أخذ دمًا وغسل يديه، بيلاطس أو الجبن القاتل
لا يذكر قانون الإيمان من أسماء البشر في تاريخ الخلاص سوى اثنين: مريم العذراء، وبيلاطس البنطيّ. مريم العذراء شخصيَّة محوريَّة في تاريخ الخلاص، لأنَّ الابن، كلمة الله، تجسَّد فيها بشرًا، ولذلك نفهم لماذا يأتي قانون الإيمان على ذكرها. أمَّا بيلاطس البنطيُّ فهو شخصيَّة ثانويَّة. في عهده، في الإقليم الذي كان واليًا عليه، وبأمره، صُلِبَ المسيح. ولكنَّ أحداث الصلب تذكر شخصيَّات أهمَّ من بيلاطس كيهوذا الإسخريوطيِّ الذي خان معلِّمه، وقيافا الذي أمر باعتقال يسوع، وحكَم عليه، وأسلمه إلى الرومان، وحرَّض الشعب على المطالبة بصلبه والضغط على بيلاطس كي يلبِّي مطلب الشعب... فلماذا لا يذكر قانون الإيمان سوى بيلاطس؟ هذا هو السؤال البدئيُّ الذي يطرحه الأب غي سركيس في كتابه أخذ دمًا وغسل يديه.
لا يريد الأب غي من طرحه السؤال أن يجد جوابًا تفسيريًّا، فالجواب التفسيريُّ بسيط جدًّا. إنَّه يطرحه ليكون ركيزةً تسمح له بطرح قضيَّة تتخطَّى إطار الحدث التاريخيّ، أي صلب المسيح. ويعلن عن هذه القضيَّة في العنوان الفرعيّ: "الجبن القاتل"، أي السكوت عن الظلم خوفًا أو حفاظًا على مصالح شخصيَّة. قضيَّة مطروحة طوال التاريخ البشريّ، ومطروحة خصوصًا في بلداننا حين يتخلَّى الناس عن المطالبة بالعدالة واحترام حقوق الإنسان بدافع المصلحة أو الخوف أو كليهما معًا.
الكتاب مقسوم إلى قسمين رئيسَين:
القسم الأوَّل تاريخيٌّ يسعى إلى رسم صورة حاكِمِ اليهوديَّة، بيلاطس البنطيّ، من خلال ما ورد في الوثائق التاريخيَّة القديمة وفي الأناجيل. في أيِّ ظروفٍ تمَّ تعيين بيلاطس واليًا، وما هي صداماته مع اليهود، ومَنْ هم أعداؤه، وما هي المحن التي اجتازها، وما هو مصيره بعد أحداث الصلب؟
ينطلق الكاتب ممَّا ذكره فيلون الإسكندريُّ في كتابه سفارة إلى غايوس عن هذا الحاكم، وخصوصًا حادثة الدروع الذهبيَّة. حادثة أظهرت شراسة بيلاطس وانكساره في آنٍ واحد: "بدا بيلاطُس في رواية فيلون شخصيَّة متناقضة؛ فهو، من جهةٍ أولى، رجلٌ قويُّ الشكيمة وصارمٌ ومتهكِّمٌ مع أتباعه، ومن جهةٍ ثانية، رجلٌ ضعيفٌ وخائفٌ ومتقلقلٌ مع رؤسائه" (ص. 23).
بعد ذلك، يذكر الكاتب المؤرِّخَ اليهوديَّ المشهور فلافيوس يوسيفوس، ويعتمد في اقتباساته على كتابَين له: "تارخ الحرب اليهوديَّة" و"عادِّيَّات يهوديَّة"، فيقتبس مقاطع طويلة تروي مشكلات بيلاطس مع اليهود: حادثة رايات قيصر، حادثة القناة المائيَّة، وحادثة مجزرة السامريِّين. وهي حوادث أدَّت إلى عزله. في هذه المناسبة، يذكر الأب غي نصًّا شديد الأهمِّيَّة لدى المسيحيِّين، وهو يتعلَّق بقتل المسيح، ما يثبت تاريخيَّة الحدث، ويضع بين معقوفتَين العبارات التي أضافها النُسَّاخ المسيحيُّون إلى هذا النصّ:
"في هذا الوقت، كان يسوع، الرجل الحكيم، [إن كان يحلُّ لي أن أدعوه رجلًا]، قد قام بأعمالٍ عجيبة، ونشر تعاليم لاقت استحسانًا وقبولًا من سامعيها، فجذب إليه كثيرين من اليهود واليونانيِّين. [كان هو المسيح.] وعندما حكم عليه بيلاطُس بالصلب، بناءً على طلب رؤساء شعبنا، لم يتخلَّ عنه أتباعه. [وقد ظهر لهم حيًّا في اليوم الثالث بعد صلبه، كما سبق للأنبياء الإلهيِّين أن تنبَّأوا به، وعن آلاف الأشياء العجيبة الأخرى بشأنه.] وإلى يومنا هذا، لا يزال هنالك مسيحيُّون يُدعون باسمه" (عادِّيَّات يهوديَّة، الكتاب ١٨، ف. ٦٣-٦٤) (ص. 33).
بعد هذا العرض التاريخيّ، يتناول الكاتب نصوص الأناجيل ليكمل من خلالها رسم صورة بيلاطس ويمهِّد من خلال هذا الرسم لما سيلي. لذلك وضع مواضيع معيَّنة في العناوين الفرعيَّة، وسرد المقاطع الإنجيليَّة المتعلِّقة بهذه المواضيع، وأتبعها بتعليقٍ يُبرز سمات شخصيَّة بيلاطس. أمَّا الموضوعات فجاءت على النحو الآتي: الحقيقة في قفص الاتِّهام (ص. 36)، فنُّ اللاخيار (ص. 41)، عندما يضعف القاضي (ص. 45). وفي النهاية، يعطي الكاتب خلاصة يعرض فيها تباين الصور بين الأناجيل، مع أنَّها تتَّفق على خطوطٍ رئيسة:
"اختلفت سمات شخصيَّة بيلاطُس في العهد الجديد بين إنجيلٍ وآخر، ولكنَّها أجمعت على أنَّه في نهاية المُحاكمة خضع للجموع الغاضبة المُطالِبة بصلب يسوع، على الرغم من اقتناعه التامِّ ببراءته" (ص. 54).
كختامٍ للقسم الأوَّل، يعرض الكاتب باختصار موقف المسيحيِّين من بيلاطس عبر العصور، ويبدو أنَّه موقف إيجابيٌّ يبرِّئ صفحته، ويُلقي اللوم كلَّه على اليهود، ويذهب حتَّى إلى القول إنَّ بيلاطس مات مسيحيًّا. ويبدو أنَّ هذا الموقف أثار حفيظة الأب غي لأنَّه يبرِّر فعلًا لاأخلاقيًّا بحسب قوله، أي الجبن أو السكوت عن الظلم. وهذا يقودنا إلى القسم الثاني من الكتاب.
القسم الثاني من الكتاب يطرح المعضلة. فالمسألة ليست مسألة شخصٍ عاش مع البشر، بل مسألة موقفٍ يسري بين البشر. هل السكوت عن الظلم موقف أخلاقيٌّ حتّى وإن نال دعمًا من مبدأ الشرِّ الأقلّ؟ هنا يلجأ الكاتب إلى رواياتٍ من القرنَين العشرين والحادي والعشرين، فيقدِّم إلينا رسائل بيلاطُس للصحافيِّ ويليام برسيفال كْرُوزير، وبُنْطِيوس بيلاطُس للكاتب روجيه كايوا، وبيلاطُس للروائيِّ جان غروجان، وظِلّ الجليليّ للّاهوتيِّ جِيرد تَيْسِن، والإنجيل بحسب بيلاطُس للكاتب إريك إيمانويل شميت، وبيلاطُس البنطيّ، لغزٌ بين التاريخ والذاكرة للمُؤرِّخ ألدو سْكيافوني، ورسائل بُنْطِيوس بيلاطُس للكاتب ديدييه لاروك. وفي النهاية، يلخِّص الفكرة الجوهريَّة التي أراد الكُتَّاب إبرازها من خلال اختيارهم هذه الشخصيَّة:
"تعمَّق المُفكِّرون في شخصيَّة بيلاطُس سعيًا إلى فهم أعماقه الإنسانيَّة، لا بقصد اكتشاف مسيرته العسكريَّة والإداريَّة؛ إذ غدا مرآة تعكس حالة النزاع التي يعيشها الإنسانُ حين يُلزَم بالاختيار بين الحقِّ والباطل، بين المصلحة العامَّة والمنفعة الشخصيَّة، بين العدالة والرأفة، بين الواجب والمُمكن، بين الخير والشرّ، بين الجيِّد والأفضل" (ص. 103).
بعدها يعرض فكر ثلاثة فلاسفة معاصرين في هذا الموضوع، وهم: إتيان دو لابُويِسي، وحنَّة أرندت، وبريمو ليفي. ومن هؤلاء الثلاثة يستخلص بعض المحاور المهمَّة في شأن ما يسمِّيه الموظَّف المتوسِّط، أي الشخص الذي يتمتَّع بسلطة قيادة لكنَّها ليست السلطة العليا.
"إنَّ "المسؤولين-المُتوسِّطين"، الواقعين بين الرؤساء الكبار وعامَّة الناس، يشكِّلون الفئة الأهمَّ في بنية السلطة، لأنَّهم القيِّمون المباشرون على الحقِّ والعدالة. وقد ركَّز المؤلِّفون الثلاثة على دور هذه الفئة... في ترسيخ الظلم. وهذه الفئة ليست قليلة العدد في المجتمع، بل تضمّ، مثلًا، القضاة، والمدراء العامِّين، وأعضاء المجالس البلديَّة، والمسؤولين الدينيِّين، والضبَّاط. وهؤلاء "المسؤولون- المتوسِّطون" ليسوا وحوشًا بطبيعتهم، بل هم أناس عاديُّون؛ ومن هنا تحديدًا تكمن خطورتهم، إذ يمكنهم أن يتحوَّلوا إلى فاعلين في البربريَّة، فاقدين إنسانيَّتهم، لأنَّ الإنسان قادر، في آنٍ واحد، على اجتراح المعجزات وارتكاب القبائح" (ص. 135).
الفصل الأخير للكتاب مخصَّص لموضوع الشجاعة كموقفٍ أخلاقيٍّ أمام الظلم. هنا أيضًا، يستدعي الأب غي شخصيَّاتٍ قديمة ومعاصرة ويعرض آراءها في المعضلة التي طرحها: الجبن الذي يقود إلى قرارٍ ظالم. يبدأ العرض من دفاع سقراط لأفلاطون، وعِلمُ الأخلاق إلى نيقوماخوس لأرسطو، ثمَّ يتمُّ الانتقال إلى ديتريش بونهوفر، ثمَّ بول تيليش في كتابه الشجاعة من أجل الوجود، ثمَّ آخر محاضرات ميشال فوكو عن شجاعة الحقيقة، لينتهي العرض بتوجيهاتٍ رعويَّة وعمليَّة للمثابرة على الحقّ.
بالمقارنة مع باقي كتب الأب غي، هذا الكتاب صغير الحجم نسبيًّا. ولكنَّه على غرار كتبه الأخرى، غنيٌّ بالمعلومات، سهل القراءة، وموثَّق في كلِّ تفاصيله. كتاب يظهر في عالمٍ رقميٍّ يشيع فيه تزييف الحقيقة أو تبريرها، وخصوصًا، الاكتفاء بإطلاق أصوات عبر وسائل التواصل الاجتماعيِّ بدون التزامٍ مستدام، وبدون خروج من الأسوار الآمنة من أجل مواجهةٍ قد يدفع فيها المناضل من أجل الحقِّ ثمنًا باهظًا. أصوات تظلُّ كلامًا رخيصًا حتَّى وإن كانت تستنكر الظلم. إنَّها الصورة الحديثة لعمليَّة غسل اليدين التي قام بها بيلاطس من أجل التبرُّؤ من الإثم، غسل ليس بالماء بل هو بعرق المسكين الذي يُستغَلُّ ودم البريء الذي يُسفَك.
غي سركيس
أخذ دمًا وغسل يديه، بيلاطس أو الجبن القاتل
ط.1، 182 صفحة، بيروت: دار المشرق، 2026
ISBN: 978-2-7214-5705-9
الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: كاتب وباحث، مدرِّس في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق