هل ما زال الشعب اليهوديُّ هو شعب الله المختار؟!!!
مقدِّمة
(1) شعب الله المختار (Populus Dei Electus)؛ تمَّ طرح هذا المفهوم الكتابيِّ بقوَّةٍ مؤخَّرًا في وسائل التواصل الاجتماعيّ، ولا سيَّما بعد قيام الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى منذ ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ وحتَّى الآن، ما يفتح مجالًا لاهوتيًّا لعدَّة تساؤلات دينيَّة، نحاول إيجاد إجابات عنها، وذلك على ثلاثة مستويات (كتابيًّا ولاهوتيًّا وسياسيًّا)، مثل:
ما مفهوم شعب الله المختار كتابيًّا في العهد القديم؟ لماذا اختارَ الله الشعب اليهوديَّ ليقيم عهده معه؟ ما مسيرة الله مع هذا الشعب؟ ما مفهوم الله لاختيار هذا الشعب؟ وكيف تمَّ إساءة فهمه من قبل اليهود؟ هل اختيار الله للشعب اليهوديِّ يعني وجوب خلاص هذا الشعب؟ هل رفضُ الشعب اليهوديِّ المتكرِّر في العهد القديم، يدفع الله إلى رفض هذا الشعب؟ هل يمكننا النظر إلى شعب إسرائيل اليوم على أنَّه شعب الله المختار، وإلَّا فمَنْ هو شعب الله المختار اليوم؟ ماذا عن اتِّهام اليهود بقتل المسيح؟ ما هو مصير اليهود الذين أنكروا المسيح، وأصرُّوا على التخلُّص منه؟ بماذا يؤمن يهود إسرائيل اليوم؟ «الله يريد أنَّ جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحقِّ يقبلون» (٢ تيم١: ٤): هل الخلاص محتكَر لليهود فحسب أم الخلاص للجميع... كيف وضَّح العهد القديم شموليَّة الخلاص، وكيف فهمت الكنيسة الأولى ذلك، وكيف تفهم كنيسة اليوم هذا الأمر؟ هل يمكن النظر إلى الكنيسة على أنَّها حلَّت محلَّ شعب بني إسرائيل أم هي امتدادٌ له؟ ما المقصود بالمصطلحات الآتية: لاهوت الاستبدال - الاستيفاء – التدبيريّ – لاهوت العهد؟ ما هو معتقد تيَّار الصهيونيَّة المسيحيَّة اليوم؟ هل من خلاصٍ لليهود في نهاية الزمان كعلامةٍ إسكاتولوجيَّةٍ؟ ماذا يقول بُولُس الرسول في (رو٩-١١) عن خلاص اليهود؟ ما تعليم الكنيسة الكاثوليكيَّة تجاه اليهود انطلاقًا من وثيقة "في عصرنا"؟
(2) هناك صعوبة في التحدُّث في هذا الأمر لعدَّة أسباب، منها:
تداخل المفاهيم الكتابيَّة واللاهوتيَّة والسياسيَّة بشكلٍ كبيرٍ ومُعقَّد، حساسيَّة موقف الكنيسة الكاثوليكيَّة سياسيًّا تجاه دولة إسرائيل اليوم، الموقف الشعبيُّ العدائيُّ للمصريِّين تجاه اليهود على مدار عقود، عدم وجود وثائق كنسيَّة كاثوليكيَّة تستفيض بشأن هذا الأمر (شعب الله المختار)، الزجُّ بالمفاهيم اللاهوتيَّة في النواحي السياسيَّة اليوم، تجنُّب الخوض في الأمور السياسيَّة بصفةٍ عامَّة، البحث في أسباب الحروب الدينيَّة خصوصًا كلَّ صراعات دولة إسرائيل اليوم، الخلط في فهم كلمة "إسرائيليّ" ما بين الانتماء إلى الديانة اليهوديَّة والانتماء إلى دولة إسرائيل. لكنَّنا سنحاول تناول هذا الموضوع بطريقةٍ منهجيَّةٍ محايدة على جميع الأبعاد والمستويات.
أوَّلًا: شعب الله المختار في العهد القديم[1]
(٣) في نظرةٍ شاملة عند قراءة التاريخ المقدَّس في العلاقة بين الله والإنسان، نجد أنَّ مسيرة العهد القديم تبدأ بخلق الله للإنسان بفيضٍ من محبَّته اللامتناهية، وبحُرِّيَّة الإنسان الكاملة سقطَ في الخطيَّة، وفقدَ نعمًا كثيرة، ولكنَّ الله بجزيل محبَّته يُعدُّ الخلاص للإنسان الساقط بوعده: «أضعُ عداوةً بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها. هو يسحقُ رأسكِ وأنتِ تسحقين عقبه» (تك ٣: ١٥). ثمَّ اختار الله الشعب اليهوديَّ ليكون لهم إلهًا[2]، انطلاقًا من دعوة إبراهيم: «اذهبْ من أرضكَ ومن عشيرتكَ ومن بيت أبيكَ إلى الأرض التي أُريك. فأجعلكَ أمَّةً عظيمةً وأُبارككَ وأُعظِّم اسمكَ، وتكون بركة. وأُبارك مُباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيكَ جميع قبائل الأرض» (تك ١٢: ١-٣)، فأصبحَ إبراهيم أبًا لجميع المؤمنين وقناة بركة لجميع شعوب الأرض. هذا الاختيار الإلهيٌّ للشعب اليهوديِّ ليس لكونهم أفضل الشعوب وأميزها: «لأنَّكَ أنتَ شعبٌ مقدِّسٌ للرَّبِّ إلهك. إيَّاك قد اختارَ الرَّبُّ إلهكَ لتكونَ له شعبًا أخصَّ من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض، ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب، التصقَ الرَّبُّ بكم واختاركم، لأنَّكم أقلُّ من سائر الشعوب. بل من محبَّة الربِّ إيَّاكم، وحفظه القسم الذي أقسمَ لآبائكم، أخرجكم الربُّ بيدٍ شديدةٍ وفداكم من بيت العبوديَّة من يد فرعون ملك مصر» (تث٧: ٦-٨)، كما لا يعني الاختيار وجوب خلاص هذا الشعب؛ لأنَّ هذا الشعب لم يُحقِّق اختيار الله له، بل اختيار يُعبِّر عن نعمة امتيازٍ ومسؤوليَّة، بل هو أداةً لإعلان الوحي والخلاص للعالم: «جعلتُكَ نورًا للأمم، لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض» (إش٤٩: ٦)، فمقاييس اختيار الله تسمو على مقاييسنا البشريَّة. لذا يُعدُّ مصطلح «شعب الله المختار» تسميةً كتابيَّة لاهوتيَّة لاختيار الله لشعب بني إسرائيل. هذا الاختيار لم يهزَّه أو ينقضه رفض الشعب لله؛ لأنَّه متعلِّق بأمانة الله وبِرِّه اللامتناهي، فالاختيار الأزليُّ للإنسان قائم على برِّ الله الأزليّ.
(٤) أقام الله علاقة وعهدًا مع الشعب اليهوديّ، كان فيها الأب الذي يحبُّ شعبه ورعيَّته وخرافه، ويرعاهم، ويؤدِّبهم، ويستجيب لصلواتهم، ويقبل توبتهم ورجوعهم إذا أخطأوا وذهبوا ليعبدوا آلهة أخرى سواه. كان الله دائمًا هو الطرف الأمين على وعوده لهم برغم مخالفتهم وإنكارهم: «قطعتُ عهدًا مع مُختاري، حلفتُ لداود عبدي: إلى الدهر أثبتُّ نسلكَ، وأبني إلى دورٍ فدورٍ كرسيَّك» (مز٨٩: ٣-٤)، «إنْ نقضوا فرائضي ولم يحفظوا وصاياي، أفتقدُ بعصًا معصيتهم، وبضرباتٍ إثمهم. أمَّا رحمتي فلا أنزعها عنه، ولا أكذب من جهة أمانتي. لا أنقض عهدي، ولا أُغيِّر ما خرجَ من شفتَيّ» (مز٨٩: ٣١-٣٤). فنجد وعد الله لإبراهيم[3] (تك١٢:١-٣؛ ١٧: ١-٨)، ولإسحق (تك٢٦: ٣-٤)، ويعقوب (تك٢٨: ١٤)، ويُوسف الذي أنقذ الشعب من المجاعة والفناء (تك٤٧). ثمَّ يمنح الله موسى الناموس والشريعة والوصايا العشر (خر١٩: ٣-٦؛ ٣٤: ٣-٨؛ لا٢٦: ٣، ١١؛ تث٧: ٦-١٣)، وهي أساس العهد بين الله وشعبه. كُلَّما يكون الشعب أمينًا على وصايا الله وأحكامه، يحميه الله من أعدائه، ويحقِّق رغبة الله واختياره له ليكونَ شعبًا مقدَّسًا "شعب الله المختار"، أمَّا إذا فقدَ الأمانة مع الله فيفقد هُوِيَّته ويتلاشى بين الأمم.
(٥) هناك عناصر أساسيَّة في علاقة العهد بين الله وشعبه: الشعب ذاته؛ جماعة اليهود الذين اختارهم الله ليكون هو إلهًا لهم ويكونوا هم شعبه المختار. الأرض؛ أرض كنعان حيثُ قادهم الله من أرض العبوديَّة والذلِّ (مصر) إلى أرض الموعد (كنعان) بقيادة موسى ويشوع. الختان؛ طلبَ الله من إبراهيم ختان كلِّ ذكر (تك١٧: ١٠-١٤)، كعلامةٍ على العهد، فهو يرمز إلى ختان القلب، وليس مجرَّد طقس جسديٍّ فحسب. الشريعة؛ الناموس والوصايا العشر التي استلمها موسى على جبل سيناء، لتنظيم حياة الشعب. الملكيَّة؛ وجود ملك أرضيٍّ يحكم الشعب مع شاول وداود. الهيكل؛ مع سليمان الملك وبناء هيكل الله أصبح يمثِّل حضور الله وسط شعبه[4].
(٦) ثمَّ بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الشعب اليهوديّ؛ انقسام مملكة سليمان الموحدة (٩٣١ ق.م.) إلى مملكة الشمال التي اتَّخذت من السامرة عاصمةً لها، وضمَّت عشرة أسباط تحت حكم الملك يربعام بن نباط، ومملكة الجنوب التي ضمَّت سبطَي يهوذا وبنيامين وعاصمتُها أورشليم. تعرَّضت مملكة الشمال إلى السبي الأشوريِّ (٧٢٢ ق.م.)، ومملكة الجنوب إلى السبي البابليّ (٥٨٧ ق.م.)؛ حيثُ تعرَّض شعب الله للذلِّ والمهانة، وفقدوا الأرض، وتحطَّمت مملكتهم، ودُمِّر الهيكل الذي يمثِّل حضور الله، فلم يتبقَّ سوى شريعة الله. وهنا يسلك يهوه في دربٍ مختلفٍ مع شعبه (شعب بني إسرائيل)؛ حيثُ يعلِّمه أنَّ حضوره في كُلِّ مكانٍ وليس مرتبطًا بهيكلٍ، فهو ينقِّي تصوُّرات شعبه المادِّيَّة والضيِّقة عنه، كما يُعمِّق رجاء الشعب في إلهه الذي يخلِّصهم من ذلِّ العبوديَّة.
(٧) من الألفاظ المستعملة في العهد القديم للدلالة على شعب الله: "كنوشتا" كلمة آراميَّة تعني: المجمع أو الجماعة؛ "كاهال" كلمة عبريَّة تعني جماعة الشعب الملتئمة لسماع كلمة الله في سيناء (تث٤: ١٠)؛ Synagogue المجمع عند اليهود في القرن الأوَّل الميلاديّ، وتعني الجماعة المقدَّسة التي دعاها الله دعوةً خاصَّة. أصبح "شعب الله" هو البقيَّة الباقية من بني إسرائيل الحافظة للأمانة على شريعة الله ووصاياه. فأصبح الانتماء إلى شعب الله هو أساس الأمانة للشريعة وليس إلى نسل إبراهيم بالجسد. من هنا جاءت فكرة إدخال الأمم كشعب الله. إنَّ شتات شعب بني إسرائيل هو عقاب الله لهم لعدم أمانتهم، كذلك هو دعوة للتبشير باسم الله بين الأمم (طو١٣: ٣-٧؛ إش٢٥: ٦-٧؛ زك٣: ١٠-١١؛ ٨: ٢١-٢٢؛ إر٣١: ٣١-٣٤؛ حز٣٦: ٢٢-٢٨).
(٨) إنَّ علاقة الله بشعب بني إسرائيل تُمثِّل علاقة الله بالإنسان، وبكُلِّ إنسانٍ على وجه الأرض، علاقة الله بالنفس البشريَّة؛ يعيش فيها الإنسان في مسيرةٍ مع الله، يتخلَّلها أوقات نعمة وتجلٍّ بحضور الله فيه، وأوقات خيانة وبُعدٍ من الإنسان، حيثُ يَترك الله ويختار لنفسه آلهةً أخرى.
(٩) نشأت فكرة مُلك الله في العهد القديم من تصوُّر الله بأنَّه الإله المُحارب عن الشعب مع موسى والعبور (خر١٥: ٣-١٨)، وتصوُّر الكنعانيِّين الإله الأعظم (إيل) مَلكًا مُحاطًا بحاشية سماويَّة. فكان الشعب تحت حكمٍ إلهيّ (ثيوقراطيًّا). ثمَّ جاءَ الشعب يطلب إقامة ملكٍ عليهم أسوةً بجميع الشعوب المجاورة. هذا الأمر كان مرفوضًا بشدَّة بعد زمن القضاة (قض٨: ٢٣)، ثمَّ تحقَّق مع صموئيل النبيِّ واختياره شاول ملكًا (١مل١: ٢٨)، ثمَّ داود، ثمَّ سليمان الملك الذي ازدهرت مملكته، وبعد موته انقسمت إلى مملكة الشمال وعاصمتها السامرة، ومملكة الجنوب عاصمتها أورشليم.
(١٠) إنَّ مُلك الله ظهر في أسفار العهد القديم في (خر١٩: ٦؛ مز٢٤: ٧-١٠؛ مز٤٧: ٢-٥، ٩؛ مز٩٣: ١-٢؛ مز١٠٣: ٣، ١٩؛ إش٦: ٥؛ إر٨: ١٩؛ ١٠: ٧-١٩؛ حز٣٤). بعد سقوط المملكة في إسرائيل، الله سيملك على شعبه (ميخا٢: ١٣؛ إش٤٠: ١١؛ ٥٢: ٧؛ حز٣٤: ١١-١٣؛ صف٣: ١٤-١٥). وفي أيَّام اضطهاد اليهود على يد أنطيوخس أبيفانوس، تنبَّأ دانيال النبيُّ عن مُلك الله (دا٢: ٤٤؛ ٧: ١٤، ١٧، ٢٧)؛ حيثُ يملك الله على الكون (السماء والأرض)، والتاريخ، وعلى جميع الآلهة والشعوب، ويدمِّر كلَّ قوى الشرّ، ويملك بنوعٍ خاصٍّ على شعبه، ويسود على الطبيعة، ويسود السلام والعدالة جميع الشعوب، ويمتلئ جميع الناس من معرفة الله ومخافته وإتمام الشرائع والوصايا "يوم الربّ"؛ حيث يتحقَّق ملكوت الله بإنشاء أرض جديدة وسماء جديدة (عو١٥؛ ٢١؛ زك ١٤: ١، ٩؛ إش٢٤: ٢١، ٢٣). كان الجميع ينتظرون حلول ملكوت الله على يد المسِّيا من نسل داود الذي يملك على عرشه إلى الأبد، مُلكًا زمنيًّا يملك على إسرائيل ويُعيد أمجاد مملكة داود. أمَّا الأنبياء والحكماء والأتقياء فيرون ملكوت الله حقيقة روحيَّة أي التحرير من الشرِّ والخطيئة.
ثانيًا: الكنيسة شعب الله
(١١) إنَّ الله دائم الحضور مع شعبه – كما رأينا سابقًا – بطرق وأشكال عديدة، حتَّى يكتمل حضوره في تجسُّد ابنه الوحيد يسوع المسيح: «الكلمة صار بشرًا، وحلَّ بيننا[5]» (يو١: ١٤). وهذا ما رفضه وأنكره بعضٌ من الشعب اليهوديّ – غليظ الرقبة - رغم محاولات يسوع في الكشف عن هُوِيَّته كابنٍ لله والمسِّيا المنتظر، بل حاربوه وسعَوا إلى التخلُّص منه وقتله بتهمٍ عديدة، كما ادَّعوا أنَّه يقوم بثورةٍ ضدَّ قيصر، حتَّى يستطيعوا أن ينالوا حكمًا بإعدامه من الرومان. كما يقول يُوحنَّا الحبيب في إنجيله: «إلى خاصَّته جاء، وخاصَّته لم تقبله. أمَّا الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله» (يو١: ١١). فهذا الشعب المختار لم يفهم بعد تدبير الله الخلاصيَّ في إرسال ابنه يسوع المسيح لخلاص جميع البشر.
(١٢) اليهود الذين آمنوا بالمسيح – من خلال أعماله وأقواله ومعجزاته - مثل التلاميذ وغيرهم، كانوا ينتظرون من يسوع أن يكونَ ملكًا أرضيًّا، ومُحرِّرًا سياسيًّا، يخلِّص أمَّته اليهوديَّة من عبوديَّة الرومان، ويُعيد أمجاد مملكة داود القديمة. وهذا ما صدم الكثيرين وبخاصَّةٍ التلاميذ عندما رأَوا يسوع يُهان ويُجلد ويُصلب ويموت ويُدفن في القبر. وذلك لأنَّهم لم يفهموا أنَّ يسوع كان ملكًا روحيًّا يملك على قلوب البشر أجمعين، ويُحرِّر الناس من الشرِّ والخطيَّة والفساد.
(١٣) في العهد الجديد وردتْ كلمة "شعب" ١٤٤ مرَّة للدلالة على جماعة يسوع المسيح وهم إسرائيل الجديد، فشعب الله أصبحَ شعبًا روحيًّا لا يُحدَّد بالعرق والنسل بل بالإيمان، فالكنيسة هي إسرائيل الجديد (غل٦: ١٦). الكنيسة هي إتمام لشعب الله؛ والمسيح هو رأسها وقائدها. إنَّ ولادة المسيحيَّة من رحم اليهوديَّة كانت ولادة عسيرة، فلم تكن بالأمر اليسير[6]. فالكنيسة الأولى ومع بُطرس الرسول كانت ما زالت متمسِّكة بالعادات اليهوديَّة والتهوُّد، واحتكار خلاص الله لليهود فحسب، وضرورة مرور الأمم باليهوديَّة حتَّى تصبح مسيحيَّة. من خلال مسيرة عمل الروح القدس في الكنيسة، بدأت الكنيسة الأولى تنفتح تدريجيًّا نحو الأمم، وذلك من خلال مشهد الملاية التي تحمل دوابَّ عديدة ويُسمع فيها صوت الربّ "قمْ، اذبحْ وكُلْ" (أع١٠)، ثمَّ مجمع أورشليم (٤٩/٥٠م) الذي أكَّد أنَّ الأمم ليس ضروريًّا مرورهم بالشريعة والعادات والتقاليد اليهوديَّة ليصبحوا مسيحيِّين، والانتقال من الختان إلى المعموديَّة (كول٢: ١١-١٢)، ومن خلاص اليهود فقط إلى شموليَّة الخلاص والتبشير لأقاصي الأرض (مت٢٨: ١٩)، وذلك من خلال بُولُس الرسول – رسول الأمم وأيقونة خلاصهم - برحلاته التبشيريَّة المذكورة في سفر أعمال الرُسل.
(١٤) إذًا لقد اتَّخذَ مفهوم "شعب الله" عدَّة مستويات لاهوتيَّة؛ ففي البداية كان يعني السلالة اليهوديَّة من نسل آبائنا - إبراهيم وإسحق ويعقوب - بالجسد، فكان اليهود يتَّسمون بالنعرة القوميَّة حيثُ يحتكرون الله وخلاصه لهم فقط. هذه النظرة الضيِّقة لخلاص الله، والتي تُعبِّر عن صورةٍ مُشوهة غير حقيقيّة عن الله، وإهانة لجميع مخلوقاته. وفي أثناء السبي، فقدَ الشعب اليهوديُّ الأرض والهيكل (رمز حضور الله وسطهم)، وتمَّ استعباده وتهجيره إلى بابل، في مرحلةٍ جديدةٍ من علاقتهم باللّه، يصبح فيها البقيَّة الباقية الأمينة على وصايا الله وشرائعه هي "شعب الله الحقيقيّ". ثمَّ تطوَّر هذا المفهوم ليشمل جميع المؤمنين بالله من كُلِّ الأمم، فخلاص الله مُقدَّم للجميع بدون استثناء، حتَّى أصبح الآن شعب الله هو الكنيسة أي جماعة المؤمنين بشخص يسوع المسيح ابن الله الوحيد. أخيرًا، يمكننا القول بأنَّ مفهوم "شعب الله" انتقل من سلسلة نسب اليهود الجسديِّ (ختان الغُرلة) إلى الأمانة القلبيَّة لوصايا الله وشرائعه (ختان القلب) إلى الإيمان بيسوع المسيح (المعموديَّة).
(١٥) لقد تنبَّأ يسوع بخراب الهيكل، وتمَّت أقواله على يد الرومان بقيادة تيطس في العام ٧٠م.، وتشتَّت الشعب اليهوديُّ إلى أقصى الأمم، ثمَّ عادوا إلى تكوين دولة إسرائيل الحاليَّة في العام ١٩٤٨بوعد بلفور[7]. وما زالوا يعتقدون بضرورة إعادة بناء الهيكل لتمهيد مجيء المسِّيا المنتظر. يرى التعليم الكاثوليكيُّ أنَّ الله لم ينقض عهده مع إسرائيل (رو١١: ٢٩)، فهو دائمًا أمين على وعوده، لكنَّ العهد اكتملَ وتمَّ في المسيح يسوع. أمَّا بخصوص اتِّهام يهود اليوم بوصمة قتل المسيح؛ فتُوضِّح الكنيسة الكاثوليكيَّة موقفها من اليهود؛ بأنَّه لا يمكن أن ننسبَ مسؤوليَّة قتل المسيح إلى كُلِّ اليهود الذين كانوا يعيشون وقت المسيح، ولا إلى اليهود الحاليِّين. فالمسؤوليَّة هي إنسانيَّة عامَّة بالخطيئة، وليست مسؤوليَّة جماعة عرقيَّة. إنَّ الله يحبُّ الجميع ويقبل خلاص الكُلِّ إذا عادوا وآمنوا بالمسيح. في تعليم المجمع الفاتيكانيِّ الثاني، تصريح عن علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحيَّة "في عصرنا" الفقرة الرابعة: «كنيسة المسيح تعترف بأنَّ باكورة إيمانها ودعوتها لسرِّ الخلاص الإلهيِّ تمتدُّ إلى الآباء وإلى موسى والأنبياء، وبأنَّ جميع أتباع المسيح هم أبناء إبراهيم بحسب الإيمان وقد شملهم دعوته، وبأنَّ خلاص الكنيسة رمز إليه خلاصُ شعب الله المختار من أرض العبوديَّة [...] لا تستطيع الكنيسة أن تنسى أنَّها تسلَّمت وحي العهد القديم بواسطة هذا الشعب الذي شاءَ الله برحمته التي تفوق كلَّ وصفٍ أن يبرمَ معه ميثاق العهد القديم، وأنَّها تتغذَّى من أصل الزيتونة الجديدة، وقد طُعِّمت فيه الزيتونة البرِّيَّة أي الأمم. فالكنيسة تؤمن بأنَّ المسيح سلامنا قد صالحَ بصليبه اليهود والأمم، وجعلَ في ذاته الاثنين واحدًا [...] وفيما لم تعرف أورشليم – بشهادة الكتاب المقدَّس – زمن افتقادها، فلم يقبل غالبيَّة اليهود بشارة المسيح، بل تصدَّى كثيرون منهم لانتشاره، ومع ذلك فاليهود – كما يقول الرسول – لم يزالوا من أجل الآباء محبوبين عند الله الذي لا يندم على هباته ودعوته: إنَّ القساوة قد حصلت جُزئيًّا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم، وهكذا سيتمُّ خلاص جميع إسرائيل. كما هو مكتوب: "سيخرج من صهيون المُنقذ ويُردُّ الفجور عن يعقوب. وهذا هو العهد من قِبلي لهم متى نزعتُ خطاياهم" (رو١١: ٢٥-٣٢) [...] إزاء هذا التراث الروحيِّ العظيم، المشترك بين المسيحيِّين واليهود، يرغب المجمع في تبادل الاحترام والمعرفة فيما بينهم، وبالأخصِّ من خلال دراسات الكتب المقدَّسة واللاهوتيَّة وفي منهج حوارٍ أخويّ [...] ولئن كان ذوو السلطان والأتباع من اليهود عملوا على قتل المسيح (يو١٩: ٦)، إلَّا أنَّ ما اُقترف إبَّان الآلام والصلب لا يمكن أن ننسبه في غير تمييز إلى جميع اليهود الذين عاشوا آنذاك، ولا إلى اليهود المعاصرين لنا. وإنْ كانت الكنيسة هي شعب الله الجديد، فلا يعني ذلك أنَّ اليهود قد أصبحوا شعبًا مرذولًا أو ملعونًا من الله، كما لو كان ذلك منصوصًا عليه في الكتاب المقدَّس».
ثالثًا: بُولُس الرسول وخلاص اليهود
(١٦) يقول تعليم الكنيسة الكاثوليكيَّة المسيحيُّ في البند ٧٥٥: «الكنيسة هي الأرض التي يزرعها الله، وحقله؛ وفي هذا الحقل تنمو الزيتونة القديمة التي كان الآباء أصلها المبارك، والتي بها جرت وستُجرى المصالحة بين اليهود والأمم»[8]. يدفعنا هذا النصُّ إلى التعمُّق فيما قاله بُولُس الرسول في (رو٩-١١)؛ فهو يشعر بالحزن العميق تجاه شعبه وأمَّته بني إسرائيل في فقدان هذا الميراث العظيم برفضهم للمسيح والخلاص، ويودُّ أن يكونَ محرومًا في المسيح لأجل إخوته اليهود. فاليهود لهم التبنِّي (الشعب المختار بكر الله خر٤: ٢٢)، المجد (الله يقيم وسط شعبه إش٤٠: ٥؛ مز٨٥: ١٠)، العهود (مع إبراهيم تك١٥: ١٨؛ مع يعقوب تك٣٢: ٢٩؛ مع موسى خر٢٤: ٧-٨؛ مع داود ١صم٧: ١١-١٦؛ مز٨٩: ٢٩)، الاشتراع، العبادة، المواعيد، الامتياز (ولادة المسيح من نسبٍ يهوديّ).
(١٧) تظهر دائمًا هذه الإشكاليَّة الكتابيَّة بخصوص اليهود؛ إنَّ الله قد وعدَ إبراهيم بقسمٍ أن يباركه هو ونسله، ثمَّ أعادَ هذا الوعد ليعقوب إسرائيل، ولكنَّ شعب إسرائيل عثرَ ورفض الله. هل إذًا سقطَ وعد الله لإبراهيم ويعقوب؟ الإجابة: لا لم تسقط كلمة الله بالوعد، لأنَّ الذي عثرَ وسقطَ ليس كلَّ شعب إسرائيل!، حيثُ يقول بُولُس الرسول: «لأنَّ لي جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليُّون» (رو٩: ٦). وإذا تسألنا بطريقةٍ أخرى: هل تاريخ عقوق إسرائيل يثبت عدم كفاءة اختيار الله في البَدء لإبراهيم ووعوده؟ فنجيب بالنفي؛ إذ ليس كُلُّ إسرائيليٍّ هو إسرائيليٌّ بالحقّ. الإسرائيليُّ الحقيقيُّ هو مَنْ يبقى أمينًا على إيمانه، فابن إبراهيم الحقيقيُّ هو ابن البركة وصاحب ميراث الوعد ببركة إبراهيم، وليس ابن الجسد. الإسرائيليُّ الحقيقيُّ هو مَنْ استطاعَ التعرُّف على يسوع المسيح (إسرائيل الحقيقيّ). ليس أولاد الجسد (كلُّ نسل إبراهيم) هم أولاد الله، بل أولاد الموعد (إسحق ثمَّ يعقوب) هم نسل الله. لله وحده حقُّ اختيار شعبه (إبراهيم – إسحق – يعقوب – الأسباط)، كذلك حقُّ اختيار الأمم ليكونوا شعبه. كما تذكر نبوءة أشعيا بخلاص بني إسرائيل (إش ٥٩: ٢٠-٢١؛ ٢٧: ٩). الأمم لم يسعَوا في أثر البرِّ بل أدركوه بالإيمان، أمَّا إسرائيل فسعى في أثر البرِّ لكنَّه لم يُدرِك البرَّ؛ لأنَّه اتَّبع أعمال الناموس وليس الإيمان.
(١٨) يتساءل بُولُس الرسول قائلًا: «ألعلَّ الله رفضَ شعبه؟» (رو١١: ١)، ويجيب أنَّ الله لم يرفض شعبه الذي سبقَ فعرفه (٢)، فهو أعطاهم روحَ سُبات وعيونًا لا تُبصر وآذانًا لا تسمع إلى هذا اليوم (٨)، فرفضُ إسرائيل للمسيح هو مُصالحة للعالم وخلاصٌ للأمم. فالقساوة قد حصلتْ جزئيًّا لإسرائيل إلى أن يدخلَ ملء الأمم[9]، وهكذا سيَخْلُصُ إسرائيل (٢٥-٢٦)، فإسرائيل هم أعداء من جهة الإنجيل، وأمَّا من جهة الاختيار فهم أحبَّاء من أجل الآباء (٢٨-٢٩)، لأنَّ هبات الله ودعوته هي بلا ندامة. فما أبعد أحكام الله وفحصه وطرقه (٣٣-٣٤). هل نستكثر على الله أمانته لمواعيده مع شعب بني إسرائيل، فإذًا كيف نتمسَّك بمواعيده بالنسبة إلينا؟!!!
(١٩) تبقى مجَّانيَّة الاختيار داخل شعب الله المختار نفسه. فعدم أمانة بعضهم يُبرز حُرِّيَّة الاختيار الإلهيّ، الذي يتمُّ بحُرِّيَّة الاختيار ولا يعود إلى الأعمال. السؤال المطروح: هل كلام بُولُس الرسول هنا هو تعاطفٌ مع شعبه الأصليِّ كونه يهوديَّ المنشأ؟!!! بعض الشرَّاح والمفسِّرين يرفضون وينتقدون ويشكِّكون في كلام بُولُس الرسول، ويعتبرونه تورَّط في هذا الحديث[10].
رابعًا: الكنيسة الجامعة
(٢٠) علامة من علامات الكنيسة الأربع هي "جامعة"؛ وتعني أنَّ بشرى المسيح تتأقلم بثقافة كلِّ بلدٍ وعقليَّته وعاداته وتقاليده، فيما يُسمَّى التثاقف (Inculturation). فالكنيسة هي بيت الله المفتوح لجميع البشر باختلاف أعراقهم وأجناسهم وثقافتهم وانتماءاتهم: «ليس يهوديٌّ ولا يونانيّ. ليس عبدٌ ولا حُرّ. ليس ذكرٌ وأنثى، لأنَّكم جميعًا واحدٌ في المسيح يسوع» (غل ٣: ٢٨). فالروح القدس يحفظ كنيسته من السقوط في فخِّ الانفراديَّة والانقسام، ويدفعها نحو الوحدة. إنَّ انفتاح الكنيسة على جميع البشر هو نوعٌ من التوبة (تغيير الفكر والقلب) والاهتداء من النظرة الضيِّقة الأحاديَّة المجرَّدة (الله ملكي أنا وحدي) إلى مركزيَّة المسيح التي تقبل التعدُّديَّة وتقديم الخلاص للجميع (الله لجميع البشر، را. توبة بطرس في أع١٠: ٩-٢٣).
(٢١) من مظاهر شموليَّة المسيحيَّة؛ من زاوية الشخص: تعاملت العقليَّة الرومانيَّة واليونانيَّة بمنطق الأحرار والعبيد (لا قيمة للشخص)، بينما اليهوديَّة تؤمن بالمساواة بين البشر انطلاقًا من الخلق على صورة الله ومثاله، وإنْ كان هناك تمييز بين الرجل والمرأة. في حين أنَّ المسيحيَّة تؤمن بقيمة الإنسان المطلقة كونه ابنًا للآب وأخًا ليسوع المسيح وهيكلًا للروح القدس انطلاقًا من خلاص يسوع المسيح.
الفلسفة الشخصانيَّة (عمَّانوئيل مونييه) ترى أيضًا أنَّ قيمة الإنسان مطلقة[11]، انطلاقًا من المسيحيَّة. من زاوية العلاقات البشريَّة: ترى شرعة حقوق الإنسان مُساواة البشر جميعًا على اختلاف حضاراتهم وأجناسهم ومعتقداتهم الدينيَّة. في المسيحيَّة الشريعة هي المحبَّة، فيسوع لم يكن محرِّرًا سياسيًّا واجتماعيًّا[12]. كما أنَّها تفصل بين الدين والدولة، حتَّى لا تفقد شموليَّتها وجامعيَّتها. من زاوية الذريَّة (البُعد الزمنيّ): اليهود يُقرُّون بأنَّهم أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب، المسلمون يُقرُّون ويفتخرون بأنَّهم أبناء إسماعيل، أمَّا المسيحيُّون فلا ينتمون إلى شخصٍ بعينه، بل إلى الله مباشرةً (الآب، الابن، الروح القدس)، فهم أبناء الله. من زاوية اللغة: في اليهوديَّة اللغة العبريَّة هي لغة الوحي، وفي الإسلام العربيَّة لغة القرآن، وفي المسيحيَّة كُلُّ لغةٍ قابلة للبشارة. من زاوية الأرض (البُعد المكانيّ): اليهود يقدِّسون أورشليم (هيكل سليمان) أرض الموعد، وعند المسلمين مكَّة المكرَّمة (الحجُّ حول الكعبة)، أمَّا في المسيحيَّة فلا توجد أرضٌ بعينها (روما/أورشليم)، فعبادة الله في كُلِّ مكانٍ، أي امتداد الكنيسة في كُلِّ المسكونة. المسيحيُّون نزلاء، لا وطن لهم وجميع الأوطان أوطانهم، والمسيحيَّة لا تعرف طقوسًا وصلواتٍ وأصوامًا بعينها يفرضها الله، فالليتورجيا هي نظام كنسيٌّ نسبيٌّ خاضع للزمان والمكان[13]. من زاوية علاقة الإنسان باللّه: اليونان والرومان يصوِّران الآلهة بصورٍ إنسانيَّةٍ (آلهة الجمال والقوَّة والخمر)، وفي اليهوديَّة اختيار الله لشعب إسرائيل، وفي الإسلام علاقة السيِّد بالعبد والخالق بالمخلوق، وفي المسيحيَّة الله أبٌ للجميع (البُعد الشموليّ)، شفاعة يسوع المسيح ووساطته[14].
(٢٢) يُعلِّمنا المجمع الفاتيكانيُّ الثاني في دستوره العقائديِّ في الكنيسة "نور الأمم" أنَّ جميع الناس مدعوُّون ليكونوا من شعب الله الجديد، وأنَّ يسوع المسيح هو المُعلِّم والملك والكاهن والرئيس لشعب الله الجديد والشامل. هذا الشعب الواحد من جميع أمم الأرض يتَّحدون في الشركة بالروح القدس، ويسوع المسيح يضمُّ ويشمل جميع الشعوب في تنوُّع ثقافاتها ومبادئها وطقوسها وعاداتها، فكُلُّ شيءٍ في المسيح يسوع، حيثُ يسعى الجميع إلى التكامل في ملء الوحدة على درب القداسة. تقوم الشركة الكنسيَّة بالتضامن بين جميع الكنائس المحلِّيَّة تحت رئاسة الكنيسة الجامعة (رئاسة القدِّيس بُطرس)، حيثُ تقوم الكنيسة الجامعة برئاسة التجمُّع الشامل في المحبَّة، وحماية الفوارق المشروعة، وتبادل الخيرات الروحيَّة والمعونات الزمنيَّة[15].
(٢٣) كُلُّ مَنْ يؤمن بالمسيح ويعيش في النعمة هو جزءٌ من شعب الله. ففي المسيح نحن مختارون ومدعوُّون للعمل فيه. فالمسيح هو النسل الموعود به لإبراهيم الذي يتركَّز فيه الاختيار، كما يتركَّز بسببه الرفض. فبالمسيح الوصول، لأنَّه هو الطريق والباب معًا؛ وبغير المسيح يكون السير على الأشواك بلا وصولٍ. إنَّ شعب الله المختار نجده في أكمل وأبهى صورة في الكنيسة الكاثوليكيَّة: «الكنيسة الحقيقيَّة تكمن في (subsistere in) الكنيسة الكاثوليكيَّة» (نور الأمم ٨، ١٦)؛ وذلك لاكتمال علامات الكنيسة الأربع فيها (واحدة، مُقدَّسة، جامعة، رسوليَّة).
خامسًا: خلاص الأمم
(٢٤) الله ليس حكرًا على شعبٍ بعينه (بني إسرائيل)، منذُ العهد القديم يُعلن الله شموليَّة الخلاص (إش ٢: ٢-٣؛ مز٦٧)، ويُظهر ذاته "مُحبٌّ البشر"؛ فنجده يرسل يُونان النبيَّ اليهوديَّ لدعوة شعب نينوى الأمميِّ للخلاص. في الكنيسة الأولى، كان التفكير اليهوديُّ ما زال مُسيطرًا على التلاميذ في حصر الله عليهم، وامتلاكهم فقط لخلاص المسيح، وقد أخذوا مسيرة طويلةً ليتحرَّروا من هذا الفكر، بدأت من رؤيا الملاية التي رآها بُطرس الرسول ومقابلة كرنيليوس (أع ١٠)، ثمَّ جاء بُولُس الرسول (رسول الأمم) الذي كانت حياته رمزًا لتحوُّل هذا الفكر اليهوديِّ الضيِّق إلى خلاص المسيح الشامل للجميع.
(٢٥) الكنيسة سرُّ الخلاص الشامل؛ الكنيسة هي الأداة التي أرادها الله ليحصل الناس على الخلاص الذي حصلت عليه البشريَّة بيسوع المسيح. فالخلاص بالمسيح وحده، وفي الوقت نفسه يرى تعليم المجمع الفاتيكانيِّ الثاني أنَّ الديانات الأخرى تحمل قبسًا من شعاع الحقيقة التي تنير جميع الناس، وإن اختلفت في أمورٍ كثيرة مع ما تقول به وتعلِّمه هذه الديانات[16]. إنَّ كنيسة اليوم (الكنيسة الكاثوليكيَّة) تؤمن بأنَّ الخلاص للجميع، فتعليم المجمع الفاتيكانيِّ الثاني ينصُّ على إمكانيَّة خلاص غير المؤمنين.
سادسًا: لاهوت الاستبدال – اللاهوت التدبيريّ – لاهوت الاستيفاء - لاهوت العهد
(٢٦) اليهوديَّة المعاصرة تؤمن بالإله الوحيد "يهوه"، وبالتوراة والتقليد (التلمود)، لكنَّها لا تؤمن بأنَّ يسوع المسيح هو المسِّيا المنتظر. تؤمن بضرورة إعادة بناء الهيكل، وتحقيق وعد الله إلى إبراهيم، في إقامة مملكتهم من نهر النيل إلى نهر الفرات (تك ١٥: ١٨-٢١). وقد ظهرت العديد من المصطلحات اللاهوتيَّة التي تطرح رؤى لاهوتيَّة مسيحيَّة، تخدم تيَّار الصهيونيَّة المسيحيَّة. من هذه المصطلحات: لاهوت الاستبدال (الاستبداليَّة) Replacement Theology/Supersessionism؛ وهو رأي لاهوتيٌّ مسيحيٌّ يشير إلى حلول الكنيسة محلَّ إسرائيل بالكامل (شعب الله في العهد القديم)، فتصبح الكنيسة هي شعب الله المختار، والوارث للوعود الإلهيَّة. فالعهد الجديد أبطلَ العهد القديم وأتمَّه[17]، فأصبحت الكنيسة هي إسرائيل الجديدة أو إسرائيل الحقيقيّ، فكُلُّ وعود العهد القديم وبركاته أصبحت للكنيسة، وليس للشعب اليهوديِّ. وقد انتشر هذا الرأي في تاريخ الكنائس الثلاث (الكاثوليكيَّة، الأرثوذكسيَّة، البروتستانتيَّة) لفتراتٍ طويلة، لكنَّه رُفض بعد الحرب العالميَّة الثانية؛ لاعتباره تبريرًا تاريخيًّا لمعاداة الساميَّة. كما وصفه بعضهم بالهرطقة؛ لأنَّه يُحرِّف رسالة المسيح ويخدم أجندات ومصالح سياسيَّة.
(٢٧) تؤكِّد الكنيسة الكاثوليكيَّة اليومَ أنَّ عهدَ الله مع الشعب اليهوديِّ ما زال قائمًا، فالكنيسة لا تلغي وعود الله لإسرائيل. هذا ما نسمِّيه "لاهوت العهد" (Covenant Theology)، ويكمن في ثلاث نقاط: الوحدة؛ حيث لا يوجد فرق بين شعب الله في العهد القديم (إسرائيل) والكنيسة في العهد الجديد. فالكنيسة هي امتداد لشعب الله اليهوديِّ في العهد القديم. الاستبداليَّة[18]؛ الكنيسة ورثت الوعود المُعطاة لشعب إسرائيل، الوعود المشروطة بالإيمان. الرمزيَّة؛ تفسير نبوءات العهد القديم بشكلٍ روحيٍّ ورمزيٍّ ينطبق على الكنيسة كملكوت الله السماويّ.
(٢٨) هناك أيضًا ما يُسمَّى بـ اللاهوت التدبيريّ/التدبيريَّة (Dispensationalism)؛ ويُنادي بوجود خطَّة إلهيَّة مستقبليَّة منفصلة ومستمرَّة لبني إسرائيل بجانب الكنيسة، ويُقسِّم التاريخ البشريَّ إلى سبعة تدابير أو فترات زمنيَّة يتعامل الله فيها مع البشر بطرقٍ مختلفةٍ، كما يُعطي دورًا أساسيًّا خاصًّا لإسرائيل الحديثة. تكمن في: الفصل؛ وضع خطٍّ فاصل أو حدٍّ بين إسرائيل (شعب أرضيّ) والكنيسة (جسد سماويّ)، فخطَّة الله لإسرائيل توقَّفت مؤقَّتًا لتبدأ فترة الكنيسة. الحرفيَّة؛ يعني التفسير الحرفيَّ للنبوءات. فإذا وعدَ الله إسرائيل بأرضٍ جغرافيَّة، سيفي بذلك حرفيًّا في المستقبل. المستقبليَّة؛ الله سيعود للتعامل مع إسرائيل كأمَّة في نهاية الزمان بعد اختطاف الكنيسة، وهذا منطلق الصهيونيَّة المسيحيَّة.
(٢٩) ساعد اللاهوت التدبيريُّ على ظهور "الصهيونيَّة المسيحيَّة"، وهي تيَّار دينيٌّ وسياسيٌّ قوِّيٌ جدًّا، ظهرَ في أمريكا، على يد القسِّ البروتستانتيِّ جورج بوش عالِم العبريَّات الأمريكيِّ الذي كان له دور مُبكِّر في تأسيس الصهيونيَّة المسيحيَّة في الولايات المتَّحدة في العام ١٨٤٤، ودعا إلى إعادة اليهود إلى فلسطين استنادًا إلى تفسيره للنبوءات، وارتباط عودة المسيح في المجيء الثاني بعودة جميع اليهود إلى فلسطين. لذا يتبنَّى بعض الأفكار مثل: الدعم المطلق لدولة إسرائيل؛ قيام دولة إسرائيل ١٩٤٨ هو تحقيق لنبوءةٍ كتابيَّة ومعجزة إلهيَّة، لذا فدعم إسرائيل ليس مجرَّد خيار سياسيّ، بل واجب دينيٌّ للتعجيل بقدوم المسيح ثانية. قضيَّة القدس ونقل السفارات؛ يجب أن تكونَ القدس عاصمة إسرائيل الموحَّدة، تمهيدًا لبناء الهيكل الثالث. لذا كان قرار الإدارة الأمريكيَّة بنقل السفارة إلى القدس في العام ٢٠١٨. رفض حلِّ الدولتَينِ؛ تفسير وعود الأرض (وعد الله لإبراهيم) من النيل إلى الفرات (تك ١٥: ١٨-٢١) بشكلٍ حرفيّ. لذا يُعارضون تمامًا التنازل عن أيِّ جزءٍ من الأرض للفلسطينيِّين، فأرض إسرائيل هي ملكيَّة إلهيَّة لا يجوز تقسيمها. التأثير على مركز صنع القرار (اللوبي المسيحيّ)؛ تُعدُّ منظَّمة "مسيحيُّون مُوحَّدون من أجل إسرائيل" (CUFI) قوَّة ضغط في واشنطن، حيثُ يُمثِّلون كتلة تصويت ضخمة على السياسة الخارجيَّة الأمريكيَّة، تضمن تدفُّق المساعدات السياسيَّة والعسكريَّة إلى إسرائيل. النظرة الملحميَّة للصراع؛ إنَّ الصراع في الشرق الأوسط هو جزء من معركة هرمجدون، القدر المحتوم الذي يسبق نهاية العالم.
(٣٠) معركة هرمجدون؛ هرمجدون هي مدينة تاريخيَّة لها قيمة استراتيجيَّة شمال فلسطين (حاليًّا مرج ابن عامر)، شهدت الكثير من المعارك الكتابيَّة التاريخيَّة مثل: انتصار العبرانيِّين على سيسرا والكنعانيِّين بقيادة باراق (قض٤: ١٥؛ ٥: ١٩)، قتل ملك يهوذا أخزيا (٢مل٩: ٢٧)، المعركة بين فرعون مصر نخو ويوشيا ملك يهوذا (٢أخ٣٥: ٢٢؛ ٢مل٢٣: ٢٩-٣٠؛ زك١٢: ١١). معركة هرمجدون هي معركة نهاية التاريخ البشريِّ، وتأسيس مملكة الله؛ فهي تُمثِّل رمزًا للمواجهة النهائيَّة - ليست مجرَّد موقع جغرافيٍّ بعينه فحسب - الفاصلة بين الله والشيطان في نهاية الزمان (رؤ١٦:١٦)، حيثُ تخرج أرواحٌ نجِسة لتجمع ملوك الأرض في موضع يُدعى بالعبرانيَّة "هرمجدون" (جبل مجدو) لقتال الله، ويقود المسيح جيوش السماء ضدَّ جيوش الشيطان والوحش والنبيِّ الكذَّاب. فيحدث دمار شامل وزلازل غير مسبوقة، حيث تُسكب جامات غضب الله على الأرض، وتنتهي الحرب بهزيمة الشرِّ نهائيًّا وعودة المسيح ملكًا منتصرًا. بعضهم يُفسِّر هذه المعركة حرفيًّا؛ حيثُ تقوم معركة عسكريَّة حقيقيَّة في الشرق الأوسط[19] قبل عودة المسيح. وبعضهم الآخر يُفسِّرها تفسيرًا روحيًّا رمزيًّا كرمز للصراع الروحيِّ بين الحقِّ والباطل.
(٣١) في النهاية، لهذا التوجُّه انتقاد واسع من الكنائس الشرقيَّة (الأرثوذكسيَّة، الكاثوليكيَّة، البروتستانتيَّة العربيَّة) في رفض تسييس الكتاب المقدَّس. فاللاهوت التدبيريُّ هو انحراف عن التعاليم المسيحيَّة التقليديَّة التي تركِّز على العدالة والسلام لجميع البشر، هو بدعة غريبة نشأت في القرن التاسع عشر الميلاديّ، لا تمتُّ بصلة إلى تاريخ الكنيسة الممتدِّ لألفَي عام في المنطقة. الكنائس العربيَّة والشرقيَّة ترفض تهويد المسيحيَّة؛ حيثُ التأكيد أنَّ رسالة المسيح عالميَّة، وليست محصورة في عرقٍ بعينه أو أرض جغرافيَّة مُحدَّدة. كما أنَّ ربط الوعود الإلهيَّة بدولة سياسيَّة حديثة (إسرائيل) هو تسييس للكتاب المقدَّس وإساءة تفسيره. كما تدعو إلى التمسُّك بلاهوت التحرُّر والعدالة؛ بدلًا من التركيز على نبوءات نهاية العالم، يجب أن نركِّز على لاهوت العدل. وقد ظهرت وثيقة "كايروس فلسطين"[20] كصرخة مسيحيِّي فلسطين للعالم، تُقرُّ بأنَّ الاحتلال خطيئة ضدَّ الله والإنسان، فأيُّ تفسيرٍ دينيٍّ أو لاهوتيٍّ يُبرِّر الظلم هو تفسيرٌ باطل، ولاهوت ليس مسيحيًّا. وتقرُّ بإسرائيل الروحيَّة وليس السياسيَّة؛ إسرائيل العهد الجديد هي مجموع المؤمنين بالمسيح من كُلِّ الأمم، وليست كيانًا سياسيًّا أو عرقيًّا، فلا يوجد أيُّ رابطٍ بين بني إسرائيل في الكتاب المقدَّس ودولة إسرائيل الحاليَّة. كما تحاول حماية الوجود المسيحيِّ في الشرق؛ لأنَّ اللاهوت التدبيريَّ يُمثِّل خطرًا وجوديًّا على الكنائس العربيَّة؛ فهو يساعد على تهميش المسيحيِّين العرب (أصحاب الأرض) لمصلحة دعم مجموعات يهوديَّة قادمة من الخارج، كما يصوِّر الصراع كأنَّه صراع دينيٌّ حتميّ، ما يغذِّي التطرُّف وتهجير المسيحيِّين. كما ترفض الكنائس العربيَّة فكرة إعادة بناء الهيكل، فالهيكل الحقيقيُّ هو جسد المسيح والكنيسة. كما تعدُّ القدس مدينة مُقدَّسة للجميع، لا يجب أن تخضع لسيادة عرقيَّة إقصائيَّة.
خاتمة
(٣٢) ما زال الروح القدس يعمل في الكنيسة في الجميع وبدون استثناء، حتَّى الذين رفضوا الله، لأنَّ إرادة الله للجميع هي الخلاص الشامل. ما زالت العنصرة متجدِّدة في كنيسة المسيح، والتي تقبل الجميع وتحتويهم، فمَنْ لديه الحقُّ في تحديد خلاص الآخر سوى الله وحده!!!
قائمة المصادر
1. التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيَّة. تعريب المتروبوليت حبيب باشا وآخرون. جونيه: المكتبة البولسيَّة، ١٩٩٩.
2. مُعجم اللاهوت الكتابيّ. ترجمة المطران أنطونيوس نجيب وآخرون. ط.2، بيروت: دار المشرق، ١٩٨٦.
3. مونييه، عمَّانوئيل. هذه هي الشخصانيَّة. ترجمة تيسير شيخ الأرض. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، ١٩٥٦.
4. وثائق المجمع الفاتيكانيِّ الثاني المسكونيّ. ط.3. القاهرة: المكتبة الكاثوليكيَّة، ٢٠٠٠.
قائمة المراجع
1. براون، رايموند. مدخل إلى العهد الجديد. تعريب نيكلس نسيم. آفاق كتابيَّة = ٥، القاهرة: لوغوس – دار الأكويني، ٢٠٢١.
2. سيداروس اليسوعيّ، فاضل (أب). مَنْ أنتِ أيَّتها الكنيسة؟ دراسات لاهوتيَّة = ٨. ط.3. بيروت: دار المشرق، ٢٠٠٥.
3. المسكين، متَّى (أب). شرح رسالة القدِّيس بُولُس الرسول إلى أهل روميَّة. الإسكندريَّة: دير القدِّيس أنبا مقار، ١٩٩٢.
الحواشي
[1] را. مُعجم اللاهوت الكتابيّ، شعب، ٤٤٨-٤٥١.
[2] «تكونون لي شعبًا، وأكون لكم إلهًا» (إر٣٠: ٢٢).
[3] إبراهيم هو أيقونة الإيمان، أبو المؤمنين: «آمنَ إبراهيم فحُسب له برًّا» (غل٣: ٦)، وعده الله بأن يكونَ نسله مثل نجوم السماء ورمل البحر.
[4] كان حضور الله في زمن موسى يتمثَّل في خيمة الاجتماع، حيثُ تابوت العهد والوصايا العشر، كذلك في مرافقة الشعب نهارًا بعمود الغمام وليلًا بعمود نار، الله حاضر وسط شعبه.
[5] الله يحلُّ فينا من خلال سرِّ الإفخارستيَّا؛ حيث نتَّحد بجسد المسيح ودمه حقيقة.
[6] الليتورجيا المسيحيَّة أيضًا قد وُلدت من رحم العبادة اليهوديَّة وطقوسها.
[7] هناك فرق بين كلمة Israélite إسرائيليِّ، وتشير إلى الشعوب الساميَّة القديمة التي عاشت في أرض كنعان، وهم ينحدرون من يعقوب النبيِّ الذي سُمِّي بـ إسرائيل، ويُعرَفون تاريخيًّا أيضًا بالعبرانيِّين. وتشير عبارة "بني إسرائيل" إلى القبائل الاثنتَي عشرة التي شكَّلت لاحقًا مملكتَي إسرائيل ويهوذا. أمَّا كلمة Israélien فتعني الإسرائيليِّين المواطنين في دولة إسرائيل، التي تمَّ إنشاؤها على أراضي فلسطين التاريخيَّة عقب احتلالها في العام ١٩٤٨، والمقيمين الدائمين فيها.
[8] را. التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيَّة، بند ٧٥٥، ٢٤٣.
[9] «لولا أنَّ الله قسَّى قلب إسرائيل وأغلظَ رقبتهم وسدَّ آذانهم وأعمى عيونهم، حتَّى إنَّهم في عماهم صلبوا المسيح رجاءهم – ربَّ المجد – ما كان هذا الخروج، وهذا الفداء، وهذا الفصح الأبديُّ، والانعتاق من سخرة الخطيَّة وعبوديَّة الشيطان، هذا الخلاص الحقيقيُّ الذي ملأ كلَّ وجه الأرض: "بِزلَّتهم صار الخلاص للأمم" (رو١١:١١). بل وشاول المدعوّ بُولُس على نفس القياس، لمَّا قسَّى الله قلبه، عادَ هذا القلب الجافي وخرج منه حلاوة (قض١٤:١٤)، وينابيع الروح التي فاضت وملأت الدنيا: "أنا الذي كنتُ قبلًا مجدِّفًا ومضطهِدًا ومفترِيًّا ولكنَّني رُحمت" (١تيم ١: ١٣)». (را. متَّى المسكين (أب)، شرح رسالة القدِّيس بُولُس الرسول إلى أهل روميَّة، ٤٤٠). لولا خطيَّة آدم ما عرفنا المسيح، ولولا عقوق إسرائيل ما دخلت الأمم في مجد التبنِّي!
[10] را. متَّى المسكين (أب)، شرح رسالة القدِّيس بُولُس الرسول إلى أهل روميَّة، ٤١٧-٥١١.
[11] "الفلسفة الشخصانيَّة (Personalism) أسَّسها الفيلسوف الفرنسيُّ إيمانويل مونييه. وهي مذهب أخلاقيٌّ واجتماعيٌّ يضع قيمة الشخص الإنسانيِّ فوق كلِّ اعتبار. وتهدف هذه الفلسفة إلى تحرير الإنسان من النزعة الفرديَّة المفرطة وتغليب البُعد الروحيِّ والتفاعل الجماعيّ." (را. عمَّانوئيل مونييه، هذه هي الشخصانيَّة، ٥٨).
[12] يقول هيغل: «المسيحيَّة هي دين الحُرِّيَّة».
[13] هناك خطورة من السقوط في فخِّ وتجربة تأليه الليتورجيا في الكنائس الشرقيَّة.
[14] را. فاضل سيداروس اليسوعيّ (أب)، مَنْ أنتِ أيَّتها الكنيسة؟، ٨١-٨٩.
[15] وثائق المجمع الفاتيكانيِّ الثاني المسكونيّ، نور الأمم، بند ١٣، ٣٩٠-٣٩١.
[16] المصدر نفسه، في عصرنا، بند ٢، ٥٥٠.
[17] لاهوت الاستيفاء (Fulfillment Theology) أي اكتمال العهد القديم في المسيح.
[18] هناك مسمَّيات عديدة مثل: الاستبدال العقابيّ، البدليَّة (Propitiation)، النيابة البدليَّة، الاستيفاء (Expiation) لمضمونٍ لاهوتيٍّ واحد وهو أنَّ يسوع المسيح هو بديل لتحمُّل العقوبة الإلهيَّة نيابةً عن البشريَّة، حيث استوفى مطالب الناموس (القانون الإلهيّ) نيابة عنهم. وذلك من منطلق إرضاء عدل الله وتسكين غضبه المقدَّس؛ فقداسة الله تقتضي عقاب الخطيَّة، والإنسان عاجز عن إيفاء هذا الحقّ، لذا المسيح قدَّم نفسه ذبيحة استيفاء، ليفعل ما لم يستطع الإنسان فعله.
[19] مثل الحرب الدائرة الآن بين أمريكا وإسرائيل، وبين إيران.
[20] كايروس فلسطين هي منظَّمة معروفة في بيت لحم تأسَّست في ديسمبر ٢٠٠٩. وكلمة "كايروس" هي كلمة يونانيَّة تعني: اللحظة الحاسمة أو اللحظة المناسبة. وقد صدرت هذه الوثيقة في مؤتمر دوليٍّ عُقد في مركز بيت لحم الدوليّ، من قبل المطران عطاللّه حنَّا، والقسِّ متري الراهب، والقسِّ نعيم عتيق، والأب جمال خضر، ووقَّع عليها أكثر من ٣٠٠٠ شخصيَّة مسيحيَّة فلسطينيَّة. تُمثِّل هذه الوثيقة صرخة أمل مصحوبةً بالحُبِّ والصلاة والإيمان باللّه، فهي تُوصِّف الاحتلال كخطيئة ضدَّ الله والإنسانيَّة وتشويه صورة الله، فأيُّ لاهوتٍ يتسامح معه لا يمكن أن يكون مسيحيًّا؛ لأنَّ اللاهوت المسيحيَّ الحقيقيَّ هو لاهوت الحُبِّ والتضامن مع المظلومين. كما تدعو الوثيقة إلى العدالة والمساواة، فتخاطب جميع الشعوب من أجل الضغط على إسرائيل لوضع حدٍّ لقمعها وتجاهلها القانون الدوليّ، كما تصف مقاومة اللاعنف بأنَّها واجبٌ على جميع الفلسطينيِّين.
الأب جوزيف منير عزمي: وكيل الكلِّيَّة الإكليريكيَّة بالمعادي، ومدرِّس العقيدة فيها، وفي كلِّيَّة العلوم الدينيَّة بالسكاكيني - مصر. حائز شهادة بكالوريوس فلسفة ولاهوت من إكليريكيَّة القدِّيس لاون الكبير بالمعادي – القاهرة ٢٠١٤، ودرجة الماجستير في تخصُّص اللاهوت العقائديِّ بالجامعة الجريجوريَّة بروما ٢٠٢٣. من مؤلَّفاته: كتاب الصليب في فكر كاسبر، دار لوغوس، ٢٠٢٢، وكتاب مَنْ يقول الناس إنِّي أنا، دراسة كريستولوجيَّة، دار لوغوس، ٢٠٢٤.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق