article_cover_image

يطرح موران في فلسفته عاملًا همَّشه العقل الغارق في التقدُّم، إنَّه الأسطورة. (رسم الفنَّان Sergio Aquindo)

author_article_image

دانيال عطالله

أنتروبولجيا_الإنسان العاقل المجنون

 

مقدِّمة

"إنَّ الحياة معقَّدة أكثر بكثير ممَّا ظننَّاه، وليس الحلُّ في أن نقوم بتبسيطها، بل أن نعترف بتعقيدها وأن ننطلق منه". هذه الفكرة الأساسيَّة، في فلسفة الفرنسيِّ المعاصر إدغار موران، كانت بمثابة الطعم الأوَّل الذي جذبنا إلى التعرُّف، أكثر فأكثر، إلى فكره. أمَّا الثاني فكان عن دور الفوضى والاختلال في استمرار الحياة. قد نظنُّ أنَّ النظام هو عدم الفوضى والفوضى هي عدم النظام. لكن، في الحقيقة، هناك تفاعل بين هذَين التناقضَين بحيث تُنتِج الفوضى النظام. إنَّ الفوضى تهدِّد النظام، وفي الوقت نفسه تساعد في إنتاجه. إنَّ عالمًا نظامُه محكَم وكامل ولا يتضمَّن الاختلال، هو نظام عاجز عن التطوُّر والتجدُّد والخلق، وبالتالي يُعدَم الوجود البشريُّ الحيُّ فيه. وفي المقابل، لا يمكن تصوُّر عالم مبنيٍّ على الاختلال الكامل لأنَّ غياب الاستقرار التامَّ لا يسمح بأيِّ بناء تنظيميّ. إذا أردنا أن نفكِّر بتعايش الاختلال والنظام، يمكن أن نفكِّر بخلايا جسمنا التي تموت وتتجدَّد بشكلٍ دائم، وهذا ما يؤدِّي إلى استمرارنا وثباتنا في الحياة. أهمِّيَّة هذا الطعم الثاني، هي أنَّ موران يُعيد إلى الطاولة ما كان قد وُضِع جانبًا أو هُمِّش من قِبَل الثَورة العقليَّة.

قادنا الفضول في التعرُّف إلى أفكار موران، إلى قراءة كتاباته في هويَّة الإنسان، في عصرٍ يسيطر فيه العقل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعيُّ بحيث بات العقل ينتِج عقلًا موازيًا نوعًا ما. وها هو موران، مع تعقيده، يطرح على الطاولة عاملًا مهمَّشًا من عوامل الهويَّة الإنسانيَّة، عاملًا همَّشه العقل الغارق في التقدُّم، إنَّه "الأسطورة". علينا أن نوضِّح، منذ البداية، أنَّ الأسطورة لا تعني الخرافة حصرًا، لكنَّها، في بحثنا وفي ما يكتبه موران، ترتبط بكلِّ ما هو أبعد من الواقع أو خارج عنه. ترتبط الأسطورة في بحثنا بالجنون، والرمز، والتماثل، والتخيُّل، وخلق واقع موازٍ للواقع المُعاش. في هذا الإطار سنقدِّم بحثنا عن الأسطورة، فنطرح إشكاليَّتنا بالاستناد إلى فكر موران. هل يمكن أن يعيش الإنسان من دون الأسطورة؟ وهل ترتبط الأسطورة بما هو رجعيٌّ وهدَّام فحسب، فيما يرتبط العقل بما هو متقدِّم وبنَّاء؟ هل الإنسان عاقل أو مجنون أو هو عاقل ومجنون؟


مبادئ إبستيمولوجيا التعقيد الثلاثة

كي نفهم بشكل أفضل التفاعلات والتناقضات التي سيتناولها موران، إن لجهة الثالوث البشريّ، أو لجهة العقل والأسطورة، فلا بدَّ من أن نتعرَّف أوَّلًا إلى مبادئ إبستيمولوجيا التعقيد الثلاثة عند هذا الفيلسوف. تأتي هذه المبادئ في سياق الانتقاد والردِّ على المنهج الكلاسيكيِّ الاختزاليِّ في المعرفة. عمِل الفكر الاختزاليُّ على تشريح الأمور وتبسيطها بفعل علوم متخصِّصة منفصلة بعضها عن بعض، فقدَّم معرفة مشوَّهة بحسب موران. لذلك لا بدَّ من الانتقال من الفكر الاختزاليِّ إلى الفكر المركَّب ضمن إبستيمولوجيا التعقيد. وفي إطار هذه الإبستيمولوجيا يقدِّم موران مبادئه الثلاثة: مبدأ السببيَّة الدائريَّة، مبدأ الحواريَّة، ومبدأ الهولوغراميَّة.[1]


1. مبدأ السببيَّة الدائريَّة (أو الاستدعاء الذاتيّ) - (Récursivité)

كان المبدأُ السائد ضمن إبستيمولوجيا الاختزال الكلاسيكيَّة، هو مبدأ السببيَّة الخطيَّة. المقصود بهذا المبدأ هو تبنِّي فكرة أنَّ السبب يعطي النتيجة، وينتهي الأمر هنا، من دون التفكير بأنَّ النتيجة بدورها يمكن أن تصبحَ سببًا لسببها. يرتبط هذا التفكير بالنظريَّة القائلة بتكوُّن العالم من الذرَّات بحيث إنَّ لكلِّ ذرَّة حيِّزها المكانيّ، وهي في حركة، ويؤدِّي التصادم بين ذرَّتَين إلى تغيير اتِّجاه حركتهما. لدينا سبب وهو التصادم، ولدينا نتيجة وهي تغيُّر الاتِّجاه. يتوصَّل مبدأ السببيَّة الخطيَّة، إذًا، إلى نتائج مغلقة، بمعنى أنَّه بعد الملاحظة والاختبار، نتوصَّل إلى نتائج بسيطة: "أ" يُعطي "ب" دائمًا، وفي كلِّ زمان ومكان. مع إبستيمولوجيا التعقيد، سيقابل هذا المبدأ الاختزاليَّ مبدأ السببيَّة الدائريَّة. كما يدلُّ الاسم عليه، لم نعد في خطّ، بل في دائرة، وهذا يلمِّح إلى إمكانيَّة تبادل الأدوار بحيث تكون نتيجة السبب، سببًا لسببها، فيصبح السبب الأوَّل نتيجة. في هذا الإطار، يُنتِج المنتِج المنتَج لكنَّ المنتَج أيضًا ينتِج منتِجَه.[2] إنَّ مثل هذا المبدأ حاضر أمام عيوننا وفي مجتمعنا. كوَّن الأفراد، بتجمُّعهم وطريقة تواصلهم وتصرُّفاتهم، المجتمعَ البشريّ. غير أنَّ الإنسان الذي يولد في المجتمع، يتأثَّر بدوره بعادات المجتمع وتقاليده. في الحالة الأولى، يُنتِج الإنسان المجتمع، وفي الحالة الثانية يُنتِج المجتمع الإنسان. تتجاوز السببيَّة الدائريَّة "العلاقة الميكانيكيَّة بين السبب ونتيجته، نحو علاقة تفاعليَّة تُتبادل فيها الأدوار بين الأسباب والنتائج."[

3]

2. مبدأ الحواريَّة (أو الازدواجيَّة) - (Dialogique)

اعتدنا، مع المنطق الأرسطيّ، على مبادئ ثلاثة: مبدأ الهويَّة (أ هو أ)، ومبدأ عدم التناقض (لا يمكن لـ "أ" أن يكون "أ" و"لا أ")، ومبدأ الثالث المرفوع (لا يمكن شيئًا أن يكون "أ" و"ب" فهو إمَّا "أ" وإمَّا "ب"). ضمن هذه المبادئ نلحظ عدم إمكانيَّة تداخل الأمور بشكلٍ مشترك. بمعنًى آخر، هناك دائمًا وصول إلى هويَّة واحدة، إلى مبدأ واحد يسود (مثلًا سنصل في النهاية إلى "أ" أو "لا أ" أو "ب"). في حقبةٍ أخرى، ظهرت الجدليَّة مع هيغل، بحيث تتلاقى المتناقضات، لكنَّها في النهاية تجد حلولًا لها ضمن وحدةٍ عليا. أمَّا مبدأ الحواريَّة مع موران فهو يتحدَّث عن شيء مختلف، يتحدَّث عن تلاقي التناقضات وتفاعلها في ما بينها، من دون أن نختزلها في النهاية ضمن وحدة عليا. يقدِّم موران شيئًا مختلفًا عن المنطق الأرسطيّ، كما يقدِّم حواريَّة تختلف عن الجدليَّة الهيغليَّة. في الحواريَّة، إنَّ المتناقضَين اللذَين يتحاربان، لا يلغي أحدهما الآخر، بل يتكاملان ويتعايشان. تجد هذه الفكرة مستنَدًا علميًّا لها مع إثبات العالِم الفيزيائيِّ لويس دو برولي (1882-1987) بأنَّ الضوء يتألَّف من جزيئات ومن موجات. وصلنا مع الفيزياء المعاصرة إلى هويَّة مركَّبة تتعارض بخاصَّة مع مبدأ الثالث المرفوع الأرسطيّ. أصبح من الممكن أن يكون للشيء "أ" و"ب"، كما الضوء "جسيم" و"موجة" في آنٍ واحد. مع هذا التطوُّر، نحن ننتقل من مبدأ الوحدة المجرَّدة الكلِّيَّة أو الاختزاليَّة، إلى مبدأ الوحدة المتعدِّدة.


3. مبدأ الهولوغراميَّة (أو الاحتواء المتبادل) - (Hologrammique)

في حقبة ما قبل التعقيد، ساد بعض المبادئ والمناهج الاختزاليَّة والتبسيطيَّة، فقد كان هناك منهج التعامل مع الجزء والكلّ. هناك المنهج الاختزاليُّ الذي ركَّز على "الأجزاء" في دراسته، فتمَّ ذلك على حساب الكلّ. وهناك المنهج الكلِّيُّ الذي ركَّز على "الكلِّ والمجموع" في دراسته على حساب الأجزاء. يقدِّم موران مع مبدأ الهولوغراميَّة منطقًا مختلفًا، تفسِّره، بشكل أفضل، عبارة "الاحتواء المتبادل". فكما أنَّ الجزء يوجد في الكلّ، فكذلك الكلُّ يوجد في الجزء. وبالتالي كي نعرف الكلَّ لا بدَّ من معرفة الجزء، وكي نعرف الجزء لا بدَّ من معرفة الكلّ. إنَّ الإنسان بمفرده من جهة، والإنسان مع المجتمع من جهة أخرى، هما خير دليلٍ على ذلك. من جهة الإنسان، تمَّ اكتشاف جينات الحمض النوويّ، وبذلك يمكننا أن نرى كيف أنَّ جسم الإنسان يتكوَّن من خلايا تتضمَّن جزيئات الحمض النوويّ (الجزء في الكلّ)، وكيف أنَّ هذه الجزيئات تتضمَّن، من خلال بصمتها الوراثيَّة، وصفًا دقيقًا لهذا الجسم، وكأنَّ كلَّ الجسم هو في جزيئات الحمض النوويّ (الكلُّ في الجزء). وهذا يفسِّر إمكانيَّة القيام بعمليَّة الاستنساخ. أمَّا من جهة الإنسان والمجتمع فنلاحظ كيف أنَّ الإنسان هو فرد من المجتمع (الجزء في الكلّ)، وكيف أنَّ الإنسان يمثِّل هذا المجتمع لأنَّه يتكلَّم بلغته ويتصرَّف وفق تقاليده. بمعنًى آخر، يحمل الإنسان في ذاته خصائص المجتمع من لغة وتقاليد وتصرُّفات (الكلُّ في الجزء).


الثالوث البشريّ

نستمرُّ مع إبستيمولوجيا التعقيد، لكنَّنا نبدأ بالتركيز على بابها الأنتروبولوجيّ. يتحدَّث موران عن ثلاث ثلاثيَّات في الإنسان[4]:

- الفرد/ المجتمع/ النوع

- الذهن/ الدماغ/ الثقافة

- القلب/ العقل/ الغريزة

أوَّلًا، من المهمِّ أن نوضِّح أنَّه لا يمكن حصر الإنسان في عنصر من عناصر الثلاثيَّة ولا في ثلاثيَّة من بين الثلاثيَّات.

ثانيًا، لا يمكن اعتماد ترتيب معيَّن في الثلاثيَّة، فالعقل مثلًا ليس هو الذي يدير الأمور دائمًا. تستطيع الغريزة، التي ترغب بالقتل، أن تستخدم العقل وتشكِّل استراتيجيَّاته لتحقيق هدفها. بهذه الطريقة نرى أنَّ كلَّ عنصر من هذه الثلاثيَّة هو غاية ووسيلة بالنسبة إلى العناصر الأخرى.

ثالثًا، نرى أنَّ العناصر المكوِّنة لكلِّ ثلاثيَّة هي في علاقة حواريَّة، وهذا يعني أنَّها في علاقة تكامل وتضادّ. فالفرد مثلًا يشكِّل المجتمع والمجتمع يشكِّل الفرد. لكن، في الوقت ذاته، قد يكون الفرد تهديدًا لوحدة المجتمع كما قد يكون المجتمع طاغية تؤدِّي إلى إنكار الفرد.

رابعًا، إنَّ تداخل العناصر في كلِّ ثلاثيَّة لا يعني تنوُّع النِسب المئويَّة بحيث تشكِّل معًا نسبة 100%. يقرُّ موران بتلازم كامل، وهذا يعني أنَّ الإنسان بيولوجيٌّ 100% وثقافيٌّ 100%. يعطي مثلًا على ذلك، وهو أنَّ أكثر الأمور البيولوجيَّة (الولادة والجنس والموت)، ترتبط بطقوس دينيَّة ومدنيَّة، وبالتالي فإنَّ أكثر الأمور البيولوجيَّة هي أمور ثقافيَّة في الوقت ذاته. وأكثر الأمور الروحيَّة (تفكير/ تأمُّل)، مرتبطة بالدماغ، وأكثر الأمور جماليَّة (رقص/ غناء)، مرتبطة بالجسد. "الدماغ، الفم، اليد، هي أمور بيولوجيَّة تمامًا وثقافيَّة تمامًا"[5].

إنَّ المبادئ الثلاثة في إبستيمولوجيا التعقيد، والثالوث البشريّ، بخاصَّةٍ في القسم الثالث منه (القلب/ العقل/ الغريزة)، تمهِّد الطريق لثنائيَّة الإنسان "العاقل المجنون" التي طرحناها في عنوان البحث. وما ذكرناه عن التلازم الكامل يلفت انتباهنا إلى أنَّ العقل في هذه الثلاثيَّة ليس صاحب السيطرة، وأنَّ الانفعالات المرتبطة بالقلب وبالغريزة موقعها أوسع ممَّا نتخيَّل. يوضِّح موران أنَّ العقلانيَّة في الثالوث نادرًا ما تكون مهيمنة، في حين أنَّ الانفعالات حاضرة بشكل كامل[6]. وفي سياق حضور الانفعالات إلى جانب العقل في الثالوث البشريّ، يتحدَّث موران عن نظريَّة الدماغ الثلاثيِّ المتَّحد، التي طرحها الدكتور بول ماكلين، وهي أنَّ دماغ الإنسان يضمّ:

دماغ العصر القديم: غريزة، عدائيَّة، جماع (موروث من دماغ الزواحف).

دماغ العصر الوسيط: تطوُّر الانفعالات وتطوُّر الذاكرة طويلة المدى (موروث من الثدييَّات).

قشرة الدماغ: بسيطة لدى الأسماك والزواحف، متقدِّمة لدى الثدييَّات ومتطوِّرة جدًّا لدى الإنسان (هي أمُّ الاختراع وأبو التجريد).

إن ازدحمت المعلومات في ذهننا، فإنَّ المقصود من كلِّ ما عرضناه سابقًا، هو أن نُظهر كيف أنَّ الإنسان معقَّد أكثر ممَّا نعتقد، وكيف أنَّه مركَّب من مكوِّنات متداخلة من دون أن يكون هناك رئيس نهائيٌّ بين هذه المكوِّنات، وكيف أنَّ العقلانيَّة تتداخل مع الغريزة من دون أن تكون سيِّدة عليها بالضرورة.


العقلانيَّة والأسطورة

مع فكرة الدماغ الثلاثيِّ المتَّحد نرى مسارًا تطوُّريًّا يبدأ بسيطرة الغريزة وفق دماغ العصر القديم، وينتهي بتقدُّم الفكر مع قشرة الدماغ. لكنَّ موران الذي يعترف بأهمِّيَّة العقلانيَّة وبالتطوُّر الذي لازمها في الفلسفة والعلم والتقنيَّة، لا يحصر الإنسان بـ "الإنسان العاقل". لا شكَّ في أنَّ العقلانيَّة وتطوُّر التقنيَّة في حياة الإنسان، مكَّناه من سدِّ حاجاته وتعزيز سيطرته على العالم، خصوصًا مع الثورة الصناعيَّة التي بدأت في القرن الثامن عشر في أوروبا الغربيَّة، وامتدَّت إلى العالم كلِّه (البخار، النفط، الكهرباء، الطاقة النوويَّة). لكنَّ هذه العقلانيَّة المتطوِّرة لم تستطع أن تحتكر الهويَّة الإنسانيَّة. كما أنَّ الحضارات الحديثة لا يمكنها أن تحتكر العقلانيَّة.

في الواقع، إنَّ تطوُّر العقلانيَّة وتوسُّعها لم يضعا الأسطورة جانبًا، كما أنَّ العقلانيَّة موجودة في الحضارات القديمة. ينتقد موران علماء الأنتروبولوجيا في القرن العشرين، الذين ركَّزوا على طغيان الأسطورة في هذه الحضارات واستبعدوا حضور العقلانيَّة فيها. إنَّ استراتيجيَّة الصيد مثلًا تعكس العقلانيَّة في المجتمعات القديمة. في المقابل، لم يلغِ تطوُّر العقلانيَّة في العصر الحديث الأسطورة من المجتمع، فمن ناحية أولى، ظلَّت الأديان قائمة، ومن ناحية ثانية، ظهرت أساطير جديدة كالدولة القوميَّة في القرنَين التاسع عشر والعشرين، كما ظهرت الأيديولوجيَّات مثل الماركسيَّة وهي تتشابه مع دين الإنقاذ، ومن ناحية ثالثة، فإنَّ فكرة "العقل" نفسها صارت أسطورة بعد أن صارت "كيانًا إلهيًّا كلِّيَّ الوجود"[7]. بكلِّ بساطة واختصار، الإنسان الأسطوريُّ كان عاقلًا والإنسان العاقل ما زال أسطوريًّا.

إذًا، يتلازمُ "الفكر العقلانيُّ التجريبيُّ" ويتزامن و"الفكر الرمزيَّ التماثليَّ السحريّ" داخل كلِّ فرد وفي كلِّ مجتمع. ونقتبس فقرة لموران يُظهِر فيها تركيبة الإنسان المعقَّدة: "إنَّ الإنسان عاقل Sapiens ومجنون Demens، ومنتِج وتقنيّ، وبانٍ، ومضطرب، وباحث عن اللذة، وانتشائيّ، وشاذّ، وراقص، ومتقلِّب، ومتخيِّل، ومستهام، ومصاب بالعصاب، وشبقيّ، وهدَّام، وواعٍ، ولا واعٍ، وساحر، وتقيّ. كلُّ هذه السمات تتكوَّن وتتبدَّد، ثمَّ تتكوَّن من جديد بحسب الأفراد، والمجتمعات، والأزمنة، موسِّعةً تنوُّع البشريَّة المذهل"[8].

في هذا الإطار، يعود موران ويذكِّر بالمشكلة الإبستيمولوجيَّة والحاجة إلى تبنِّي التعقيد كي نفهم الإنسان بكلِّ تداخلاته. يمكن العقل الكلاسيكيَّ والاختزاليَّ والانفصاليَّ المرتبط بالعلوم المتخصِّصة، أن يحصر الإنسان وفق تخصُّصه. كما أنَّ اعتبار "الأسطورة" أمرًا لاواقعيًّا يمكن أن يضعها في مكان هامشيٍّ بالنسبة إلى دراسة الإنسان. من هنا لا بدَّ من تبنِّي النظرة الجديدة المعقَّدة، التي تنظر إلى الإنسان بتعقيداته، وترى أنَّ الأسطورة جزء لا يتجزَّأ من هذا الكائن: "الأذهان تميل إلى الانفصال الذي يهيمن على أسلوبها في المعرفة، داخل ثقافتنا. إذ لا يمكنها أن تدرك سوى وحدة مجرَّدة، أو اختلافات مفهرسة. وهذا مفتاح المشكلة الإبستمولوجيَّة لمعرفةٍ ما ولفهم الإنسان: فثمَّة استحالة في إدراك المتعدِّد داخل الواحد والواحد داخل المتعدِّد فيما يتَّصل بالفكر الانفصاليِّ الذي يفصل الإنسان البيولوجيَّ عن الإنسان الاجتماعيّ، وبالفكر الاختزاليِّ الذي يحيل الوحدة البشريَّة إلى مجرَّد كائن بيولوجيٍّ تشريحيّ"[9].


الأسطورة بنت الموت وأمُّه

لا مفرَّ إذًا من هويَّة الإنسان الأسطوريَّة، إلى جانب هويَّته العقليَّة وكلِّ هويَّاته الأخرى المتناقضة والمتكاملة. وإن كنَّا نبحث عن منبع الوجه الأسطوريِّ في حياة الإنسان، فإنَّ الموت يشكِّل إجابة أساسيَّة لنا. في الواقع، يتحدَّث موران عن ثلاثيَّة أنتروبولوجيَّة للموت: الوعي بالموت، الصدمة تجاه الموت، والأسطورة والطقس الذي يتجاوز الموت من خلال فكرة الحياة بعد الموت أو الخلود[10]. إنَّ وعي الإنسان بالموت والصدمة تجاه هذا الموت يشكِّلان في فكر الإنسان نقيض الموت وهو مبدأ الخلود. منذ القِدم، تعكس الحضارات إيمان الإنسان بالحياة بعد الموت، إذ كان الإنسان في المجتمعات القديمة، يدفن أسلحةً وطعامًا مع الشخص الميِّت، ما يدلُّ على نكران الموت والإيمان أنَّ هناك حياة تستمرّ. كما كانت هناك مجتمعات تضع الميِّت على شكل جنين وهذا يدلُّ على إيمان بولادة جديدة[11]. من أجل هذا، قلنا في عنوان الفقرة إنَّ الأسطورة هي بنت الموت، ووعي الإنسان بالموت يصدمه، ويقلقه، ويدفعه إلى طرح أسئلة عن وجوده. أمام هذا القلق الوجوديِّ الذي يبحث عن مُنقِذ، تحقِّق الأسطورة "الأمان الأنطولوجيَّ للإنسان الحائر"[12]. نلاحظ أنَّ كلَّ حضارة تبحث في مخيِّلتها عن منقذ، عن أسطورة تعطيها الأمان، غير أنَّ شكل الأسطورة والتعبير عنها يختلفان من حضارة إلى أخرى. لذلك تُعَدُّ الأسطورة موحِّدة ومفرِّقة في آن. إنَّها موحِّدة لأنَّها مشتركة لدى كلِّ أفراد النوع البشريّ. وهي مفرِّقة لأنَّها تختلف بين حضارة وأخرى. وفي طريقةٍ لا تخلو من التهكُّم ربَّما، يذكِّر موران بأنَّ "التاريخ يبيِّن لنا أنَّ الله الموحِّد أصبح مختلفًا وعدوًّا بحسب الذين يتحدَّث إليهم: حاخامات، أو أئمَّة، أو كهنة وقساوسة"[13].

إنَّ هذه الأسطورة الموحِّدة والمفرِّقة في الوقت ذاته، ليست بنت الموت فحسب، لكنَّها أمُّه أيضًا. نقصد بهذا أنَّها هي، أي الأسطورة، التي تدفع الإنسان في الكثير من الأحيان إلى الموت من أجلها. إمَّا يقتل ويموت من أجلها، وإمَّا يقتل ويموت بحجَّتها. لنأخذ على سبيل المثال حرب اليوم بين حماس وإسرائيل، والذي يذهب ضحيَّتها الكثير من الفلسطينيِّين الأبرياء، والتي لم يسلم منها بعض الإسرائيليِّين الأبرياء أيضًا. بعيدًا عن الاصطفافات، ولنحلِّل الأمر بموضوعيَّة. من ناحية حماس، نذكر أسطورَتَين أساسيَّتَين في استمرار آلة القتل والموت. الأسطورة الأولى ترتبط بزوال الكيان الإسرائيليِّ والتي لا تخلو من الارتكاز على آيات قرآنيّة[14]. أمَّا الأسطورة الثانية فترتبط بحياة الشهيد بعد الموت ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ﴾. [سورة البقرة، آية: 154]. أمَّا من ناحية إسرائيل فنذكر أسطورتَين أساسيَّتَين أيضًا في استمرار آلة القتل والموت. ترتبط الأولى بأهداف الحرب المُعلنة وهي القضاء على حماس وتحرير الأسرى. إنَّ تفكيرًا بسيطًا بهذين الهدفَين يكفي أحدهما للآخر في خانة الأسطورة. ترتبط الأسطورة بما ليس واقعيًّا، أو بخلق واقع موازٍ ليستمرَّ الإنسان في ما يعيشه. إنَّ القضاء على حماس هو، نوعًا ما، غير واقعيّ، لأنَّ كلَّ المقاتلين الذين يموتون، وكلَّ الأبرياء الذين يُقتَلون، يخلِّفون من بعدهم أجيالًا من اليتامى المليئين بالغضب وبرغبة الانتقام، وهذا يعني أنَّ القضاء على حماس قد يولِّد "حماسات". أمَّا تحرير الأسرى فهو هدف أسطوريٌّ غير واقعيٍّ أيضًا لأنَّه، بكلِّ بساطة، مات قسمٌ من هؤلاء الأسرى، فسقطت هذه الحجَّة "المنطقيَّة والمموَّهة" مع أوَّل قتيل من الأسرى. أمَّا الأسطورة الثانية فهي ترتبط بأرض الميعاد المذكورة في سِفر التكوين (15: 18-21)، والتي يعتمد عليها الإسرائيليُّون لتبرير هدفهم باحتلال فلسطين، كون هذه الأرض مرتبطة بوعد الله لهم.

نلاحظ إذًا كيف أنَّ الأسطورة هي أمُّ الموت، لأنَّها بعد أن كانت حلًّا لقبول الصدمة الناتجة من الوعي بهذا الفناء المظلم باتت محفِّزًا يثبِّت الإنسان في ذهابه نحو هذا الفناء، نحو موته. وإن كان موران يتحدَّث عن أيديولوجيَّات اجتماعيَّة وسياسيَّة، مثل الماركسيَّة والديمقراطيَّة، كأساطير احتلَّت مكان الأساطير الدينيَّة، فإنَّ الثنائيَّة الأسطوريَّة الدينيَّة والسياسيَّة لازالت حاضرة بشكلٍ واضحٍ في الشرق، وهذا ما لاحظناه لدى بحثنا عن الأساطير المحرِّكة للصراع الفلسطينيِّ الإسرائيليّ. تتداخل أهداف القضاء على إسرائيل أو القضاء على حماس، بأهداف الموت في سبيل القدس أو الموت تحقيقًا لأرض الميعاد. وهكذا يعبِّر موران عن دور الأسطورة المزدوج في ما يتعَلّق بالموت إذ يمكن "أن نموت وأن نحيا من أجل الفكرة، كما نفعل ذلك تمامًا من أجل الإله"[15].


التحالف الهدَّام بين العقل والجنون

نتذكَّر في أيلول من العام 2019 نقاشًا مع أحد المتخصِّصين في الذكاء الاصطناعيّ، الذي كان ينتقد الدين، ويرفض أسطورة الإله. وأحد الأسباب الأساسيَّة لرفضه يرتبط بالعنف في الدين، وكيف أنَّ هذا الأخير وعلى مرِّ السنوات سبَّب حروبًا قضت على حياة الكثير من الناس. ونحن لا ننفي هذه الحقائق التاريخيَّة، لكنَّنا إذا فكَّرنا بمنطق موران، وجدناها حججًا ساقطة. أوَّلًا، لا يمكن حصر الإنسان في هويَّة عقليَّة علميَّة. مع تطوُّر العقل والعلم، نُظِر إلى الإنسان على أنَّه "الإنسان العاقل، العامل، الإداريّ": فهو يفكِّر ويعمل ويحقِّق المنفعة. لكنَّ موران يرى أنَّ حصر الإنسان بالإنسان العاقل هو حصرٌ ناقص، لأنَّنا نضع جانبًا الحياة العاطفيَّة، والخيال، والتسلية، والجمال، والأسطورة، والدين. لذلك "يجب تصحيح مفهوم الإنسان العاقل واستكماله ومجادلته"، و"قد يكون مخالِفًا للصواب وضربًا من الجنون والهذيان حَجْبُ عنصر اللامعقول والجنون والهذيان عن الكائن البشريّ"[16]. ثانيًا، لم يلغِ تطوُّر الإنسان العاقل الحروب المميتة في القرن الواحد والعشرين. فحيث يواصل الإنسان ادِّعاءه أنَّه عاقل، وحيث يهيمن "الإنسان العامل" و"الإنسان الإداريّ"، تبقى البربريَّة متأهِّبة للظهور. والواقع أنَّه في "العشرين سنة الأخيرة، حدثت صراعات وحروب أودت بحياة اثني عشر مليون قتيل"[17]. ثالثًا، إن كانت الأسطورة شريكة في قتل الآلاف من الناس، فإنَّ العقل كان شريكًا في قتل الملايين منهم. إنَّ الأسطورة أو الجنون دمَّرا العديد من الحضارات وقتلا الكثير من البشر، لكنَّ العقلانيَّة، التي أنتجت الفلسفة والعلم، أنتجت أيضًا الأسلحة التي بإمكانها أن تبيد البشريَّة مثل الأسلحة النوويَّة. ونحن لا نتحدَّث عن قنبلة هيروشيما في العام 1945 فحسب، بل نتحدَّث كذلك عن التلويح بحرب نوويَّة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا في العام 2024. وإن كان هذا الحديث في إطار التهويل، فليس هناك أيُّ ضمانة نهائيَّة تمنع حدوثه.

يوضّح موران في ما يأتي تفاعل العقل والجنون الذي يمكن أن يجعل من الأوَّل خادمًا للأخير، فيُنتجان تحالفًا هدَّامًا: "في الإبداع البشريِّ ثمَّة قيادة مزدوجة دائمًا للعاقل والمجنون في لبِّ دائرةٍ ثنائيَّة القطب. المخلوق البشريُّ مخلوق عاقل وغير عاقل، قادر على التدبير باعتدال وعلى المغالاة، عقلانيٌّ وانفعاليّ، معرَّض لانفعالات مكثَّفة وغير مستقرَّة، يبتسم ويضحك ويبكي، لكنَّه يجيد أيضًا المعرفة على نحو موضوعيّ؛ وهو مخلوق جادٌّ ومحتسب، لكنَّه أيضًا قلق ومكتئب ومتلذِّذ وثمِل ومنتشٍ؛ وهو مخلوق يتَّسم بالقسوة والحنان والحبِّ والكراهية؛ مخلوق جامح الخيال لكن بإمكانه تمييز الواقع. يعرف الموت لكنَّه لا يستطيع أن يصدِّقه. يُفرِز الأسطورة والسحر وكذلك العلم والفلسفة؛ تستأثر به الآلهة والأفكار لكنَّه يشكِّك بالآلهة وينتقد الأفكار، ولا يتغذَّى على المعارف الصرفة فحسب ولكن أيضًا على الأوهام والخيال. وعندما يفقد التحكُّم بالضوابط العقلانيَّة والثقافيَّة والمادِّيَّة، ويحدث التباس بين الموضوعيِّ والذاتيِّ وبين الواقع والخيال، وتهيمن الأوهام وتنفرط المغالاة، يستعبد الإنسانُ المجنون، حينئذ، الإنسانَ العاقل ويُخضع الذكاء العقلانيَّ لنزعاته الوحشيَّة"[18]. إنَّ هذا الانفجار الوحشيَّ يتعلَّق بغياب ثلاثة مقوِّمات في الوقت نفسه. المقوِّم الأوَّل هو "العالم الخارجيُّ حيث يقاوم الواقع مبدأ الرغبة". يخرق الجنون مقاومة العالم الخارجيِّ فيفرض التدمير والمذابح. المقوِّم الثاني هو مقوِّم "العقلانيَّة" إذ تصبح أداة في خدمة الاندفاع الغريزيِّ المدمِّر. أمَّا المقوِّم الثالث فهو "المقوِّم الاجتماعيُّ الثقافيّ" الذي يضع حواجز ومحرَّمات أمام العدوانيَّة والعنف. عند سقوط هذا المقوِّم، تضع الثقافة نفسها في خدمة الحرب والقمع المكثَّف. هكذا تشكِّل الانفعالات الرابط بين العقل والجنون. وإذا ما التقى الجنون الغرائزيُّ الجامح مع عقلٍ مدبِّر وقوَّة مسلَّحة لدولةٍ ما، أسفر هذا الالتقاء عن موت الملايين[19].


تبنِّي الجنون والأسطورة والمتخيَّل

ما عرضناه في بحثنا حتَّى الآن أظهر الأسطورة على أنَّها مكوِّن لا مفرَّ منه في الهويَّة الإنسانيَّة، لكنَّه أظهرها غالبًا كمكوِّن سلبيّ. وقد رأينا كيف أنَّ الأسطورة التي أوجدها الإنسان ليتخطَّى الموت، قد شجَّعت الإنسان على الموت. كما رأينا كيف أنَّ الجنون لا يشجِّع الإنسان على الموت فحسب، بل يتحالف مع العقل ويطوِّعه في خدمته، ضمن تحالفٍ هدَّام قادر على أن يقضي، بل إنَّه قضى، بالفعل، على حياة الملايين.

لكنَّنا نهتمُّ، في هذه الفقرة، بلفت الانتباه إلى أنَّ هذا المكوِّن الأسطوريَّ في الهويَّة الإنسانيَّة، والذي أثبت وجوده على مدى عصور من دون أن يفنى مع تقدُّم العقل، هو مكوِّن قادر على تعزيز الحياة وتطعيمها بشكلٍ بنَّاء كما العقل. يوضِّح موران أنَّ عمليَّة توليد العبقريَّة هي ذاتها يمكن أن تكون عمليَّة توليد الجريمة والجنون عبر تحطيم كلِّ الضوابط بفعل كثافة القدرات الانفعاليَّة. كلُّ هذا مرتبط بالحواريَّة الدائريَّة: "العقلانيَّة-الانفعالات-المتخيَّل-الواقع-الجنون-العصاب النفسيّ-الإبداعيَّة". "فالمجرم والمجنون والقدِّيس والنبيُّ والعبقريُّ والمجدِّد، كلٌّ على طريقته، لا يخضع للمعايير"[20]. هذا يعني أنَّ الجنون المؤدِّي إلى الجريمة، قادر على أن يكون جنونًا يولِّد العبقريَّة، لأنَّ الجنون هو هذا التفلُّت من الواقع، هذا الخرق نحو جديد. لذلك على الإنسان ألَّا يبحث عن القضاء على هذا الشقِّ الأسطوريِّ الرمزيِّ التصوُّريِّ المجنون واللاواقعيِّ كي يحافظ على حياته، بل عليه أن يتبنَّى هذا الوجه من هويَّته. أردنا أن نستخدم تعبير تبنِّي لأنَّ عمليَّة التبنِّي هي عمليَّة يقوم بها أهل تجاه طفل متروك، فيحاولون الاعتناء به. وهذا التبنِّي لا يرتبط بالاعتناء بالطفل فحسب بل بتلبية رغبة الأهل في عيش الأبوَّة والأمومة، في عيش هويَّـتهم. لذلك فإنَّ تبنِّي الإنسان للأسطورة والجنون والمتخيَّل هو تبنٍّ مزدوج. إنَّه اعتناء بهذه الثلاثيَّة كي تنمو نحو العبقريَّة البنَّاءة بدل الجريمة الهدَّامة والمُبيدة، كما أنَّه الاعتراف بالهويَّة الأنتروبولوجيَّة التي تتضمَّن الحاجة إلى تنفُّس الجنون في الإنسان بدل القضاء عليه من جهة العقل. إنَّ العقل الذي يحاول أن يقضي على الجنون يصبح بدوره مجنونًا. "لا يمكن التخُلّص من الجنون، ولكن ينبغي التوصُّل إلى التخلُّص من جوانبه المرعبة. فالجنون أيضًا مشكلة رئيسة للإنسان وليست مخَلَّفاته أو مرضه فحسب"[21]. تحتاج الحياة البشريَّة إلى تحقيق تجريبيّ، وتصحيح منطقيّ، وممارسة البرهنة، لكنَّها أيضًا بحاجة إلى أن تتغذَّى بالإحساس والتخيُّل والحبِّ الذي يغذِّي جميع المصادر الخياليَّة، وما يفعله الفكر التركيبيُّ هو أنَّه "يعيد اللحمة الإبستيمولوجيَّة والأنطولوجيَّة بين الشقِّ العقليِّ والمنطقيِّ الذي ألَّهه الإنسان الحديث وبين الشقِّ الوجدانيِّ والشاعريِّ الذي أهمله العلم الحديث الذي لا يشعر"[22]. لعلَّ أفضل تعبير عن معنى الخيال والأسطورة واللاعقلانيِّ في حياتنا هو أنَّه بشكلٍ أو بآخر، معنى حياتنا بذاته. وقد قال الممثِّل روبين ويليامز في فيلم Dead Poet Society: "نحن لا نقرأ ونكتب الشعر لأنَّه شيء ظريف، نحن نقرأ ونكتب الشعر لأنَّنا ننتمي إلى العرق البشريّ، والعرق البشريُّ مليء بالشغف. الطبّ، المحاماة، إدارة الأعمال، الهندسة هي مساعٍ نبيلة ضروريَّة لاستمرار الحياة، لكنَّ الشعر، الجمال، الرومانسيَّة، والحبّ، هذه الأمور هي ما نبقى على الحياة من أجلها".


خلاصة

لقد عرضنا في هذا البحث التركيبة المعقَّدة للإنسان بحسب موران، انطلاقًا من مبادئه في إبستيمولوجيا التعقيد، ومن كلامه عن الثالوث البشريِّ بحيث يظهر أنَّ الإنسان عقلانيٌّ 100% وغريزيٌّ 100%. ثمَّ رأينا كيف أنَّ الأسطورة أتت من رحم الموت كحلٍّ لتخطِّيه، وكيف تشكِّل في الوقت ذاته الطريق نحو الموت. لكنَّ هذه الأسطورة التي من الممكن أن تكون مميتة، لم تكن لتقدر أن تقتل الملايين من العالم، لولا عقلانيَّة التقنيَّة المتطوِّرة وأسلحتها الفتَّاكة. لهذا، ليس العقل بريئًا بقدر ما نظنّ، وليست الأسطورة مذنبة بقدر ما نظنّ. لا بل على العكس، تتَّصل الأسطورة بالعبقريَّة والإبداع، وهذا ما أردنا أن نسِلّط الضوء عليه. بمعنى أنَّنا ندعو "الإنسان العاقل" ليتحالف مع "جنونه الأسطوريّ" في سبيل العبقريَّة والإبداع بدل الجريمة والإبادة. مع كلِّ هذا، يمكننا أن نجيب عن الإشكاليَّة بوضوح، مستندين إلى فكر موران، بأنَّ الأسطورة وجهٌ لا مفرَّ منه في الهويَّة الإنسانيَّة، وبأنَّ الهدم لا يرتبط بالأسطورة حصرًا والبناء لا يرتبط بالعقل حصرًا، بل يستطيع الإثنان أن يتعاونا في سبيل هذا وذاك.

بالإضافة إلى ذلك، إنَّ ما يحصل في الشرق من حروب دليل على حضور الأسطورة الدينيَّة السياسيَّة بشكلٍ قويّ، لذلك هدفَ البحث إلى الإضاءة على هذا الموضوع. إذ يبدو أنَّ أحد عوامل تعزيز السلام في الشرق يرتبط بفهم الأساطير السياسيَّة الدينيَّة المختلفة، ونشر فهمٍ جديد لها لتهدئة العقليَّة الصراعيَّة وإيجاد حلول أخرى للرغبات المتنازعة. في هذا الإطار نستذكر مثلًا كتاب الأب ويليام سيدهم أرض الميعاد بين وعد إبراهيم ووعد بلفور، الذي يُظهر كيف تعتمد إسرائيل على أسطورة أرض الميعاد في ترسيخ امتدادها، في حين أنَّ الفهم غير الحرفيِّ للتوراة من شأنه أن يُظهر أنَّ أرض الميعاد ليست أرضًا جغرافيَّة. هذا يعني إسقاط حجَّةٍ من حجج الحرب وفرض نقاش جديد عن هذه الإشكاليَّة.

إنَّ ما طرحناه عن دور الأسطورة الثابت، وعن تبنِّي الجنون في الإنسان، وعن توجيه هذا المكوِّن نحو إبداع البشريَّة بدل إبادتها، هو مجرَّد بوصلة لطريقٍ مجهول على الصعيد العمليّ. لذلك نختم بحثنا بسؤال يوجِّهه موران إلينا: ""أيمكننا أن نأخذ على عاتقنا المصير الحواريَّ للإنسان العاقل المجنون، أي الاحتفاظ بالعقل من دون الانغلاق عليه، والاحتفاظ بالجنون من دون الاستغراق فيه؟"[23]


قائمة المصادر والمراجع

1. خليفة، داود. إبستيمولوجيا التعقيد. دراسة لبراديغم التعقيد والفكر المركَّب لدى إدغار موران. أطروحة دكتوراه في الفلسفة، جامعة وهران، كلِّيَّة العلوم الاجتماعيَّة، 2016، 292 ص.

2. قرقي، إيمان. «الفكر الدينيُّ والأسطوريُّ في زمن الحداثة العلميَّة وفق منظور المساءلة التركيبيَّة لإدغار موران». دراسات، المجلَّد 13، العدد 2، 2022، (563-587).

3. موران، إدغار. الفكر والمستقبل. مدخل إلى الفكر المركَّب. ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي. المغرب: دار توبقال للنشر، 2004.

4. _______. النهج. إنسانية البشريَّة الهويَّة البشريَّة. ترجمة هناء صبحي. ط.1. أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009.



الحواشي

[1]   داود خليفة، إبستيمولوجيا التعقيد. دراسة لبراديغم التعقيد والفكر المركَّب لدى إدغار موران، أطروحة دكتوراه في الفلسفة، جامعة وهران، كلِّيَّة العلوم الاجتماعيَّة، 2016، 292 صفحة، 200.

[2]   إدغار موران، الفكر والمستقبل. مدخل إلى الفكر المركَّب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي (المغرب: دار توبقال للنشر، 2004)، 86.

[3]   خليفة، االمرجع السابق، 200-203.

[4]   موران، النهج. إنسانيَّة البشريَّة الهويَّة البشريَّة، ترجمة هناء صبحي، ط.1 (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2009)، 65.

[5]   موران، المرجع نفسه، 67.

[6]   موران، المرجع نفسه، 149.

[7]   موران، المرجع نفسه، 53.

[8]   موران، المرجع نفسه، 80.

[9]   موران، المرجع نفسه، 82.

[10] موران، المرجع نفسه، 150.

[11]  موران، المرجع نفسه،59.

[12] إيمان قرقي، «الفكر الدينيُّ والأسطوريُّ في زمن الحداثة العلميَّة وفق منظور المساءلة التركيبيَّة لإدغار موران»، دراسات، المجلَّد 13، العدد 2، 2022، 564.

[13] موران، المرجع السابق، 71.

[14] ﴿وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥ ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦ إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨﴾ [سورة الإسراء، الآيات: 4-8]

[15]   قرقي، «الفكر الدينيُّ والأسطوريُّ في زمن الحداثة العلميَّة وفق منظور المساءلة التركيبيَّة لإدغار موران»، 572.

[16] موران، النهج. إنسانيَّة البشريَّة الهويَّة البشريَّة، 140.

[17]   موران، المرجع نفسه، 142.

[18]  موران، المرجع نفسه،153.

[19]  موران، المرجع نفسه، 143-145.

[20] موران، المرجع نفسه، 152.

[21] موران، المرجع نفسه، 155.

[22] قرقي، المرجع  السابق، 582.

[23] موران المرجع  السابق، 345.




دانيال عطالله: دارسٌ لبنانيٌّ في الرهبنة اليسوعيَّة، ومساعِد في تنسيق البرامج والورشات الفنيَّة والتكوينيَّة ضمن فريق بيت ألبيرتو اليسوعيِّ في جرمانا – الشام، منذ آب 2024. حائز ماجستير في علم نفس العمل من الجامعة اللُّبنانيَّة، وعنوان الرسالة:

La relation entre l’appartenance au scoutisme et l’engagement organisationnel affectif chez les employés des ONG au Liban ، وإجازة في الفلسفة والحضارة العربيَّة من الجامعة اليسوعيَّة.

[email protected]




تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق