وضع الفلسفة الاجتماعيَّة الراهن وأدوار معهد البحث الاجتماعيّ
وضع الفلسفة الاجتماعيَّة الراهن وأدوار معهد البحث الاجتماعيّ[*]
أصبحت المثاليَّة مع هيجل، فلسفة اجتماعيَّة .(Stefano Bianchetti / Corbis via Getty Images)
ربَّما تكون الفلسفة الاجتماعيَّة في مركز الاهتمام الأوسع بالفلسفة، إلَّا أنَّ مكانتها ليست أفضل من مكانة معظم الجهود الفلسفيَّة أو الفكريَّة الأساسيَّة المعاصرة. فلا يمكن أيَّ تكوين مفاهيميٍّ موضوعيٍّ للفلسفة الاجتماعيَّة أن يؤكِّد ادِّعاءَه الصلاحيَّة العامَّة. وفي ضوء الوضع الفكريِّ الحاليّ، حيث أصبحت الحدود التخصُّصيَّة التقليديَّة موضع تساؤل، وستظلُّ غير واضحة في المستقبل المنظور، لا يبدو من المناسب محاولة تحديد مجالات البحث المختلفة بشكل قاطع. ومع ذلك، يمكن طرح المفاهيم العامَّة التي يربطها المرء بالفلسفة الاجتماعيَّة بإيجاز. وهدفها النهائيُّ هو التفسير الفلسفيُّ لتقلُّبات مصير الإنسان، ولمصير البشر ليس كمجرَّد أفراد، ولكن بوصفهم أعضاء في المجتمع. وبالتالي فهي تهتمُّ قبل كلِّ شيء بالظواهر التي لا يمكن فهمها إلَّا في سياق الحياة الاجتماعيَّة الإنسانيَّة: مع الدولة والقانون والاقتصاد والدين، باختصار، ومع الثقافة المادِّيَّة والفكريَّة للإنسانيَّة بأكملها.
وإذا فهمنا الفلسفة الاجتماعيَّة بهذه الطريقة، فإنَّه يمكننا القول إنَّها تطوَّرت لتصبح مهمَّة فلسفيَّة حاسمة في سياق تطوُّر المثاليَّة الألمانيَّة الكلاسيكيَّة، وأنَّ الجوانب الأكثر إقناعًا في النظام الهيجليّ، هي الإنجازات العليا لهذا النوع من الفلسفة الاجتماعيَّة. ولا يعني هذا أنَّ الفلسفة قبل هيجل لم تكن مهتمَّة بمسائل الفلسفة الاجتماعيَّة؛ بل بالعكس، تحتوي أعمال كانط الرئيسة على نظريَّات فلسفيَّة تتعلَّق بمعرفة القانون والفنِّ والدين. ولكنَّ هذه الفلسفة الاجتماعيَّة كانت مترسِّخة في فلسفة الذات المعزولة Einzelpersonlichkeit؛ وفُهمت مجالات الوجود هذه على أنَّها إسقاطات Entwürfe للشخص المستقلّ. ولقد جعل كانط الوحدة المغلقة للذات العقلانيَّة المصدرَ الحصريَّ للمبادئ التأسيسيَّة لكلِّ مجال ثقافيّ؛ حيث كان من المقرَّر أن يصبح جوهر الثقافة وتنظيمها مفهومَين على أساس ديناميكيَّات الفرد، والأنماط الأساسيَّة لنشاط الأنا العفويَّة فحسب. وحتَّى لو كان من الصعب مساواة الذات المستقلَّة بالفرد التجريبيِّ في فلسفة كانط، فمن المفترض مع ذلك أن يكون المرء قادرًا على التحقيق في جميع العوامل الإبداعيَّة الثقافيَّة الممكنة في ذهن كلّ ِكائن عقلانيٍّ فرديّ. وإنَّ بُنى الوجود الشاملة التي لا يمكن أن تنتمي إلَّا إلى ما فوق الفرد، والتي لا يمكن اكتشافها إلَّا في الكلِّيَّة الاجتماعيَّة التي يجب أن نخضع لها، لا وجود لها في هذا المفهوم. إنَّ تأكيد وجود تلك البُنى يُعدُّ عقائديًّا، والعمل الموجَّه نحوها يُعدُّ غير متجانس. ففي المبادئ الميتافيزيقيَّة للفضيلة، كتب كانط عن الذات الأخلاقيَّة أنَّ الشخص "لا يخضع لأيِّ قوانين أخرى غير تلك التي يمنحها لنفسه (إمَّا بمفرده أو على الأقلِّ بالاشتراك مع آخرين)."
لقد عمل التقليد المثاليُّ المرتبط بكانط على تطوير الربط بين العقل المستقلِّ والأفراد التجريبيّين. وإنَّ التوتُّر بين الإنسان المحدود والذات باعتبارها مطلبًا لانهائيًّا يظهر أيضًا، بطبيعة الحال، في فلسفة فيشته الأولى للأنا التي تضع نفسها في التأمُّل الذاتيّ. إنَّ الواجب الأبديّ، والإصرار على أن نكون مناسبين لدعوتنا الإنسانيَّة Bestimmung، ينبع من أعماق الذاتيَّة. وتظلُّ وسيلة الفلسفة هي الوعي الذاتيّ. غير أنَّ هيجل حرَّر هذا الوعي الذاتيَّ من قيود التأمُّل، وقام بتحويل مسألة جوهرنا، مسألة الثقافة المستقلَّة: الذات الخالقة، إلى عمل التاريخ حيث تمنح الذات نفسها شكلًا موضوعيًّا.
وفي نظر هيجل، فإنَّ بنية الروح الموضوعيَّة، التي تُدرَك في تاريخ الروح المطلقة الجوهريِّ الثقافيِّ، أي الفنِّ والدين والفلسفة، لم تعد مستمدَّة من التحليل النقديِّ للموضوع، بل من المنطق الجدليِّ العالميّ. إنَّ مسارها وأعمالها لا تنبع من قرارات الموضوع الحرَّة، بل من روح الأمم المهيمنة وهي تخلف بعضها بعضًا في صراعات التاريخ. إنَّ مصير الخاصِّ يتحقَّق في مصير الكونيّ؛ إنَّ جوهر الفرد أو شكله الموضوعيَّ لا يتجلَّى في أفعاله الشخصيَّة، بل في حياة الكلِّ الذي ينتمي إليه. وهكذا أصبحت المثاليَّة في جوانبها الأساسيَّة، مع هيجل، فلسفة اجتماعيَّة: إنَّ الفهم الفلسفيَّ للكلِّ الجماعيِّ الذي نعيش فيه، والذي يشكِّل الأساس لإبداعات الثقافة المطلقة، هو الآن أيضًا نظرة ثاقبة لمعنى وجودنا وفقًا لقيمته ومحتواه الحقيقيَّين.
اسمحوا لي أن أفكِّر في هذا المنظور الهيغليِّ للحظة أطول. يمكن فهم وضع الفلسفة الاجتماعيَّة الحاليِّ من حيث المبدأ من خلال انحلالها، واستحالة إعادة بنائها فكريًّا من دون التخلُّف عن مستوى المعرفة الحاليّ. فلقد تخلَّى هيجل عن تحقيق مقاصد العقل للروح الموضوعيَّة، وفي النهاية للروح العالميَّة. إنَّ تطوُّر هذه الروح يمثِّل نفسه في صراع "الأفكار الملموسة، عقول الأمم"؛ ومن هذه الأفكار تنشأ العوالم التاريخيَّة العالميَّة في تتابع ضروريٍّ "كعلامات وزخارف لعظمتها." ويحدث هذا التطوُّر بغضِّ النظر عمَّا إذا كان الأفراد في نشاطهم التاريخيِّ يعرفونه أو يرغبون فيه؛ فهو يتبع قانونه الخاصّ. ولكن، كما هو الحال في عصر التنوير الفرنسيِّ والليبراليَّة الإنجليزيَّة، يرى هيجل بالتأكيد أنَّ المصالح الفرديَّة والدوافع والعواطف لدى البشر هي قوًى دافعة حقيقيَّة. وحتَّى تصرُّفات الرجال العظماء تحدِّدها أهدافهم الفرديَّة. "في البداية يقوم هؤلاء الأفراد بتلبية احتياجاتهم الخاصَّة، وليس الهدف من أفعالهم إرضاء الآخرين في أيِّ حال من الأحوال." وفي الواقع، "إنَّهم الأكثر بُعد نظرٍ بين معاصريهم؛ فهم يعرفون بشكل أفضل ما هي القضايا المعنيَّة، وكلُّ ما يفعلونه هو الصواب. "ولكن لم يتمَّ إنجاز أيِّ شيء في التاريخ" من دون الاهتمام النشِط من جانب المعنيِّين به."
من المؤكَّد أنَّ قانون التنمية العقلانيَّ هذا يستخدِم "بمكر" مصالح الرجال العظماء وكذلك الجماهير من أجل تحقيق نفسه. وكما أنَّ هيجل لا يفسِّر التاريخ السابق إلَّا بطريقة غير مباشرة على أساس هذا القانون، وبشكل مباشر على أساس تضارُب المصالح، فكذلك الأمر بالنسبة إلى عمليَّة حياة المجتمع المعاصر. وهو يشير إلى الاقتصاديِّين الليبراليِّين سميث، وساي، وريكاردو في محاولته لتوضيح كيفيَّة الحفاظ على الكلِّ بعيدًا عن "مزيج التعسُّف" الذي ينشأ من جهود الأفراد لتلبية احتياجاتهم. وفي المجتمع المدنيّ، وفقًا لفلسفة الحقّ، فكلُّ عضو هو غايته الخاصَّة؛ كلُّ شيء آخر ليس شيئًا عندهم. ولكن، باستثناء التواصل مع الآخرين، فإنَّهم لا يستطيعون الوصول إلى كامل نطاق غاياتهم، وبالتالي فإنَّ هؤلاء الآخرين هم وسيلة لتحقيق غاية العضو المعيَّن.
ومع ذلك، فإنَّ غاية معيَّنة تتَّخذ شكل العالميَّة من خلال هذه العلاقة بالآخرين، ويتمُّ تحقيقها في الوقت نفسه لتحقيق رفاهيَّة الآخرين. وبحسب هيجل، فإنَّ الدولة لا يمكن أن توجد بهذه الطريقة ولا بأيِّ طريقة أخرى؛ فهي مشروطة بشكل مباشر بتضارب المصالح الاجتماعيَّة.
ولكن، على الرغم من أنَّ التاريخ والدولة يظهران من الخارج على أنَّهما يتطوَّران من "مزيج من التعسُّف"؛ وعلى الرغم من أنَّ الباحث التاريخيَّ التجريبيَّ يجب أن ينحدر إلى سلسلة من المعاناة والموت والغباء والدناءة؛ وعلى الرغم من أنَّ الكينونة (الدازاين) يواجه زواله تحت عذابٍ لا يوصف؛ وعلى الرغم من أنَّه يمكن النظر إلى التاريخ، على حدِّ تعبير هيجل، على أنَّه المذبح "الذي عليه سعادة الأمم، إنَّ حكمة الدول وفضيلة الأفراد تُذبح"، وبالرغم من ذلك، فإنَّ الفلسفة ترفعنا فوق وجهة نظر المراقِب التجريبيّ، لأنَّ "ما يسمَّى عادة بالواقع،" هي لا تعدُّه أكثر من مجرَّد شبه خامل ليس له واقع في حدِّ ذاته، كما يخبرنا في محاضرات فلسفة تاريخ العالم. وإذا كان لدينا انطباع بأنَّ أحداث الماضي كارثيَّة تمامًا وخالية من المعنى، فيمكننا أن نجد العزاء، إذا جاز التعبير، في هذا الوعي. ولكنَّ العزاء هو مجرَّد شيء يتمُّ الحصول عليه كتعويضٍ عن مصيبة لم يكن ينبغي أن تحدث في المقام الأوَّل، وهو ينتمي إلى عالم الأشياء المحدودة. ولذلك فإنَّ الفلسفة ليست في الحقيقة وسيلة للتعزية. إنَّه أكثر من ذلك، لأنَّه يغيِّر الواقع بكلِّ مظالمه الظاهرة ويُصالحه مع العقلانيّ؛ فهو يدلُّ على أنَّه مبنيٌّ على الفكرة نفسها، وأنَّ العقل يتحقَّق فيها.
إنَّ هذا التجلِّي Verklärung الذي يتحدَّث عنه هيجل، يحدث، على وجه التحديد، من خلال تلك العقيدة التي تنصُّ على أنَّ الجوهر الإنسانيَّ الحقيقيَّ لا يوجد في الداخل المجرَّد، وفي مصير الأفراد المحدودين الفعليّ، بل يتمُّ تنفيذه، بدلًا من ذلك، في حياة الأمم ويتحقَّق في الدولة. وأمام فكرة أنَّ هذا الجوهر الجوهريّ، الفكرة، لا يزال قائمًا في تاريخ العالم، فإنَّ زوال الفرد يبدو بلا أهمِّيَّة فلسفيَّة. وهكذا يستطيع الفيلسوف أن يعلن: "إنَّ الخاصَّ كقاعدة عامَّة غير كافٍ في علاقته بالعالميّ، ونتيجة لذلك يتمُّ التضحية بالأفراد والتخلِّي عنهم. إنَّ الفكرة تدفع الجزية التي يفرضها الوجود والعالم العابر، ولكنَّها تدفعها من خلال عواطف الأفراد وليس من مواردها الخاصَّة،" وإلى الحدِّ الذي يشارك فيه الفرد في الكلِّ الذي يعيش فيه فحسب، أو بالحريِّ بقدر ما يعيش الكلّ في الفرد، يكتسب الفرد الواقع فحسب، لأنَّ حياة الكلِّ هي حياة الروح. الكلُّ بهذا المعنى هو الدولة والتي "لا وجود لها من أجل المواطنين، بل يمكن القول إنَّ الدولة هي الغاية، والمواطنين هم أدواتها."
ووفقًا لهيجل، لا يستطيع الفرد المحدود أن يصل إلى وعي مفاهيميٍّ بحرِّيَّته في الدولة إلَّا من خلال التكهُّنات المثاليَّة. ولقد رأى إنجاز فلسفته، وبالتالي الفلسفة ككلّ، في وظيفة الوساطة هذه. وفي نظره، هذه الوظيفة مطابقة لتحوُّل الواقع "بكلِّ مظالمه الواضحة" ومع تراجُع هيبة نظامه في منتصف القرن الماضي في ألمانيا، تمَّ استبدال ميتافيزيقا الروح الموضوعيَّة في مجتمعٍ متفائل فرديٍّ بالإيمان المباشر، بالانسجام المستقرِّ للمصالح الفرديَّة. لقد بدا الأمر كما لو أنَّ الوساطة بين الوجود التجريبيِّ والوعي بالحرِّيَّة في الكلِّ الاجتماعيِّ لم تعد تتطلَّب فلسفة، بل مجرَّد تقدُّم خطِّيٍّ في العلوم والتكنولوجيا والصناعة. ولكن مع تزايد إثبات أنَّ هذا الاعتقاد خالٍ من المعنى، انتقمت الميتافيزيقا المحتقرة. فلقد تخلَّى الفرد عن قناعته الفلسفيَّة بأنَّ حقيقته الحقيقيَّة تكمن في الفكرة الإلهيَّة الجوهريَّة للكلّ، واختبر العالم باعتباره "مزيجًا من التعسُّف"، واختبر نفسه باعتباره "الجزية التي يفرضها الوجود والعالم العابر." ولم تعد النظرة الرصينة إلى الفرد، والآخر Nächste مكشوفة، تحت سطح الإرادات الفرديَّة المتضاربة في نُدرة متجدِّدة باستمرار وراء الإذلال اليوميِّ ورعب التاريخ، المكر الذي قيل إنَّ العقل يستفيد منه. ولقد عاش شوبنهاور، أعظمُ خصوم هيجل، ليرى بدايات التطوُّر المشار إليها في فلسفته المناهضة التاريخَ والمتشائمة وحسنة النيَّة.
إنَّ القناعة بأنَّ الأفراد شاركوا في حياة الروح الأبديَّة بحكم عضويَّتهم في إحدى الوحدات التاريخيَّة المنظَّمة ذاتيًّا، والتي تشكِّل جدليَّتها تاريخ العالم، هذا المفهوم الذي كان من المفترض أن ينقذ الفرد من سلسلة الصيرورة والتلاشي سيِّئة السمعة، اختفى مع المثاليَّة الموضوعيَّة. إنَّ معاناة الأفراد وموتهم مهدَّدة بالظهور في عبثهم العاري، حقائق نهائيَّة في عصر يؤمن بسذاجةٍ بالحقائق. ومع تعميق هذا التناقض في مبدأ الفرديَّة، أي بين التقدُّم المتواصل للسعادة الفرديَّة داخل الإطار الاجتماعيِّ المعطى من جهة، وآفاق وضعها الحقيقيِّ من جهة أخرى، أصبحت الفلسفة، والفلسفة الاجتماعيَّة على وجه الخصوص، مدعوَّة بشكل عاجل أكثر فأكثر إلى القيام ثانيةً بالدور الرفيع الذي نسبه إليها هيجل، وقد استجابت الفلسفة الاجتماعيَّة لهذه الدعوة.
ومن النظريَّة الحذرة للكانطيَّة الجديدة في ماربورغ التي تقول إنَّ البشر ليسوا مجرَّد أفراد، بل يقفون "في مجموعات مختلفة [...] في صفوف" وأوَّلًا يكملون دائرة وجودهم في المجموع الأكبر Allheit، إلى الفلسفات المعاصرة التي تقول (كما هو الحال مع هيجل) إنَّ معنى الوجود الإنسانيِّ لا يتحقَّق إلَّا في الوحدات فوق الفرديَّة للتاريخ، سواء كانت طبقة أو دولة أو أمَّة، من هيرمان كوهين إلى أوتمار سبان، أنتجت الفلسفة في العقود الأخيرة أكثر الأنظمة الاجتماعيَّة الفلسفيَّة تنوُّعًا. وإنَّ المحاولات الفلسفيَّة الأحدث لتأسيس الفلسفة الأخلاقيَّة والقانونيَّة ثانيةً، ضدَّ الوضعيَّة، تتَّفق بالكامل تقريبًا في محاولة إثبات – فوق مستوى الأحداث التجريبيَّة الفعليَّة – وجود عالم أعلى ومستقلٍّ من الوجود، أو على الأقلِّ عالم القيمة أو المعياريَّة التي يكون للبشر العابرين نصيب فيها، ولكنَّها في حدِّ ذاتها لا يمكن اختزالها في أحداث دنيويَّة. وهذا يؤدِّي أيضًا إلى فلسفة جديدة للروح الموضوعيَّة. وإذا كان من الممكن القول إنَّ نظريَّة كيلسن الفرديَّة والنسبيَّة للعدالة تحتوي على مثل هذه العناصر، فإنَّ هذا ينطبق بشكل أكبر على فلسفة القيمة الشكليَّة لمدرسة جنوب غرب ألمانيا، بل وعلى نظريَّة أدولف ريناخ الظواهريَّة القائلة بأنَّ جوهر "الأشكال القانونيَّة" Rechtsgebilde، مثل الملكيَّة والوعود والمطالبات القانونيَّة وما إلى ذلك، يمكن النظر إليها على أنَّها "أشياء" في حدِّ ذاتها. ولقد وجدت أخلاقيَّات شيلر غير الرسميَّة للقيم، ونظريَّته عن المعطى للقِيم
An-sich-sein، مؤخَّرًا ارتباطًا واعيًا بفلسفة الروح الموضوعيَّة في أهمِّ دُعاتها نيكولاي هارتمان. وكان شيلر نفسه قد أشار ثانيةً إلى نظريَّة "المجموعة، العقول" Volksgeister قبل ظهور أخلاقيَّات هارتمان.
ويبدو أنَّ كلَّ هذه الإصدارات المعاصرة من الفلسفة الاجتماعيَّة تشترك في الجهد المبذول لتوفير نظرةٍ ثاقبة لمجال فوق فرديٍّ أهمّ، وأقوى معنًى وجوهريَّة من وجودها الخاصّ. إنَّهم يرتقون إلى مستوى مهمَّة التجلِّي التي وضعها هيجل. وهكذا في العمل الفلسفيِّ الحديث الوحيد الذي يرفض جذريًّا أيَّ طموح إلى أن يكون فلسفة اجتماعيَّة، والذي يكتشف الوجود الحقيقيَّ حصريًّا داخل ذات الفرد الداخليَّة، أي في كتاب هايدغر الكينونة والزمن. إنَّ فلسفة الوجود الإنسانيِّ الفرديِّ هذه ليست، بحسب محتواها البسيط، تحويليَّة بالمعنى الذي وضعه هيجل. أمَّا بالنسبة إلى هذه الفلسفة، بالعكس، فإنَّ الكائن البشريَّ هو مجرَّد وجود حتَّى الموت، مجرَّد محدوديَّة؛ إنَّها فلسفة حزينة. وإذا جاز لي أن أتحدَّث هنا بعبارات متداولة، فيمكن التأكيد أنَّ الفلسفة الاجتماعيَّة تواجه التوق إلى تفسيرٍ جديد للحياة المحاصَرة في سعيها الفرديِّ إلى تحقيق السعادة. ويبدو ذلك جزءًا من تلك الجهود الفلسفيَّة والدينيَّة الرامية إلى غمر الوجود الفرديِّ اليائس في حضن أو، التعامل مع "الخلفيَّة المذهَّبة" Goldgrund للكلِّيَّات ذات المعنى.
ولكن في مواجهة وضع الفلسفة الاجتماعيَّة هذا، هذا أيُّها السادة السيِّدات، يجب أن يُسمح لنا بوصف عيوبها. إنَّ الفلسفة الاجتماعيَّة المعاصرة، كما رأينا، تميل بشكل رئيس، بشكل جدليٍّ نحو الوضعيَّة. وإذا كانت الوضعيَّة تهتمُّ بالخاصِّ فحسب، فإنَّه في عالم المجتمع يُدرك الفرد والعلاقات بين الأفراد فحسب؛ بالنسبة إلى الوضعيَّة، كلُّ شيء مستنفَد في الحقائق المجرَّدة Tatsächlichkeiten، وهذه الحقائق، التي يمكن إثباتها بوسائل العلوم التحليليَّة، لا تشكِّك فيها الفلسفة. ولكنَّ الفلسفة تضع تلك الحقائق بشكل بنَّاء إلى حدٍّ ما، أكثر أو أقلَّ "فلسفيًّا" في مواجهة الأفكار، والجواهر، والكلِّيَّات، والمجالات المستقلَّة للروح الموضوعيَّة، ووحدات المعنى، وما إلى ذلك، والتي تعدُّها أساسيَّة بالقدر نفسه، بل في الواقع، عناصر الوجود الأشدّ أصالة. وهي ترى اكتشاف بعض الشروط الميتافيزيقيَّة المسبقة غير القابلة للإثبات في الوضعيَّة أساسًا للتفوُّق على الوضعيَّة. وفي هذا الصدد، على سبيل المثال، يجب على مدرسة باريتو أن تنكر وجود الطبقة والأمَّة والإنسانيَّة بسبب مفهومها الوضعيِّ للواقع. وعلى نقيض ذلك، فإنَّ وجهات النظر المختلفة التي تؤكِّد وجود مثل هذه الكيانات تظهر ببساطة على أنَّها "نظرة عالميَّة أخرى"، أو "ميتافيزيقا أخرى"، أو "وعي آخر"، من دون أيَّة إمكانيَّة لحلٍّ صحيح للمسألة. ويمكننا القول إنَّ هناك عدَّة مفاهيم للواقع متضمَّنة. وقد يكون من الممكن التحقيق في نشأة هذه المفاهيم المختلفة، أو مع أيِّ نوع من الحساسيَّة الفطريَّة أو المجموعة الاجتماعيَّة تتوافق؛ ولكن لا يمكن تفضيل أحدهما على الآخر لأسباب موضوعيَّة.
والآن، أمام هذه المعضلة التي تواجهها الفلسفة الاجتماعيَّة على وجه التحديد، هذا العجز عن الحديث عن موضوعها، أي حياة الإنسانيَّة الثقافيَّة، بخلاف المصطلحات الإيديولوجيَّة (العالميَّة) والطائفيَّة والطائفة، والميل إلى رؤية الاختلافات في مقالات الإيمان في النظريَّات الاجتماعيَّة لأوغست كونت، وكارل ماركس، وماكس فيبر، وماكس شيلر بدلًا من الاختلافات في الصواب والخطأ، أو على الأقلِّ النظريَّات الإشكاليَّة؛ تكمن هذه المعضلة في الصعوبة التي يجب التغلُّب عليها. وبطبيعة الحال، فإنَّ وجود الواقع المتزامن وصلاحيَّة مفاهيم الواقع المختلفة هو مؤشِّر على الوضع الفكريِّ المعاصر ككلّ. ولكنَّ هذا التنوُّع مترسِّخ في مجالات مختلفة من المعرفة ومجال الحياة، وليس في المجال الموضوعيِّ نفسه. وهكذا، على سبيل المثال، قد تتباعد الفئات التأسيسيَّة لفقه اللغة والفيزياء اليوم بشكل كبير لدرجة أنَّه يبدو من الصعب وضعها تحت مظلَّة واحدة. ولكن، في الفيزياء نفسها، بل وفي علوم الطبيعة غير العضويَّة ككلّ، لا يوجد مثل هذا الاتِّجاه لتطوير مفاهيم غير قابلة للتوافق مع الواقع؛ والعكس هو الصحيح. وهنا، يتمُّ التمسُّك بهذا التصحيح من خلال بحث ملموس في هذا الموضوع.
قد يميل المرء إلى الاعتراض بأنَّ الفلسفة الاجتماعيَّة ليست تخصُّصًا فرديًّا، وأنَّ علم الاجتماع المادِّيِّ هو الذي يجب أن يبحث في الأشكال المحدَّدة للتواصل. ويبحث هذا النوع، من علم الاجتماع، في الطرائق الملموسة المختلفة التي يعيش بها البشر معًا، ويستعرض جميع أنواع التجمُّعات: من الأسرة إلى المجموعات الاقتصاديَّة والجمعيَّات السياسيَّة إلى الدولة والإنسانيَّة. وكما هو الأمر مع الاقتصاد السياسيّ Natlonalökonomie، فإنَّ علم الاجتماع هذا قادر على الحكم الموضوعيّ، لكن ليس لديه ما يقوله عن درجة الواقع أو عن قيمة هذه الظواهر. بل إنَّ مثل هذه القضايا هي في الواقع مسائل تخصُّ الفلسفة الاجتماعيَّة، وفي تلك الأسئلة الأساسيَّة التي تتعامل معها، قد تكون هناك مواقف نهائيَّة، ولكن لا حقائقَ صالحة بوجهٍ عامٍّ يتمُّ نسجها في تحقيقات واسعة ومتنوِّعة.
إنَّ هذه النظرة مترسِّخة في مفهوم فلسفيٍّ لم يعد قابلًا للاستمرار. ومع ذلك، يمكن المرء أن يرسم الحدود بين الفلسفة الاجتماعيَّة والتخصُّص الدقيق في علم الاجتماع، وأعتقد أنَّه لا يمكن تجنُّب قدر كبير من التعسُّف في أيِّ محاولة من هذا القبيل. هناك شيء واحد مؤكَّد، إذا كان الفكر الاجتماعيُّ الفلسفيُّ يتَّصل بالعلاقة بين الفرد والمجتمع، ومعنى الثقافة، وأساس تطوُّر المجتمع، والبنية العامَّة للحياة الاجتماعيَّة – باختصار، في ما يتعلَّق بالأسئلة الكبرى والأساسيَّة – التي تُركت في خزَّان المشكلات الاجتماعيَّة العلميَّة بعد إزالة تلك الأسئلة التي يمكن طرحها في تحقيقات ملموسة، فقد تؤدِّي الفلسفة الاجتماعيَّة وظائف اجتماعيَّة (مثل تغيير الواقع)، لكن لا يمكن تصوُّر العلاقة بين التخصُّصات الفلسفيَّة والتخصُّصات العلميَّة الدقيقة المقابلة إيّاها كما لو أنَّ الفلسفة تتعامل مع المشكلات الحاسمة – في عمليَّة بناء نظريَّات بعيدة عن متناول العلوم التجريبيَّة، ومفاهيمها الخاصَّة عن الواقع، والأنظمة التي تفهم الكلِّيَّة – بينما على الجانب الآخر، يقوم البحث التجريبيُّ بدراساته الفرديَّة الطويلة والمملَّة التي تنقسم إلى ألف سؤال جزئيٍّ، وبلغت ذروتها في فوضًى لا حصر لها من قبل المتخصِّصين. إنَّ هذا المفهوم - الذي بموجبه يجب على الباحث الفرد أن ينظر إلى الفلسفة باعتبارها مشروعًا ممتعًا ربَّما، ولكنَّه غير مثمر علميًّا (لأنَّه غير خاضع للسيطرة التجريبيَّة)، في حين يتحرَّر الفلاسفة، على نقيض ذلك، من الباحث الفرد لأنَّهم يعتقدون أنَّهم لا يستطيعون انتظار الأخير قبل الإعلان عن استنتاجاتهم الواسعة النطاق – يتمُّ استبداله حاليًّا بفكرة البحث المستمرّ. وإنَّ الاختراق الجدليَّ وتطوُّر النظريَّة الفلسفيَّة والممارسة العلميَّة المتخصِّصة، وتطوُّر العلاقات بين الفلسفة الطبيعيَّة والعلوم الطبيعيَّة ككلٍّ وداخل العلوم الطبيعيَّة الفرديَّة، أمثلة جيِّدة على هذا النهج. ولن يتمَّ التغلُّب على التخصُّص الفوضويِّ من خلال التوليفات السيِّئة لنتائج البحوث المتخصِّصة، تمامًا كما لن يأتي البحث التجريبيُّ غير المتحيِّز من خلال محاولة تقليص عنصره النظريِّ إلى لا شيء، بل يمكن التغلُّب على هذا الوضع إلى الحدِّ الذي تكون فيه الفلسفة – كمشروع نظريٍّ موجَّه نحو العامّ، "الأساسيّ" – قادرة على توفير دراسات معيَّنة تحرِّك الدوافع، وفي الوقت نفسه تظلُّ منفتحة بما يكفي للسماح لنفسها بالتأثُّر والتغيُّر من خلال هذه الدراسات الملموسة.
وهكذا يبدو لنا أنَّ القضاء على هذه الصعوبة في وضع الفلسفة الاجتماعيَّة لا يكمن في الالتزام بأحد التفسيرات البنَّاءة إلى حدٍّ ما للحياة الثقافيَّة، ولا في التحديد التعسُّفيّ لمعنًى جديد للمجتمع والدولة والقانون، إلخ. بل – وفي هذا الرأي لستُ وحدي بالتأكيد – فإنَّ السؤال اليوم هو تنظيم الدراسات التي تحفِّزها المشاكل الفلسفيَّة المعاصرة التي يجتمع فيها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والاقتصاديُّون والمؤرِّخون وعلماء النفس، في تعاون دائم لإنجازٍ مشترك يمكن القيام به بشكل فرديٍّ في المختبر، في مجالات أخرى. وباختصار، تتمثَّل المهمَّة في القيام بما أنجزه جميع الباحثين الحقيقيِّين دائمًا: أي متابعة أسئلتهم الفلسفيَّة الكبرى على أساس الأساليب العلميَّة الأدّقّ لمراجعة أسئلتهم وصقلها في سياق عملهم الموضوعيّ، وتطوير أساليب جديدة من دون إغفال السياق الأكبر. وبهذا النهج، لا تنشأ إجابات بنعم أو لا على الأسئلة الفلسفيَّة. وبدلًا من ذلك، تصبح هذه الأسئلة نفسها مُدمجة في عمليَّة البحث التجريبيّ؛ وتكمن إجاباتها في تقدُّم المعرفة الموضوعيَّة التي تؤثِّر بدورها في شكل الأسئلة. وفي دراسة المجتمع، لا يستطيع أيُّ فرد أن يتبنَّى مثل هذا النهج، سواء بسبب حجم المادَّة أو بسبب تنوُّع العلوم المساعدة التي لا غِنى عنها. وحتَّى ماكس شيلر، على الرغم من جهوده الهائلة، فَشِلَ في هذا الصدد.
وفي هذه الحالة، من المناسب أن يتمَّ تحويل الكرسيِّ، في جامعتنا، المرتبط بإدارة معهد البحوث الاجتماعيَّة إلى كرسيٍّ في الفلسفة الاجتماعيَّة، وإعادة ضمِّه إلى قسم الفلسفة. لقد شغل كارل جرونبيرج الكرسيَّ بالتزامن مع مسؤوليَّات التدريس في تخصُّص محدَّد، وهو الاقتصاد السياسيّ. ونظرًا إلى المهمَّة الجديدة والصعبة والثقيلة المتمثِّلة في وضع جهاز بحث تجريبيٍّ كبير في خدمة المشكلات الاجتماعيَّة الفلسفيَّة، فقد أدركتُ تمامًا منذ استدعائي إلى هذا المنصب المسافةَ التي لا تُقاس بين هذا العالم العظيم، الذي يحظى اسمه بأعلى درجات الاحترام والامتنان أينما كان البحث في مجاله جاريًا، والشابِّ المجهول الذي سيخلفه. وينتمي مرضه الطويل إلى تلك الحقائق التي لا معنى لها في الحياة الفرديَّة والتي لا يؤدِّي التحوُّل الفلسفيُّ في مواجهتها إلى أيِّ شيء. ووفقًا لاهتماماته المحدَّدة بدقَّة، والمترسِّخة في تقاليد المدرسة التاريخيَّة الخاصّة بالاقتصاد السياسيّ، فقد عمل هو نفسه في المقام الأوَّل في مجال تاريخ الحركة العمَّاليَّة. وبفضل معرفته الشاملة بالأدبيَّات ذات الصلة في جميع أنحاء العالم، أصبح من الممكن أن يُجمَع، بالإضافة إلى الموادِّ الأرشيفيَّة الغنيَّة، مكتبةٌ متخصِّصة فريدة من نوعها تضمُّ حوالى 50 ألف مجلَّد، وهي مكتبة يقصدُها طلَّاب جامعتنا والعديد من العلماء من هنا ومن الخارج بكثرة. كما تحتوي سلسلة كتابات المعهد، التي قام بتحريرها، أعمالًا أشاد بها الباحثون الخبراء من وجهات النظر الأكثر تنوُّعًا، بوصفها مساهمات علميَّة متميِّزة بشكل موحَّد.
وإذا ما قرَّرت الآن توجيه عمل المعهد نحو مهامَّ جديدة بعد المرض الطويل الذي عانى منه مديره، فإنَّني سأستفيد ليس من خبرة زملائه والأدبيَّات التي جمعها فحسب، بل أيضًا من ميثاق المعهد الذي ألهمه. ووفقًا لهذا الميثاق، فإنَّ المدير الذي يعيِّنه الوزير مستقلٌّ تمامًا "من جميع النواحي، تجاه إدارة الجامعة وكذلك الجهات الراعية"، وبدلًا من الإدارة الجماعيَّة، توجد، كما أحبَّ جرونبيرج أن يقول، "دكتاتوريَّة المدير". وبالتالي سيكون من الممكن في رأيي الاستفادة ممَّا تركه، وعلى الأقلِّ بعبارات أخرى، مع زملائه، إقامة دكتاتوريَّة العمل المخطَّط بدلًا من مجرَّد تجاور البناء الفلسفيِّ والبحث التجريبيِّ في البحث الاجتماعيّ. وباعتباري فيلسوفًا، وفق أستاذي هانز كورنيليوس، فقد استجبتُ للدعوة لقيادة هذا المعهد البحثيِّ مدرِكًا هذه الفرصة التي لا تقلُّ أهمِّيَّة في مجال الفلسفة والبحث التجريبيّ، وليس من أجل تحويل البحث في الحقائق إلى فلسفة مساعِدة.
ولكنَّ كثيرين منكم الآن يرغبون في معرفة كيف يمكن تطبيق هذه الأفكار فعليًّا، وكيف يمكننا تصوُّر تنفيذها عمليًّا. وبطبيعة الحال، لا أستطيع الخوض في هذه المسألة في الوقت المتاح لي هنا بالتفاصيل اللازمة لإعطائكم فكرة كافية عن خطط العمل التي وضعها المعهد لنفسه. ولكن في الختام، أودُّ أن أعطي مثالًا على التطبيق المحتمل للنهج الموضَّح أعلاه، وهو ليس بأيِّ حال من الأحوال مثالًا تعسُّفيًّا تمَّ إعداده لهذه المناسبة، بل هو مثال يرفع القناعة المنهجيَّة المذكورة سابقًا في هذا البحث إلى ذروتها في مشكلة معيَّنة ستشكِّل موضوعًا رائدًا لعمل المعهد الجماعيِّ في المستقبل القريب.
لقد تبلورت، ليس داخل الفلسفة الاجتماعيَّة بالمعنى الضيِّق فحسب، بل في علم الاجتماع وكذلك في الفلسفة العامَّة، المناقشاتُ المتعلِّقة بالمجتمع، ببطء ولكن بشكل أوضح، بشأن سؤال واحد ليس ذا أهمِّيَّة راهنة فحسب، ولكنَّه في الواقع النسخة المعاصرة من أقدم مجموعة من المشاكل الفلسفيَّة، وأهمُّها: مسألة العلاقة بين حياة المجتمع الاقتصاديَّة وتطوُّر الأفراد النفسيّ، والتغيُّرات في عالم الثقافة بالمعنى الضيِّق (الذي لا ينتمي إليه ما يسمَّى بالعناصر الفكريَّة فحسب، مثل العلم والفنِّ والدين، بل أيضًا القانون والعادات والأزياء والرأي العامِّ والرياضة والأنشطة الترفيهيَّة وأسلوب الحياة، وما إلى ذلك). إنَّ مشروع البحث في العلاقات بين هذه العمليَّات الثلاث ليس إلَّا إعادة صياغة على أساس مجموعة المشاكل الجديدة، بما يتَّفق والأساليبَ المتاحة لنا، ومستوى معرفتنا بالسؤال القديم المتعلِّق بالعلاقة بين الوجود الخاصِّ والعقل العالميّ، والواقع والفكرة، والحياة والروح.
ومن المؤكَّد أنَّ الاتِّجاه كان نحو التفكير الميتافيزيقيِّ في هذا الموضوع (أودُّ أن أشير إلى علم اجتماع المعرفة الخاصّ بشيلِر)، أو المضيِّ قدمًا بشكل أو بآخر بشكل عقائديٍّ في بعض الأطروحات العامَّة، أي إِنَّنا عادة ما نتناول بطريقة مبسَّطة إحدى النظريَّات التي نشأت تاريخيًّا، ثمَّ نستخدمها للجدال ضدَّ جميع النظريَّات الأخرى. ومن ثمَّ يمكن تأكيد أنَّ الاقتصاد والروح هما تعبيران مختلفان عن الجوهر نفسه؛ وهذا من شأنه أن يكون سبينوزيَّة سيِّئة، أو بدلًا من ذلك، يزعم المرء أنَّ الأفكار أو المحتويات "الروحيَّة" تخترق التاريخ وتحدِّد تصرُّفات البشر، والأفكار أوَّليَّة، في حين أنَّ الحياة المادِّيَّة، على نقيض ذلك، ثانويَّة أو مشتقَّة، والعالم والتاريخ مترسِّخان في الروح. وسيكون هذا هيجل مجرَّدًا وبالتالي غير مفهوم جيِّدًا، أو بعكس ذلك، يعتقد المرء أنَّ الاقتصاد كوجود مادِّيٍّ هو الحقيقة الوحيدة؛ إنَّ نفسيَّة البشر وشخصيَّتهم وكذلك القانون والفنَّ والفلسفة يجب أن تكون مستمدَّة بالكامل من الاقتصاد، أو مجرَّدَ انعكاسات للاقتصاد. وهذا من شأنه أن يجعل ماركس مفهومًا بشكل تجريديٍّ وبالتالي سيِّئ الفهم. وتفترض مثل هذه المفاهيم بسذاجة انفصالًا غير نقديٍّ، عفا عليه الزمن، وإشكاليًّا جدًّا بين الروح والواقع الذي يفشل في تجميعهما جدليًّا. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ مثل هذه التأكيدات – إلى الحدِّ الذي تؤخذ فيه على محمل الجدِّ في تجريدها – مُحصَّنة بوجهٍ أساسيٍّ ضدَّ كلِّ الضوابط التجريبيَّة: فمن المرجَّح أن يكون الجميع على حقٍّ دائمًا وعلى قدم المساواة. إنَّ مثل هذه القناعات العقائديَّة عادةً ما تكون بمنأًى عن الصعوبات العلميَّة الخاصَّة بالمشكلة لأنَّها تفترض، بوعي أو من دون وعي، وجود تطابق كامل بين العمليَّات المثاليَّة والمادِّيَّة، وتتجاهل أو حتَّى تُهمل دور الروابط النفسيَّة المعقَّد التي تربط بينها.
يختلف الأمر إذا طرحنا السؤال بوجهٍ أدقّ: ما هي الروابط التي يمكن إثباتها بين الدور الاقتصاديِّ لمجموعة اجتماعيَّة محدَّدة في عصر محدَّد في بلدان محدَّدة، وتحوُّل بنية أعضائها الأفراد النفسيَّة، والأفكار والمؤسَّسات ككلٍّ والتي خلقوها وتؤثِّر فيهم؟ ومن ثمَّ تظهر إمكانيَّة إدخال أعمال بحثيَّة حقيقيَّة، وسيتمُّ تناولها في المعهد. في البداية، نريد تطبيقها على مجموعة اجتماعيَّة مهمَّة وبارزة بوجهٍ خاصّ، أي على الحرفيِّين الماهرين والعمَّال ذوي الياقات البيض في ألمانيا، ثمَّ بعد ذلك على الطبقات نفسها في البلدان الأوروبيَّة الأخرى المتقدِّمة.
لا يزال هناك ما يكفي من الوقت لإعطائكم ملخَّصًا موجزًا لأهمِّ المسارات التي يجب على الزملاء الدائمين في المعهد اتِّباعُها من أجل الحصول على المادَّة التجريبيَّة التي يمكن من خلالها دراسة العلاقات المعنيَّة. أوَّلًا تقييم الإحصاءات المنشورة وتقارير المنظَّمات والجمعيَّات السياسيَّة وموادِّ الهيئات العامَّة، وما إلى ذلك. ولا يمكن تنفيذ هذه العمليَّة إلَّا بالتزامن مع تحليلٍ مستمرّ للوضع الاقتصاديِّ العامّ. وعلاوةً على ذلك، يجب علينا أن نقوم بالدراسات الاجتماعيَّة والنفسيَّة للصحافة والرواية، سواء بسبب قيمة النتائج التي توصَّلت إليها في ما يتعلَّق بوضع المجموعات المدروسة نفسها، أو بسبب بنية هذا الأدب التصنيفيَّة، والتي على أساسها يؤثِّر في أعضاء المجموعة. ومن ثمَّ سيكون من الأهمِّيَّة بمكان تطوير أساليب الدراسات الأكثر تنوُّعًا. ومن بين أمور أخرى، يمكن دمج البحوث الاستقصائيَّة في تحقيقاتنا بطرائق مختلفة، ويمكن أن تخدم أغراضًا قيِّمة، ما دُمنا نأخذ في الاعتبار أنَّ الاستنتاجات الاستقرائيَّة المستنِدة حصرًا إلى مثل هذه البحوث سابقة لأوانها. ويتمتَّع البحث المسحيُّ بميزتَين لتحقيق أهدافنا؛ أوَّلًا، ينبغي أن يوفِّر حافزًا أوَّليًّا للبحث ويُبقيه على اتِّصال دائم بالحياة الواقعيَّة. وثانيًا، يمكن استخدام الدراسات الاستقصائيَّة للتحقُّق من الأفكار المستمدَّة من دراسات أخرى، وبالتالي منع الأخطاء. لقد قدَّمت البحوث الاجتماعيَّة الأمريكيَّة مساهمات أوَّليَّة كبيرة في تصميم استبيانات المسح، والتي نأمل في اعتمادها وتطويرها بشكل أكبر لأغراضنا الخاصَّة. وبالإضافة إلى ذلك، سيتعيَّن علينا التشاور على نطاق واسع مع المتخصِّصين الخبراء. وعندما يكون من الممكن متابعة أسئلة معيَّنة من خلال نتائج لم يتمَّ تحليلها حتَّى الآن من قبل باحثين أكفَّاء، فيجب التعامل مع هذه النتائج أينما وُجدت. وفي غالب الأحيان، سوف يتطلَّب هذا الحصولَ على رؤى رجال الأعمال لأغراض علميَّة. وسيكون من المهمّ، علاوةً على ذلك، تجميع الوثائق غير المتوافرة في شكل كتاب وتقييمها. وسيتمُّ افتتاح فرع لمعهدنا في جنيف لتسهيل التقييم العلميِّ للموادِّ ذات الأهمِّيَّة الاجتماعيَّة الموجودة في أرشيفات مكتب العمل الدوليِّ الغنيَّة. وقد وافق السيِّد توماس، مدير منظَّمة العمل الدوليَّة، على خطَّتنا، ووعَد بالتعاون معنا. وبالإضافة إلى كلِّ هذه الوسائل، هناك بالطبع الدراسة المنهجيَّة للكتابات العلميَّة المتوافرة والجديدة في مجال البحث.
إنَّ كلَّ واحدة من هذه الأساليب وحدها غير كافية على الإطلاق، ولكنَّ كلَّ هذه الأمور مجتمعة، في سنوات من الدراسات الصبورة والمكثَّفة، قد تكون مثمرة للمشكلة العامَّة إذا فهم الزملاء الدائمون، في اتِّصال دائم بالمادَّة، أنَّ وجهات نظرهم يجب أن تتطوَّر ليس وفقًا لرغباتهم الخاصَّة، بل وفقًا للقضايا المطروحة، إذا رفضوا بوجهٍ حاسم جميع أشكال التطوُّر، وإذا نجحنا في حماية النيَّة الموحَّدة من الجمود العقائديِّ ومن الغرق في التفاصيل التجريبيَّة التقنيَّة.
وفي الختام، لم يكن بوسعي إلَّا أنَّ أصف مهامَّ المعهد المتعلِّقة بالبحث الجماعيّ، والتي سيتمُّ التركيز عليها بشكل رئيس في السنوات المقبلة. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّنا نتصوَّر استمرارَ أنشطة الزملاء الأفراد البحثيَّة المستقلَّة في مجالات الاقتصاد النظريِّ والتاريخ الاقتصاديِّ وتاريخ الحركة العمَّاليَّة. وسيقوم المعهد بالوفاء بمسؤوليَّته التعليميَّة المتزامنة تجاه الجامعة من خلال تقديم سلسلة محاضرات وندوات ومحاضرات فرديَّة بانتظام. وينبغي أن تُكمِل هذه الأنشطة مهمَّة الجامعة التعليميَّة من خلال تعريف مجتمع الجامعة بعمل المعهد، والإبلاغ عن تقدُّمه الحاليّ، وتقديم منهج دراسيٍّ يتوافق مع مفهوم البحث الاجتماعيِّ الموجَّه فلسفيًّا والموصوف أعلاه.
لم أتمكَّن إلَّا من اقتراح هذه المهامِّ المحدَّدة. ومع ذلك، يبدو لي أنَّه حتَّى تقريري الموجز بشأن التفاصيل ربَّما يكون قد قوَّض تذكُّر الأساسيَّات. وهكذا أصبحت هذه المحاضرة رمزًا للصعوبة الخاصَّة بالفلسفة الاجتماعيَّة – الصعوبة المتعلِّقة بالتداخل بين العامِّ والخاصّ، والتصميم النظريِّ والتجربة الفرديَّة. ولا شكَّ في أنَّ عرضي لم يكن كافيًا في هذا الصدد –. نرجو أن يكون الدافع التوجيهيُّ في هذا المعهد هو الإرادة التي لا تُقهر لخدمة الحقِّ بثبات!
الحواشي
[*] ورد هذا المقال في:
Max Horkheimer, "Die gegenwartige Lage der Sozialphilosophie und die Aufgaben eines Instituts fur Sozialforschung," in: Sozialphilosophische Studien, Wemer Brede (ed.) (Frankfurt am Main, 1972).
الأستاذ محمَّد العربي العياري: باحث ومترجم في مركز الدِّراسات المتوسِّطيَّة والدَّوليَّة- تونس. حائز شهادة الماجستير في القانون الدَّوليِّ العامّ، ويتخصَّص في الفلسفة في الجامعة العربيَّة للعلوم. للكاتب مجموعة مقالات نشرت في مجلَّات علميَّة محكَّمة؛ منها: "الشَّعبويَّة والعنصريَّة الاختلافيَّة وإعادة اختراع أوروبَّا ثقافيًّا. المقاربة الفلسفيَّة لبيير أندري تاغييف"، مجلَّة المشرق، العدد المئة، ج.2، 2026. وصدر للمؤلِّف كتاب بعنوان: النَّظريَّة النَّقديَّة والوظيفة الاجتماعيَّة للفلسفة. أسئلة التَّواصل والاعتراف والتَّسارع. وآخر بعنوان: زمن الاحتجاج والسِّياسة. من فكرة الثَّورة إلى ديمقراطيَّة المخاطر. بالإضافة إلى ترجمات عديدة.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق