article_cover_image

بقيامة المسيح تُفتتح الخليقة الجديدة، ويتجاوز الإنسان حدود الزمان والمكان. (Painting of Jesus Christ by Nicolay Koshelev)

author_article_image

كاتيا وهبه

المسيح المتألِّم والقيامة بحسب الأب برنار سيزبويه

 

يهدف هذا المقال إلى التأمُّل في المسيح المتألِّم، من أجل استجلاء بواكير القيامة فيه، وبالتالي التوصُّل إلى معرفة أعمق وأشدَّ حميميَّة برسالته الخلاصيَّة.

إنَّ السرَّ المسيحيَّ يُعبَّر عنه باسم الخلاص، بوصفه مسارًا يقع في قلب التدبير الإلهيّ، وفي صميم الكتاب المقدَّس والوعظ المسيحيّ. وتندرج هذه الدراسة اللاهوتيَّة ضمن هذا الأفق، بالاعتماد بوجهٍ خاصٍّ على فكر برنار سيبزبويه.

وبالاستناد إلى إيريناوس، يعرِّف سيبزبويه هذا الخلاص قائلًا إنّه مترسِّخ في التدبير الإلهيّ الذي به يفيض الله بنِعَمه التي أرادها منذ البدء، ويتمِّمها لأجل الإنسان، حتَّى إنَّه يدمج فيها "حرِّيَّات الإنسان الخاطئة"[1]. عند إيريناوس، كان الخلاص ضروريًّا حتَّى قبل الخطيئة، لأنَّ الإنسان خُلق ليرى الله ويعيش معه. إذًا، نحن أمام منظور أسمى من مجرَّد الاستجابة للخطيئة، منظورٍ منقوش منذ الأصل في قصد الله.

فكيف يسلِّط هذا المقال الضوء على أعمال المسيح والآثار التي يتركها في تحقيق قصد الآب للبشريَّة، فنسعى إلى فهم معنى قيامته، وعلاقتها بنا نحن أبناء الله وبالكون؟ كما نتوقَّف على الفرق بين القيامة وتناسخ الأرواح في الشرق.


1- موت المسيح طريق الخلاص

 بحسب سيبزبويه، يتحقَّق الخلاص عبر طريقَين: من جهة، بواسطة الكشف الإلهيِّ والتحرير من الخطيئة، ومن جهة أخرى، بواسطة القيامة. يشكِّل الكشف الإلهيُّ طريقًا نازلًا متواضعًا، يتمُّ بعيدًا عن كلِّ مظاهر المجد. ويبلغ "إخلاء الذات" (الكينوزيس) ذروته في صلاة يسوع في بستان الزيتون، وفي طريق الصليب، وموته، ودفنه. هذا الطريق يتجاوز منطق البشر، وقد يبدو بلا جدوى، بل مهينًا لإله.

يؤكّد سيبزبويه أنَّ "فعل الإعلان هو في ذاته فعل خلاص"[2]، فالمسيح يخلِّصنا من الداخل، كما يشدِّد كيرلُّس الإسكندريّ: إذ "اتَّخذ طبيعتنا البشريَّة وعاش حالتنا بالكامل — ما عدا الخطيئة — صار متضامِنًا معنا حتَّى النهاية". إنَّ موضوع الزواج الروحيِّ بين الله وشعبه، الذي تمَّ على الصليب، يشير إلى العهد والشركة والعلاقة، وهي في صميم الخلاص.

هذا التبادل، بحسب آباء الكنيسة، يعبِّر عن اتِّحاد الطبيعة الإلهيَّة بالطبيعة البشريَّة. فالمسيح، بصفته إنسانًا، يحمل حالتنا؛ وبصفته إلهًا، يهب الحياة الإلهيَّة. وهكذا يظهر الخلاص كعطاء الله لذاته في شخص ابنه[3].

لم يتَّخذ يسوع مظهرًا بشريًّا فحسب، بل عاش الخبرة الإنسانيَّة بكلِّ عمقها. "أعطى جسده لأجل جسدنا"، جاعلًا "جسدنا قادرًا على الخلاص"[4]. ولو لم يعش بلا خطيئة، لَما تمَّ عملُه الخلاصيّ. إنَّ يسوع مخلِّص لأنَّه يعلن نفسه "الإنسان المُخلَّص": يحقِّق في ذاته ما يقدِّمه إلى البشريَّة. وقيامته تجعله النموذج الأوَّل للبشريَّة المخلَّصة. وكما يشير سيبزبويه، لا يمكن يسوع أن يقوم من دون أن يمرَّ بالموت: فمن خلال مشاركته الحقيقيَّة حالتَنا، يخلِّصها من الداخل[5].


2- الحبّ الذي يخلِّص في آلام المسيح

بوساطته، يمثِّل يسوع البشريَّة جمعاء ويفديها. إنَّ الرسالة المسيحيَّة هي قبل كلِّ شيء رسالة تحرُّر من الشرِّ والخطيئة. يكشف الصليب، في آنٍ واحد، خطورة الخطيئة البشريَّة ومحبَّة الله اللامتناهية. يسوع، وهو بلا خطيئة، حمل خطيئة العالم. "اختبر في جسده أنَّ الخطيئة تقود إلى الموت"[6]. لكنَّه، إذ أحبَّ حتَّى النهاية، حوَّل معنى الموت ذاته: فصار عبورًا إلى الحياة. وهكذا، فإنَّ موت المسيح هو عمل حياة، لأنَّه إذ يعطي حياته، يمنحنا الحياة.

طَوال آلامه، خاض يسوع صراعًا ضدَّ الكذب والعنف. وكشف عن حبٍّ يخلِّص، حبٍّ يمرُّ عبر الضعف والهشاشة والوحدة والطاعة والتسليم الواثق للآب، قبل الخيانة والإنكار، وقدَّمهما في فعل حبّ.

يشكِّل صمت الآب أمام الصليب مسألة جوهريَّة. في نظر سيبزبويه، هذا الصمت ليس غيابًا، بل هو إعلان: فالله يظهر تحديدًا في عدم تدخُّله. إنَّه عطاء أقصى، حيث يسلِّم الآب ابنه حتَّى النهاية. وفي ضعف المسيح الظاهريِّ تنكشف، بوجهٍ مناقض للعقل البشريّ، قدرة الله.

 في التأمُّل في المسيح المصلوب، يدخل التلميذ الحبيب في معرفة وجوديَّة لمحبَّة الله[7]. ليس الأمر مجرَّد نظرة خارجيَّة، بل شركة حقيقيَّة مع الذي يهب ذاته. وهذا بحدِّ ذاته عمل خلاص.

المسيح، الوسيط، يعيد الرباط بين الله والبشريَّة. وعند إيريناوس، تتجلَّى الوساطة الصاعدة كشفاعـة[8]: فالمسيح يقدِّم إلى الله إنسانيَّة مُصالَحة، ويفتح للإنسان الطريق نحو الله.

"غضب" الله، بحسب سيبزبويه، لا ينتمي إلى عدالة عقابيَّة، بل يعبِّر عن "حرارة محبَّته": فهو يكشف الخطيئة وفي الوقت نفسه يُظهر وجه الله[9]. فالكفَّارة ليست عقابًا أراده الله، بل هي مشاركة في محبَّة المسيح المخلِّصة.

   وفي خطِّ بول ريكور، يمكن فهم هذا الغضب كـ "حزن المحبَّة" الذي يتحوَّل إلى "ألم عبد الله واتِّضاع ابن الإنسان"[10]. فالمسيح هو، في آنٍ واحد، الضحيَّة ورئيس الكهنة: يحوِّل الألم إلى حبّ. ليس الألم بحدِّ ذاته هو الذي يخلِّص، بل الحبُّ الذي يُعاش به[11].

   بحسب القدِّيس أنسيلموس، لم يطلب الله من الابن أن يموت بهذه الطريقة، بل إنَّ الابن اختار بحرِّيَّته هذه الميتة، ليحفظ العدالة الإلهيَّة حتَّى النهاية، وقد سرَّ ذلك الآب. وإذا لم يخلِّص الله ابنه في ساعة النزاع، فلأنَّه أراد أن يُعاد بناء الجنس البشريِّ بفعلٍ عظيم كهذا الموت[12]. يبيِّن غرون ضرورة التجسُّد الفدائيّ، ويرى أنَّه كان لا بدَّ من تعويضٍ عن الإساءة التي ألحقها الإنسان بالله. فالمسيح، بعمل حرٍّ وعطاء كامل، أخذ مكاننا ليجعلنا قادرين على النهوض، وطاعة الآب، والقيامة. وعند القدِّيس توما، تعني الكفَّارة إعادة الإنسان إلى كرامته. فالخلاص يهدف أوَّلا إلى تحويل الإنسان: تدمير الخطيئة واستعادة الشركة مع الله.


3- القيامة

نُظِرَ إلى موتِ المسيح، من قِبَلِ عائلته وجماعته الصغيرة ومجتمعه آنذاك، بل وحتَّى من قِبَلِ أعدائه، على أنَّه حدثٌ نهائيّ. وهذا أمرٌ طبيعيّ بحسب الفهم البشريّ. فكيف يمكن الموت أن يصير بداية، أو عبورًا إلى حياةٍ أبديَّة، لا نهايةً لا رجوع عنها؟

غير أنَّ برنار سيبزبويه يُبيِّن أنَّ الله وعد شعبه بالقيامة العامَّة. فقد أكَّدت أسفار العهد القديم القيامة، وأعلنت أنَّ الله قادر على «إعادة الخلق» (راجع 2 مكابيين 7: 23)[13]. فالله يريد الحياة لشعبه، وقد أعلن إرادته في أن يَردَّ إليه الحياة، أي وعد القيامة. ذاك الذي خلق آدم بدافع «المحبَّة»، مُسبِغًا عليه «عقله، وفعله، ومشورته، وحكمته، وعنايته، وقبل كلِّ شيء عاطفته»، لن يتخلَّى عنه أبدًا[14].

ومن هنا، يُهَيَّأ الإنسان ويُقاد بواسطة الابن ليصلَ إلى الآب. ففي العهد القديم تتمُّ هذه التهيئة بواسطة الأنبياء الملهَمين من الروح، ثمَّ في مرحلةٍ ثانية من خلال لقاء الكلمة المتجسِّد والتبنِّي الإلهيّ. وأخيرًا تبلغ هذه المسيرة كمالها في معاينة الآب وجهًا لوجه. ويتمُّ هذا الصعود بالروح القدس الذي يهيِّئ الإنسان ويقوده إلى الآب عبر الابن.

يؤكِّد سيبزبويه أنَّ القيامة هي فعلٌ لِقدرة الله الكلِّيَّة، يفوق إدراك الإنسان ويتجاوز كلَّ تفسيرٍ عقليٍّ محض[15]. ومع ذلك، فإنَّ ما يُتاح للمعرفة البشريَّة يقود إلى الإيمان بما هو غير منظور، ويمنحنا إدراكًا جزئيًّا لهذا السرّ[16]. وهكذا، تُصبح أحداث حياة يسوع التاريخيَّة والمنظورة مدخلًا إلى استقبال سرِّ القيامة في أفق الإيمان.

القيامة هي فعل الخلاص، لأنَّه، كما يقول سيبزبويه: «في نظرنا، أن نخلُص يعني أن نحيا، أن نحيا بعمق وإلى الأبد، في حياةِ محبَّة»[17]؛ والقيامة تفتح تحديدًا على هذه الحياة النهائيَّة المملوءة محبَّة وشركةً مع الله. فالحياة الأبديَّة تقوم على رؤية الله وجهًا لوجه والدخول الكامل في حياته. وهي شركة مع الأقانيم الإلهيَّة الثلاثة، حيث يعرف الإنسان الله ويحبُّه في آنٍ واحد روحيًّا وجسديًّا.

في تأمُّل وجه المسيح، الابن، نرى الله ذاته. وهذه الرؤية هي مصدر فرح عميق، لا ينفصل عن حياة مشتركة مع الله. غير أنَّ هذه الحياة ليست ساكنة، بل تُصوَّر كوليمة شركة، كعيدٍ خالٍ من الألم والعنف، تسوده علاقات شخصيَّة قائمة على المحبَّة، على مثال سِفر الرؤيا.

ويقدِّم سيبزبويه ملاحظة جوهريَّة في الأبديَّة الموعودة لنا: ففي العالم السماويِّ لا وجود لعنصر «الزمن» كما نعرفه. إنَّ الرؤية الطوباويَّة، أي لقاء الله، لن تكون مجرَّد تتابع أفعال أو مدَّة لانهائيَّة[18]. إنَّها ليست أبديَّة تُفهم من حيث «المدَّة»، بل كحاضرٍ واحد مكثَّف وفريد، خبرة تتجاوزنا ولكنَّها لا تزول أبدًا. ولن تكون مجرَّد «رؤية» لله، بل ستكون مشاركة في واقع سماويٍّ يتخطَّى مقولات الزمن والتغيُّر البشريَّة.

وفي حياتنا الأرضيَّة، نختبر منذ الآن بعض لحظات الأبديَّة، كما يقول سيبزبويه[19]: لحظات يلمسنا فيها فعل محبَّة، أو إنجاز شخصيّ، أو اختبار عميق، فنشعر بأنَّنا قد لامسنا شيئًا لا يزول ولا يتغيَّر. وهذه اللحظات، وإن كانت محدودة بالزمن، تمنحنا عربونًا من ملء الأبديَّة الموعودة، حيث تُعاش كلُّ لحظة في كمالها وعمقها.

ولقيامة يسوع بُعدٌ إسخاتولوجيّ، إذ إنَّها تجسِّد منذ الآن ما هو نهائيّ، وتعلن ما سيكون عليه مصيرنا الأخير[20]. كيف لنا أن نفهم ذلك؟


4- قيامة تشمل الكون والإنسان

يرى سيبزبويه أنَّ قيامة المسيح تمثِّل عبورًا حاسمًا: فالمسيح القائم «لا يموت بعد الآن» (رو 6: 9). لقد بلغ في الله حياة نهائيَّة، لا بصفته ابن الله فحسب، بل بإنسانيَّته التي تمَّ اتِّخاذها بالكامل. فالقيامة تطال شخص يسوع بكامله، حتَّى جسده المائت، ولذلك ظهر لتلاميذه ظهورًا محسوسًا لكي يتعرَّفوا إليه. وإنسانيَّته الممجَّدة تصبح النموذج والوعد لمصير كلِّ إنسان.

علاوةً على ذلك، تشكِّل قيامة يسوع الكلمةَ الأخيرة بشأن الحالة البشريَّة المحدودة. فهو لا يقوم بمعزلٍ عن الآخرين، بل في علاقة بالإنسانيَّة والكون. وقيامته هي نقطة انطلاق حركةٍ تشمل الاثنين معًا. ففيه، تحوَّلت الحالة البشريَّة، ودُخل بها إلى الحياة الأبديَّة، مُدشِّنةً ما تسمِّيه الكنيسة «التحقُّق الأوَّل» للقيامة.

إنَّ قيامة يسوع تمتدُّ إلى قيامة جسدنا بفضل سرِّ التجسُّد. فالله أخذ جسد الإنسان، وخلق الإنسان على صورته. ووفقًا لـترتليانوس، «جسدنا هو أخت المسيح»[21]. وهكذا يصبح القبر الفارغ، في نظر سيبزبويه، علامة منظورة لقيامة لا مُعلَن عنها فحسب، بل بدأت تنمو بالفعل. وإذا كان الخلاص في مسيرة، فهذا يعني أنَّ قيامة الإنسان أيضًا في طور التحقُّق، وتنكشف في قيامة المسيح.

كما يقول سيسبويه، إنَّ الحالة البشريَّة ليست محكومة بالفساد والموت كقدر نهائيّ. فقيامة يسوع تكسر هذا «القانون» الظاهريَّ للانحلال. وفيه يحمل الكون منذ الآن «تصدُّعًا»[22]، علامة على أنَّ النظام القديم، المطبوع بالموت، هو في طريق التحوُّل. وهذا التصدُّع لم يكتمل بعد، لكنَّه يُعلِن تحوُّلًا عميقًا. وفي النهاية، يُدعى الكون بأسره إلى أن يصبح «شفَّافًا لحياة الله»، أي منفتحًا كلِّيًّا على النور الإلهيّ، مُصالَحًا ومُمجَّدًا.

   وهكذا، تشكِّل قيامة المسيح بدايةَ تجديد كونيٍّ يشمل الإنسانيَّة والخليقة بأسرها. ويصبح القبر الفارغ علامة نبويَّة على «تحوُّلٍ إسكاتولوجيٍّ جذريّ»، أي إنَّ صورة العالم الحاضرة، المطبوعَة بالموت والألم والمحدوديَّة، ليست حقيقته الأخيرة.

إنَّ قيامة المسيح تفتح ثغرة في هذا النظام المؤقَّت، وتُظهِر عالمًا متجدِّدًا مُمجَّدًا بحياة الله. فالعالم، كما هو الآن، ينتظر كماله، أي عبوره إلى واقع نهائيٍّ لا سلطان للموت فيه. وهكذا تصبح القيامة، في «نشأتها البطيئة»[23]، ممكنة بفضل المعنى والبشائر التي تحملها قيامة المسيح، ضمن ديناميكيَّة تمتدُّ من صباح الفصح إلى مجيئه الثاني في المجد في نهاية الأزمنة.

بالمقابل لم يقبل الفكر اليونانيُّ قيامة الأموات، إذ عدَّ الجسد ضعيفًا وفاسدًا، ورأى أنَّ النفس وحدها خالدة. في مواجهة هذا التصوُّر، يؤكِّد بولس قيامة يسوع، مبيِّنًا أنَّه بدونها يكون كلُّ شيء باطلًا وإيماننا بلا معنى، رابطًا إيَّاها مباشرةً بـ«قيامة الأموات» (1 كور 15: 20). ويشرح بولس هذا التحوُّل بمثال البذرة: فكما تُزرع البذرة وتموت لتعطي حياة جديدة، كذلك الجسد الإنسانيّ، الذي يُزرع في الفساد والضعف والاحتقار، يقوم في حالة جديدة كلِّيًّا: غير فاسد، ممجَّد، وروحانيّ. وهذا الانتقال هو «معجزة»[24] إلهيَّة تحوِّل الإنسان وتُدخله في حياة الله. فالحياة الجديدة تمرُّ عبر جسد المسيح الممجَّد، لأنَّ «حياتكم مستترة مع المسيح في الله» (كو 3: 3).

إنَّ شموليَّة خلاص المسيح تقع في قلب اللاهوت المسيحيِّ، ووفقًا لسيبزبويه، فإنَّ هذا الخلاص لا يشمل المعاصرين المسيحَ فحسب، بل أيضًا الذين سبقوه والذين سيأتون بعده، في بُعد كونيٍّ وعابرٍ للزمن. ويستند سيبزبويه إلى التقليد المسيحيِّ الذي يفهم نزول المسيح إلى الجحيم كإعلانٍ لعموم الخلاص، حيث بشَّر المسيح نفوس الأبرار المنتظرين الفداء في «اللمبوس» أو في حالة انتظار الخلاص. وهكذا، فإنَّ موته وقيامته لم يكونا حدثَين محصورَين في لحظة تاريخيَّة، بل كانا فعلًا خلاصيًّا شاملًا يطال الأحياء والأموات على السواء، ويكشف امتداد عمله الخلاصيِّ إلى ما بعد حدود الحياة الأرضيَّة.

وبذلك، لا يكون المسيح مخلِّصًا للحاضر فحسب، بل أيضًا للماضي والمستقبل، أي لكلِّ البشريَّة في تاريخها الكامل. ومن هنا، تُفهم القيامة لا كحدثٍ منفصل، بل كبدءٍ جديدٍ يشمل مجمل التاريخ البشريّ، ويمنح إمكانيَّة الخلاص لكلِّ إنسان، أينما وُجد في مسار الزمن. فبقيامة المسيح، تُفتتح الخليقة الجديدة، ويتجاوز الإنسان حدود الزمان والمكان، إذ يمتدُّ أثر هذا الحدث إلى كلِّ مَنِ اتَّحد بالمسيح أو سيتَّحد به، أحياءً كانوا أم أمواتًا.

أمَّا في قيامة الجسد فالإنسان بكلِّيَّته هو موضوع هذا التحوُّل. وتقوم العلاقة بين وجودنا الحاضر والحياة الآتية على بعدَين متلازمَين: الاستمراريَّة والانقطاع. فالاستمراريَّة، بحسب سيبزبويه، تكمن في حفظ هويَّة الإنسان الشخصيَّة والتاريخيَّة، بحيث يبقى ما نحن عليه في هذه الحياة حاضرًا في كمال القيامة[25]. غير أنَّ هذه الاستمراريَّة لا تعني تكرارًا للحياة الحاليَّة، إذ يرافقها انقطاع جذريٌّ يتمثَّل في تحوُّل نوعيٍّ شامل. فالجسد، مع بقائه هو هو في هويَّته، يُستعلن في صورة جديدة كلِّيًّا، أي «جسد ممجَّد وروحيّ». وهكذا تنتقل الحالة الإنسانيَّة من واقع الضعف والفساد والموت إلى حياةٍ متحوِّلةٍ بالكامل بنور الحياة الإلهيَّة. ويمثِّل هذا التحوُّل عبورًا جذريًّا من حالة الإنسان الأوَّل إلى كمال الإنسان الجديد في المسيح، من دون فقدان للهويَّة، بل تحقيقًا لها في ملئها النهائيّ. ومن هنا تتَّضح قيمة التاريخ الإنسانيّ، إذ إنَّ الإنسان يقوم إلى الحياة الأبديَّة حاملًا شخصيَّته وتاريخه، حيث إنَّ لكلِّ فعلٍ وكلمةٍ وخبرةٍ معنًى أبديًّا في نور القيامة.


5- القيامة وتناسخ الأرواح

يدافع سيبزبويه عن قيامة الإنسان بكامله من خلال مقارنتها بتناسخ الأرواح في الشرق، مبرِزًا الاختلاف الجذريَّ بينهما. ففي الشرق، يُنظر إلى التناسخ غالبًا بنظرة تشاؤميَّة: إنَّه ليس تحرُّرًا بل هو دورة لانهائيَّة من السجن، يخضع فيها الإنسان لقانون الكارما. أمَّا في بعض التصوُّرات الغربيَّة فيُقدَّم التناسخ بنظرة أكثر تفاؤلًا، كفرصة لإصلاح أخطاء الحياة السابقة. لكنَّ هذا التصوُّر يُضعف هويَّة الشخص ووحدانيَّته، إذ يجعل النفس قابلة للاستبدال.

في نظر سيبزبويه، الإنسان غير قابل للاستبدال أمام الله، وهو قادر على تحديد مصيره بحرِّيَّة مطلقة[26]. لذلك، تحافظ القيامة على هذه الحرِّيَّة، إذ لا تعني تكرار الحياة الأرضيَّة، بل تعني تحقيق الشخص في ملئه، مع بقائه هو ذاته. بينما يفترض التناسخ انتقال النفس من جسدٍ إلى آخر، ما يهدِّد وحدة الشخص، فإنَّ القيامة هي فعل إلهيٌّ يحرِّر الإنسان من هذه الدوَّامة، ويُتمُّ شخصه في جسد ممجَّد، مع الحفاظ على حرِّيَّته وقدرته على اختيار علاقته بـ الله [27].

ففي التناسخ، يسعى الإنسان إلى الخلاص بجهوده الخاصَّة، بينما في المسيحيَّة، الله هو الذي يبحث عن الإنسان ويمنحه الخلاص بدافع المحبَّة والرحمة، ليقيم معه شركة حيَّة.


6- الخلاص كمسيرة: دعوة لليوم

انطلاقًا من ذلك، نؤكِّد وحدة الكائن البشريِّ والكون في هذه القيامة التي ستبلغ كمالها في الباروسيا. إنَّه خلاص فرديٌّ وجماعيّ، شامل للإنسان بأسره، وعالميٌّ غير محصور بفئة أو زمن.

القيامة هي، إذًا، في مسار تحقُّق تدريجيّ، يشمل الخليقة كلَّها، ويكشف التوتُّر بين «الآن» و«ليس بعد». فالمسيح، بجسده، يُدخلنا في الحياة الأبديَّة.  

إنَّ وحدة الإنسان، جسدًا ونفسًا، هي محور أساسيٌّ عند سيبزبويه، لأنَّها تشمل كلَّ أبعاد حياتنا في مخطَّط الخلاص. وهي محفوظة ومتحوِّلة في المسيح، ومقدَّمة إلى الآب، وهذا أساس الرجاء المسيحيّ.

كما أنَّ رجاء القيامة يمنحنا اليقين بأنَّ آلام الحاضر ليست نهائيَّة، إذ لا تملك الكلمة الأخيرة. إنَّ بواكير القيامة منقوشةٌ منذ الآن في الطبيعة البشريَّة، لأنَّ جسدنا يحمل في ذاته قابليَّة القيامة[28]. يقول إيريناوس إنَّ ذلك ممكن، لأنَّه في «الصورة» و«المثال» يُوضَع في علاقة «الجسدُ المخلوق والجسدُ القابل للقيامة بقوَّة الله عينها»[29]. وهكذا يحمل الإنسان في كيانه رجاء قيامته، ويُسهِم في مسيرة خلاصه.


الخاتمة

أمام فيض الخطيئة والشرّ، يعلِن الإيمان المسيحيُّ فيض محبَّة الله التي ظهرت بوجه حاسم في صليب المسيح. في هذا المنظور، تَظهر ملامح المسيح المتألِّم مكانًا تتشكَّل فيه تدريجيًّا مطابقةُ المؤمن لربِّه. أمَّا خبرة الإيمان المعاصرة، المجبولة بالتجارب وعدم اليقين، فتبقى منجذبةً إلى المسيح المصلوب. إنَّ حبَّه يؤسِّس دعوة دائمة إلى الثقة وتعميق العلاقة الشخصيَّة به.

يقول ترتليان: "دم المسيحيِّين هو بذار"[30]، مشدِّدًا على خصوبة الشهادة. عند أقدام الصليب، يعترف قائد المئة بيسوع ويعلن إيمانه: وهكذا يصبح الإيمان باب الدخول إلى الخلاص.

يشدِّد سيبزبويه على أنَّ "الخلاص يتقدَّم من إيمان إلى إيمان"[31]. ليس هو حدثًا عابرًا، بل مسيرة حيَّة. إنَّه يتجلَّى عبر الزمن، من خلال إيمانٍ ينمو ويتنقَّى ويتعمَّق. كلُّ شيء يبدأ بفعل إيمان: قبول المسيح مخلِّصًا. لكنَّ هذا الإيمان مدعوٌّ إلى النضوج عبر التجارب والشكوك والآلام. وكلُّ فعل ثقة يصبح مرحلة في طريق الخلاص.

هذا التقدُّم يتضمَّن تحوُّلًا داخليًّا: إذ يصبح الإيمان أشدَّ تواضعًا وتجذُّرًا في المحبَّة، ويقود إلى التشبُّه بالمسيح، والمشاركة في إخلائه لذاته وفي حبِّه الكامل.

   يتجلَّى الخلاص في شركة الكنيسة، حيث يَسند إيمان بعضهم إيمان الآخرين ويغذِّيه. وهكذا ينتمي إلى ديناميَّة تاريخيَّة وجماعيَّة. وعلى خطِّ كارل راهنر، يشير سيبزبويه إلى أنَّ الخلاص لا يزال في طور التكوُّن: إنَّه يمتدُّ في الزمان والمكان، منبثِقًا من الأبديَّة ومتَّجهًا نحو كماله الأخرويّ.

   إنَّ الروح القدس هو الذي يجعل هذا الخلاص حاضرًا وفاعلًا في الزمن. فهو روح القائم من بين الأموات، وذاكرة المسيح الحيَّة، ومبدأ التحوُّل الداخليّ. وبه يصير الإنسان «ابنًا في الابن» وعضوًا في جسد المسيح (راجع رو 8). فالروح يُحدِث اليوم عمل الخلاص، ويجعل القيامة حدثًا حيًّا دائم الفعَّاليَّة، مانحًا الإنسان القدرة على المشاركة في الحياة الإلهيَّة. وبدون الروح، يبقى الصليب والقيامة مجرَّد أحداث ماضية بلا قوَّة مُحوِّلة.

                                                                                                          



الحواشي

[1] Cf. Bernard Sesboüé, Tout récapituler dans le Christ (Paris : Desclée, 2000), 109.

[2]   Sesboüé, Les récits du salut, Jésus-Christ l’unique médiateur, Paris, Desclée, 1991, p. 264.

[3]   Sesboüé, ibid., p. 360.

[4]   Sesboüé, Tout récapitulé dans le Christ, 122.

[5]   Cf. Sesboüé, La résurrection et la vie, petite catéchèse sur les choses de la fin (Paris: Desclée de Brouwer, 1990), 41.

[6]     Sesboüé, ibid, 42.

[7]     Cf. Sesboüé, Les récits du salut, 232.

[8]    Cf. Sesboüé, Jésus-Christ l’unique médiateur (Paris : Desclée, 1988), 94.

[9]    Cf. Sesboüé, ibid., 298.

[10]  Sesboüé, ibid., 299.

[11]   Cf. Sesboüé, ibid., 321.

[12] Cf. Sesboüé, ibid, 331.

[13] Cf. Sesboüé, La résurrection et la vie, 33.

 [14] Sesboüé, Tout récapituler dans le Christ, 147.

[15] Cf. Sesboüé, op.cit., 56.

[16] Cf. Sesboüé, op.cit., 59.

[17]  Sesboüé, Croire, Invitation à la foi catholique pour les femmes et les hommes du XXIe siècle (Paris: Droguet et Ardant, 2000), 324.

[18] Cf. Sesboüé, ibid., 533.

[19]   Cf. Sesboüé, ibid.

[20] Cf. Sesboüé, La résurrection et la vie, 45.

[21]   Sesboüé, Croire, 527 (المقصود أنَّ طبيعتنا البشريَّة هي نفسها طبيعة المسيح البشريَّة).

[22]   Sesboüé, op.cit., 45.

[23]   Sesboüé, op.cit., 105.

[24]   Cf. Sesboüéop.cit.., 55.

[25] Cf. Sesboüé, op.cit., 61-62.

[26] Cf. Sesboüé, Croire, 328.

[27] Cf. Sesboüé, op.cit., 66.

[28] Sesboüé, Tout récapituler dans le Christ, 86-87.

[29] Sesboüé, ibid., 87.

[30] Cf. Sesboüé, Les récits du salut, 213.

[31] Sesboüé, ibid., 267.




  كاتيا وهبه: حائزة شهادة ماستر في العلوم الدينيَّة، قسم اللاهوت - جامعة القدِّيس يوسف. وهي عضو في الفريق الرسوليِّ في أبرشيَّة بيروت، وتملك خبرات إرساليَّة في الهند وإيطاليا والأردن، ومن وحيها نشرت كتابًا بعنوان الأمّ تيريزا، إخلاء واتِّحاد.

      [email protected]



تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق