمة أنَّ المعنى لا يُستمدُّ من الكلمة وحدها، بل من السياق الذي ترِد فيه. ولذلك فإنَّ المصطلح يكتسب دلالته من الإطار النظريِّ الذي ينتمي إليه، وهو ما يفرض على المترجِم دراسة النصِّ الأصليِّ دراسةً معمَّقة قبل اختيار المقابِل المناسب.
وقد أشار بيتر نيومارك (Peter Newmark, 1988) إلى أنَّ ترجمة المصطلحات المتخصِّصة تستلزم الجمع بين المعرفة اللغويَّة والمعرفة بالمجال العلميّ، لأنَّ كثيرًا من الأخطاء تنتج من تجاهل خلفيَّة المصطلح المفاهيميَّة. ويؤكِّد نيومارك أنَّ المترجِم قد يضطرُّ إلى استخدام الشرح أو التعليق عندما يعجز المقابِل المباشر عن نقل جميع الأبعاد الدلاليَّة للمفهوم، خصوصًا في النصوص الفلسفيَّة والنقديَّة.
ومن جهة أخرى، يذهب يوجين نايدا Eugene Nida إلى أنَّ الترجمة ليست نقلًا حرفيًّا، بل هي تحقيق للتكافؤ في الأثر والمعنى، وهو ما يسمح أحيانًا بتعديل الصياغة بما يحافظ على وظيفة المفهوم التواصليَّة في الثقافة المستقبِلة (Nida & Taber, 1982). فكيف السبيل إلى توحيد المصطلحات في اللغة العربيَّة؟
4. إشكاليَّة توحيد المصطلحات في العربيَّة
تعاني الترجمة العربيَّة من تعدُّد المقابلات للمصطلح الواحد، وهو ما يؤدِّي إلى اضطراب الخطاب العلميِّ وصعوبة التواصل بين الباحثين. فمصطلح Semiotic تُرجم إلى "السيمياء"، و"السيميائيَّات"، و"علم العلامات"، بينما تُرجم مصطلحHermeneutics إلى "الهرمنيوطيقا"، و"التأويليَّة"، و"علم التأويل". ويعود هذا التعدُّد إلى اختلاف المرجعيَّات العلميَّة، وإلى غياب هيئة موحَّدة تتولَّى اعتماد المصطلحات في مختلف التخصُّصات.
ويرى الجابري (2009) أنَّ نقل المفاهيم الغربيَّة إلى العربيَّة يقتضي مراعاة البنية الثقافيَّة العربيَّة، لأنَّ الاستنساخ الحرفيَّ للمصطلحات قد يؤدِّي إلى تشويه المفاهيم أو إخراجها من سياقها الأصليّ. كما يشير عبد السلام المسدّي (1986) إلى أنَّ المصطلح ليس عنصرًا لغويًّا مستقلًّا، بل هو جزء من نسق فكريٍّ متكامل، ومن ثمَّ فإنَّ ترجمته تقتضي فهمًا عميقًا لهذا النسق.
5. إستراتيجيَّات التعامل مع إشكاليَّة المصطلح
طوَّر الباحثون عددًا من الإستراتيجيَّات للتعامل مع المصطلحات ذات الحمولة الفكريَّة، ومن أهمِّها:
˗ الترجمة بالمقابل الاصطلاحيِّ عندما يكون المصطلح مستقِرًّا في اللغة المنقول إليها. المقصود أنَّ المترجِم لا يترجم المصطلح حرفيًّا، بل يستعمل المصطلح الذي استقرَّ في اللغة العربيَّة للدلالة على المفهوم نفسه. مثلًا: computer: حاسوب؛ constitution: دستور. فإذا كان للمصطلح الأجنبيِّ مقابلٌ معروف ومستقِرٌّ في اللغة العربيَّة، نستخدم هذا المقابل الاصطلاحيَّ بدل الترجمة الحرفيَّة.
˗ التعريب في حال عدم وجود مقابلٍ دقيق، كما في "الهرمنيوطيقا" Herméneutique و"السيميولوجيا".Sémiologie
˗ الترجمة التفسيريَّة بإضافة شرح موجز يوضِّح المقصود من المفهوم.
˗ الهوامش والتعليقات عند الضرورة، بخاصَّةٍ في النصوص الفلسفيَّة.
˗ الالتزام بالاتِّساق الاصطلاحيِّ داخل النصِّ الواحد بحيث لا تتغيَّر ترجمة المصطلح من موضع إلى آخر. فإذا ترجمنا “machine learning” في بداية النصِّ بـ "التعلُّم الآليّ"، فيجب المحافظة على هذه الترجمة في بقيَّة النصِّ وألَّا نستخدم "التعلُّم الحاسوبيّ" للدلالة على المصطلح نفسه.
ويؤكِّد فينوتي (Venuti, 2018) أنَّ المترجم ينبغي أن يكون واعيًا لأبعاد المصطلح الثقافيَّة، وأن يتجنَّب إخفاء الاختلافات الثقافيَّة التي يحملها النصُّ الأصليّ، لأنَّ الترجمة ليست عمليَّةً محايدة بل هي فعل ثقافيٌّ يشارك في إنتاج المعرفة واعتماد التوليد.
6. المصطلح اللسانيُّ والترجمة التي تعتمد التوليد
بالنسبة إلى الدكتورة السعديَّة الصغير، غالبًا ما يتمحور "التركيز حول الترجمة أكثر من التركيز على التوليد داخل اللغة. ونظرًا لأهمِّيَّة دراسة المصطلح في صيغته الحديثة أُلِّفَت العديد من الأبحاث حول ترجمة المصطلحات وتعريبها، فوُضِعَت مصطلحات مستحدثة وفي الكثير من الأحيان تُرجِم المصطلح الواحد بعشرات المصطلحات وهذا طرَح عدَّة إشكالات وقفت حاجزًا أمام تطوُّر المصطلح اللسانيِّ العربيّ. وكما هو معلوم، لكلِّ لغة نظامها الخاصُّ ممَّا يجعل الانتقال من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف أمرًا لا يخلو من صعوبة في جميع المستويات: المستوى التركيبيُّ والمستوى الصرفيُّ والمستوى الدلاليّ." (الصغير، 2021).
إنَّ اختلاف خصائص اللغات يجعل المترجم يعتمد بعض الوسائل قصد تطويع اللغة الهدف. "ثمَّة تصوُّرات مختلفة عن كيفيَّة صياغة المصطلح المترجَم وهي ثلاثة: "التصوُّر الأوَّل الذي يعتمد المصطلح التراثيّ؛ والتصوُّر الثاني الذي يعتمد الترجمة الحرفيَّة؛ والتصوُّر الثالث الذي يعتمد التعريب الجزئيّ."
اهتمَّت هذه التصوُّرات بالشكل أكثر من اهتمامها بالمعنى، وهي تطرح إشكالات نظريَّة بالإضافة إلى المشاكل المنهجيَّة. ولتفادي هذه الإشكالات، تمَّ اقتراح آليَّة توليد تشكِّل عنصرًا أساسيًّا في اللغة العربيَّة، إذ بواسطة لائحة من المفردات وعدد من القواعد، يمكن توليد عدد لا محدود من المفردات غير موجودة في المعاجم لكنَّها ممكنة على مستوى النسق، فالتوليد ثلاثة مستويات:
1. توليد يخصُّ المعنى؛ 2. توليد يخصُّ المبنى؛ 3. توليد يعتمد المعنى والمبنى في آنٍ واحد.
بخصوص هذا الأخير، ننظر إلى المصطلح ككلمة معجميَّة مع مراعاة خصوصيَّاته السياقيَّة. عمليَّة التوليد هذه تقوم بالأساس على جذر الكلمة والصيغة وآليَّة بناء الجذور، وتشترط "تعالق القواعد الصرفيَّة التركيبيَّة والدلاليَّة." إنَّ هذه الآليَّات تمكِّن اللغة العربيَّة من توليد عدد كبيرٍ غير محدود من المصطلحات الموجودة والكامنة (راجع د. الصغير، 2021)، وهذا التوليد قد يعتمد ترجمة الكلمة بضدِّها.
7. الضدُّ يُظهر معناه الضدّ
يُقال عن الترجمة إنَّها خائنة للأصل، إلَّا أنَّ خيانتها أمرٌ مستحبٌّ على يد مترجِم متمرِّس ضليع بلغتَين، فالترجمة نقلٌ لحضارة، وثقافة، وعلم، وفكر، وأسلوب بيراعِ مترجمٍ يراعي اختلاف لغة الآخر ليعبِّر بها، ويعبُر بها إلى المتلقِّي، وبالتالي، ليست الترجمة نقلًا حرفيًّا من لغةٍ إلى أخرى بل هي انتقال من ثقافة إلى أخرى، ومن مناخ إلى آخر. وبين اللغتَين العربيَّة والفرنسيَّة انتقال بين حالٍ وترحال. نأخذ على سبيل المثال تعبير "الوقوف على الأطلال" وهو يشير إلى حالة البدويِّ الرحَّالة الذي يضطرُّ إلى أن ينقل خيمته من مكان إلى آخر في البادية الشاسعة المتراميةِ الأطراف، سعيًا وراء الماء والكلأ. وحين يرحل من دياره، يترك وراءه آثارًا داثرة من إقامته المؤقَّتة في ذلك المكان. وكان الشاعر العربيُّ يقف على الأطلال يبكي رحيل حبيبته من ديارها مع عشيرتها نحو مكانٍ مجهول في البادية. ولم يكن هذا حال الشاعر الغربيِّ الأوروبيِّ الذي تتَّسم حياته بالحال المستقرّ. فلا ظمأ عنده لماءٍ تنضب، ولا بيداء قاحلة تهدِّده بالظمأ والحرِّ الشديد. ففيما كان العربيُّ في ترحال، كان الغربيّ في استقرار حال. فخِيَمُ العربيّ، مساكن غير مستقرّة لعشيرة مهدَّدة بالترحال، وخِيَم الغربيّ، إقامة ترفيهيَّة لرحلة تخييم يعود بعدها إلى مسكن مستقرٍّ لا يهدِّده بالرحيل. من هنا، شتَّان بين الوقوف على أطلال خيمةٍ اندثرت في باديةٍ قاحلة جرداء تركها أهلها على مضض، والوقوف أمام ما تخلِّفه خيمة في أرضٍ خصبة تركها أصحابها برغبة منهم لا كما يترك الإنسان مقرَّ إقامته. فهم ليسوا في ترحال، ولكنَّهم في رحلة، وشتَّان بين ترحال قسريٍّ ورحلة إراديَّة. فمن الطبيعيّ، في هذه الحال، أن نترجم كلمة "أطلال" ذات السياق العربيِّ ليس بكلمة ruines الحرفيَّة، بل بكلمة campements بحسب السياق الفرنسيّ.
ومن الطبيعيِّ أيضًا أن يُتَرجَم تعبير "كيف الحال" في العربيَّة إلى فعل مضادٍّ يشير في الفرنسيَّة إلى الترحال: “Comment vas-tu?” ˗ Comment allez˗vous?، فالعربيُّ يُسأل عن الحال لأنَّه غير مستقرٍّ ويملُّ الترحال وما يتبعه من عدم استقرار. ولأنَّه يصبو إلى الحال والاستقرار فهما حالة مبتغاة يتمنَّى أن يعيشها فيُسأل عن حاله وليس عن ترحاله، ويجيب بكلمة "بخير" إذا استقرَّ حاله. أمَّا الإنسان الغربيُّ فيصبو إلى الترحال وليس الحال، لأنَّه يملُّ من الحال والاستقرار وينشُد الرحلات والاستكشافات، فيُسأل “Comment allez-vous?”، فهو بخير إذا كان في رحلة تُخرجه من ملل الإقامة المستقرَّة، أي من الحال التي كان العربيُّ يصبو إليها. المعنى واحد وهو السؤال عن الشخص، لكنَّه يُتَرجَم بالكلمة المضادَّة يحاكي عيشة الشعب بلغته.
أمَّا المناخ فله تأثير واضح في الترجمة. إذ للتعبير عن خبر جيِّد أو سارٍّ يُقال لإنسانٍ عربيّ: "هذا الخبر يُثلج صدرك"، ويُترجَم إلى المتلقِّي الفرنسيّ بالجملة المضادَّة: “cette nouvelle réchauffe ton cœur”. ذلك العربيُّ الذي طالما سئم الحرَّ الشديد وكان ينتظر نسائم الليل العليلة ليتغنَّى في شعره بالليل لا يمكن أن يكون الخبر الجيِّد عنده إلَّا خبرًا يُثلج الصدر. أمَّا الإنسان الأوروبيُّ الذي سئم البرد القارس ولطالما تلمَّس دفء الشمس، فالخبر الجيِّد يُدفئ قلبه.
تلك الثنائيَّة المضادَّة والمتكاملة تتَّسم بها الترجمة، فالترجمة من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف أغنت التلاقح الثقافيَّ والتلاقي الفكريَّ بين حضارتَين. ثنائيَّة اللغة في الترجمة علَّمتنا لغة التواصل مع الآخر باحترام اختلافِه، فأصبحت معبرَ تعبيرٍ من خلال تعريب ثقافة الآخر وحضارته الفريدة.
خاتمة
تكشف إشكاليَّة المصطلح أنَّ الترجمة تتجاوز كونها نقلًا لغويًّا لتصبح فعلًا معرفيًّا وتأويليًّا يُعيد بناء المفاهيم داخل سياقاتٍ ثقافيَّة جديدة. فالمصطلحات ليست وحدات لغويَّة جامدة، بل تحمل تاريخًا من النقاشات الفكريَّة، وترتبط بإطارات نظريَّة تحدِّد دلالتها ووظيفتها. ومن ثمَّ فإنَّ نجاح المترجم يتطلَّب الجمع بين الكفاءة اللغويَّة والمعرفة العميقة بتاريخ المفاهيم وبالحقول المعرفيَّة التي تنتمي إليها.
وتبرز الحاجة إلى مزيد من الجهود المؤسَّسيَّة لتوحيد المصطلحات العربيَّة، وإلى تعزيز الدراسات المصطلحيَّة التي تراعي بُعدَي المفاهيم الثقافيَّ والفلسفيَّ، بما يسهم في تطوير الترجمة العربيَّة وإثراء الإنتاج العلميِّ باللغة العربيَّة.
قائمة المراجع
العربيَّة
˗ الجابري، محمَّد عابد. تكوين العقل العربيّ. مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 2009.
˗ المسدّي، عبد السلام. المصطلح النقديّ. الدار العربيَّة للكتاب، 1986.
الإلكترونيَّة
˗ الصغير، السعديّة. المصطلح اللسانيُّ بين الترجمة والتوليد. في"أبحاث في اللسانيَّات المقارنة والتطبيقيَّة"، كلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة، الجديدة- المغرب، 2021. [محاضرة مصوَّرة على] YouTube (2020، 27 شباط/ فبراير).
الأجنبيَّة
˗ CABRÉ, M. T. (1999). Terminology: Theory, methods and applications. John Benjamins.
˗ DERRIDA, J. (1976). Of grammatology (G. C. Spivak, Trans.). Johns Hopkins University Press. (Original work published 1967).
˗ FOUCAULT, M. (1972). The archaeology of knowledge (A. M. Sheridan Smith, Trans.). Pantheon Books.
˗ NEWMARK, P. (1988). A textbook of translation. Prentice Hall.
˗ NIDA, E. A., & TABER, C. R. (1982). The theory and practice of translation. Brill.
˗ SAUSSURE, F. de. (2011). Course in general linguistics (W. Baskin, Trans.). Columbia University Press. (Original work published 1916).
˗ VENUTI, L. (2018). The translator's invisibility: A history of translation (3rd ed.). Routledge.
* الدكتورة بيتسا إستيفانو: حائزة دكتوراه في العلوم الدينيَّة، وإجازة في الآداب العربيَّة، ودبلومًا في علم النفس. أستاذة محاضِرة وباحثة في جامعة القدِّيس يوسف، وفي جامعة "دوموني Domuni" في تولوز - فرنسا. لها العديد من المقالات المنشورة باللغتَين العربيَّة والفرنسيَّة، ومنها في مجلَّة المشرق الورقيَّة، "تحوُّلات صورة بيروت في الأدب اللُّبنانيِّ بفعل الحرب"، العدد المئة، الجزء الثَّاني، ٢٠٢٦، والعديد من مطالعات الكتب الصادرة عن دار المشرق.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق