article_cover_image

رسم لبديع الزمان الهمذانيّ (ت398هـ/1008م)

author_article_image

بلال الأرفه لي (الجامعة الأميركيّة في بيروت) موريس بوميرانتز (جامعة نيويورك-أبو ظبي)

مقامة مفقودة لبديع الزمان الهمذانيّ؟

إلى إفيريت راوسون: الباحث والصديق والمربّي

مستخلص

يقدِّم هذا المقال مقامةً غير معروفة منسوبة إلى بديع الزمان الهمذانيّ (ت ٣٩٨هـ/١٠٠٨م). ويبدأ بعرض الدراسات المتعلِّقة بمخطوطات مقامات الهمذانيّ، ثمّ يناقش أدلّة حِفْظ نصّ هذه المقامة في مخطوط وحيد في جامعة يال، مكتبة باينكي، مجموعة سالسبري، رقم ٦٣، (Yale University, Beinecke Library, Salisbury, Collection no. 63). وإنّ هذا المخطوط المنسوخ بتاريخ ٦٠٣/١٢٠٦، كان معروفًا من قِبَل الباحثين الأوروبيِّين، وكان بحوزة إفيرارد شايدياس (Everard Scheidius) (١٧٤٢-١٧٩٤م) وسيلفستر دي ساسي (Silvestre de Sacy) (١٧٧٥-١٨٣٨م) وإدوارد آلدريج سالسبري (Edward Eldridge Salsbury) (١٨١٤-١٩٠١م). وإنّ المقامة التي حفظها هذا المخطوط تصف حيلةَ طبيب محتال يبيع عقاقيرَ مزيَّفة مُدَّعيًا إعدادها من موادّ طبّيّة (material medica) نادرة. ويقدّم المقال صورة طبق الأصل عن نصّ هذه المقامة مُرفَقًا بترجمة إلى الإنكليزية مزوّدة هوامش، ثمّ يعرض تحليلًا مُفصَّلًا للمقامة من حيث الشكل والموضوع واللغة والأسلوب، وذلك بمقارنتها بمقامات الهمذانيّ الأخرى. ويُختتم بفَرْضيَّات عدَّة تتعلّق بموثوقيّة هذا النصّ المفقود.

كلمات مفتاحيّة: مقامات، بديع الزمان الهمذانيّ، مخطوطات، أدب عربيّ، طبّ.

I - دراسات تتعلّق بمقامات بديع الزمان الهمذانيّ:

شكَّلت مقامات بديع الزمان مادّة بحثيَّة غنيَّة لعدد كبير من المقالات والدراسات في حقل الأدب العربيّ.[1] والهمذانيّ هو مبتكر المقامات - وهي نوع نثريّ سرديّ شرق -أوسطيّ- كان له عظيم الأثر في اللغة العربيّة وخارجها لأكثر من ألف عام؛ ولذلك فإنّ مقاماته تستدعي هذا الاهتمام الأكاديميّ. ولا شكّ في أنّ مقامات الهمذانيّ تشكّل أحد أهمّ الأعمال الأدبيّة الشرق-أوسطيّة في التاريخ الأدبيّ.

وبالرغم من الأهمّيّة الواضحة تلك لمقامات الهمذانيّ، فإنّ أسئلة أساسيّة تتعلّق بظروف تأليف النصَّ وجمعه ونقله لم تحظ بإجابةٍ بعد. ومن المؤسف أنّ الدراسات عن نصّ مقامات الهمذانيّ ما زالت تُبنى على طبعات مليئة بالأخطاء تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر.

وإنّ هذا الأمر لا يُضعف نتائج دراسات الباحثين المُحدَثين فحسب، بل ويمنعهم أيضًا من تقدير الثقافة الأدبيّة التي أنتجت هذا النصّ. كيف أُلِّفت المقامات؟ كيف كانت تُؤدَّى؟ كيف حُفِظت وضاعت ووُجِدت وجُمِعت ونُقِلت؟

لن يكون بالإمكان تقديم إجابات وافية عن هذه الأسئلة في مقالة موجزة، ولكنّنا نطمح إلى أن نثبت للقارئ أنّ نصّ المقامات ما زال بأمسّ الحاجة إلى التدقيق الفيلولوجيّ.

II - مخطوطات مقامات الهمذانيّ:

نبَّه دونالد ريتشاردز (Donald S. Ritchards)، في مقالة له بعنوان "مقامات الهمذانيّ: ملاحظات واعتبارات عامّة بخصوص المخطوطات" العام ١٩٩١، إلى الحالة الإشكاليّة التي تسم تراث مخطوطات مقامات الهمذانيّ.[2] وأثبت ريتشاردز، بعد مقارنته محتوى تسع مخطوطات جمعها من مكتبات مختلفة أوروبّيّة وشرق-أوسطيّة، تباينًا كبيرًا في ترتيب المقامات. وقد انتهى الباحث إلى تقسيم تلك المخطوطات مبدئيًّا في مجموعتَيْن رئيستَيْن:

١- المخطوطات العائدة إِلى "الفترة العثمانيّة" والمنسوخة بعد القرن التاسع/الخامس عشر، وهي ستّ مخطوطات، يضمُّ كلٌّ منها ٥٠ مقامةً بالترتيب نفسه.[3]

٢- المخطوطات "المبكّرة" وهي العائدة إلى الفترة ما بين القرنَين السادس/الثاني عشر، والثامن/الرابع عشر، وهي ثلاث مخطوطات، يضمُّ كلٌّ منها: تسع عشرة مقامة، ثلاثًا وثلاثين مقامة؛ وأربعين مقامة؛ ويختلف ترتيب المقامات بين هذه المخطوطات الثلاث، كما يختلف ترتيبها عن ترتيب مخطوطات الفترة العثمانيّة.[4]

III - مخطوط جامعة يال:

واحد من أهمّ مخطوطات مقامات الهمذانيّ، والذي لم يطّلع ريتشاردز عليه، هو مخطوط جامعة يال، مكتبة باينكي، مجموعة سالسبري، رقم ٦٣. ويوفّر هذا المخطوط، مقارنةً بنشرات المقامات، قراءات أشدّ دقّة. ولذلك يجب استخدامه في أيّ تحقيق لمقامات الهمذانيّ.

ويضمّ مخطوط يال ٣٨ ورقة بحجم ٢٥.٥ × ١١.٥ سم، في كلّ ورقة ٢٦ سطرًا. وكُتِب بخطّ نسخيّ واضح وباللونَين الأسود والأحمر، وقد تمّ نسخه سنة ٦٠٣هـ/١٢٠٦م، ولا إشارة فيه إلى اسم الناسخ.[5]

وهذا المخطوط معروف منذ القرن الثامن عشر. وكان قبل وصوله إلى جامعة يال سنة ١٨٧٠ ضمن المقتنيات الخاصّة لعدد من المستعرِبين. وأوّل مالكي المخطوط الأوروبيّين هو إفيرارد شايدياس (Everard Scheidius) (١٧٤٢-١٧٩٤)، أستاذ اللغات الشرقيّة في جامعة هاردرفيك (Harderwijk) - هولندا. وقد درس شايدياس على ألبرت شولتنز (Albert Schultens) (١٦٨٦-١٧٥٠) الذي نشر ترجمةً لاتينيّة لمقامات الحريريّ (ت ٥١٦/١١٢٢)، ما قد يُفسِّر اهتمام شايدياس بمقامات الهمذانيّ.[6] ومن المرجَّح أن يكون شايدياس قد حصل على هذا المخطوط بمساعدة من المفوَّضيَّة الهولنديَّة في القسطنطينيّة.[7]

بدأ شايدياس التحضير لنشر مقامات الهمذانيّ معتمدًا في ذلك على مخطوط يال المذكور. وقد ترك ملاحظاته وترقيمه المقامات الخمسين بالأحرف الرومانيّة في هامش المخطوط، علاوةً على ملاحظات مختلفة من مخطوط باريس ١٥٩١.[8] غير أنَّ شايدياس لم ينسخ سِوى المقامات السبع الأولى. فقام جاكوبس (Jacobus)، شقيق شايدياس، بنشر المقامات الثلاث الأولى مع قسم من المقامة الرابعة تحت عنوان: Consessus Hamadensis vulgo dicti Bedi. Al. Zamaan. e codice ms. Bibliothecae fratris sui.[9]

اشترى المستشرق الفرنسيّ الشهير أنطوان إيزاك سِلفستر دي ساسي (١٧58-١٨٣٨) المخطوط في مزاد علنيّ لممتلكات شايدياس. ونشر دي ساسي ترجمة فرنسيّة لخمس مقامات في الطبعة الثانية من كتابه Chrestomathie Arabe سنة ١٨٢٧.[10] وعلى الرغم من اعتماد دي ساسي على ترقيم مخطوط شايدياس وتفضيله إيّاه من حيث قراءة النصّ، فإنّه قد زاد عناوين المقامات من مخطوط باريس ١٥٩١.[11] ويشير دي ساسي في ملاحظاته عقب الترجمة إلى ضرورة الاعتماد على مخطوطات أُخرى عند تحضير نشرة محقّقة لمقامات الهمذانيّ.[12] ثمّ اشترى إدوارد إلدريدج سالسبري (Edward Eldridge Salisbury) (١٨١٤-١٩٠١)، أستاذ اللغة العربيّة في جامعة يال بين ١٨٤١ و١٨٥٦، مخطوط شايدياس من مجموعة مخطوطات دي ساسي الشخصيّة.[13] وأهدى سالسبري سنة ١٨٧٠ المخطوط إلى جامعة يال ليُحفظ في مكتبة باينكي للكتب والمخطوطات النادرة.

وتضمّ أوراق المخطوط (١أ-٣٢ب) خمسين مقامة مُرقَّمة، وشأنه شأن كثيرٍ من مخطوطات مقامات الهمذانيّ الأخرى، تظهر المقامات في مخطوط يال من دون عنوان.[14] ومن بين هذه المقامات الخمسين، هناك سبع مقامات (مُرقَّمة ٣٧-٤٣) هي المقامات المعروفة بـ "مُلَح الهمذانيّ".[15] وتظهر المقامة الخمسون بهيئة رسالة، ويُشار إليها أيضًا بـ "مُلْحَة" في مخطوط إسطنبول.[16] ويتلو خمس مقامات شروحٌ خاصّة بها، وهي المقامات البصريّة والفزاريّة والبلخيّة والكوفيّة والأرمنيّة، وتختلف شروحاتها من حيث الحجم والمحتوى.[17] ويتفرَّد هذا المخطوط بين مخطوطات مقامات بديع الزمان باحتوائه المقامة الـ ٤٨، والتي هي مدار هذه الدراسة.

تتضمَّن أوراق المخطوط (٣٣أ-٣٦ب، ٣٨أ-٣٨ب) سلسلة أدعيةٍ صيغت بنثر فنّيّ واختلفت من حيث الطول. وتظهر الورقة (٣٧أ-٣٧ب) في غير محلِّها لاحتوائها على معلومات مُقْتَطَعة غير ذات صلة بسياق النصّ. وتنقسم هذه الورقة ثلاثة أقسام: يظهر القسم الأوَّل من دون عنوان ويضمّ اقتباسات أدبية لكتَّاب قدماء، أدباء وفلاسفة، من أمثال أحمد بن يوسف الكاتب والأصمعيّ والخليل بن أحمد والجاحظ وعليّ بن أبي طالب. أمَّا القسم الثاني من الورقة فعنوانه "في الخطّ والقلم والبلاغة"، ويضمّ مأثورات يونانيّة وعربيّة وأقوالًا أخرى عن الكتابة مجهولة المصدر. في حين يضمّ القسم الثالث مأثورات يونانيّة وفارسيّة وعربيّة عن "الحِلْم"، وينتهي هذا القسم ببيتَين لأبي فراس الحمدانيّ وبيتَين لمعاوية بن أبي سفيان. وتنتهي الورقة بعبارتَين عن فنِّ الخط، أدرجهما الناسخ على ما يبدو في هذا الموضع عن طريق الخطأ.

IV - المقامة الـ ٤٨: المقامة الطبّيّة

تبدأ المقامة الـ ٤٨ من مخطوط يال في منتصف الورقة المُرقَّمة ٣٠أ، وتُستهلّ بالإسناد النمطيّ المُعتاد:

"حدّثنا عيسى بن هشام قال: عَنّ لي الاجتيازُ في بلاد الأهواز، مع رِفقةٍ أنجاب وإخوانٍ وأصحاب، حتّى حَلَلنا الدَّوْنَق."

يُصادف عيسى بن هشام ومَنْ معه من أصحابه المسافرين، عند وصولهم قرية "الدَّونق"، رجلًا يبيع الأدوية. ويبدأ الأخير بمخاطبة جمهوره ببلاغة، فيخبرهم بعلمه العظيم وخبراته ومهاراته العلاجيَّة. ثمّ يُتابع قراءة سلسلة من الوصفات الطبّيّة؛ مُفصِّلًا ومُستفيضًا في الحديث، فيحكي عن الموادّ النادرة التي جمعها في أدويته وعن استعمالاتها المختلفة. وبعد أن يثير إعجاب جمهوره، يبدأ ابنه بمخاطبة الحاضرين حاثًّا إيّاهم على شراء بضاعته. ويتفاعل الجمهورُ وينفقون ما معهم من نقود. ويتوجَّه عيسى بن هشام إلى ذلك الرجل، متأثِّرًا بموهبته، ويسأله عن كيفيّة اهتدائه إلى تلك الحيلة، فيُجيب الرجل بأبيات من الشعر يصرِّح فيها بأنَّ الحيلة مهنته ووسيلته لتوفير معيشة أولاده.

تبدأ المقامة الـ ٤٨ في السطر التاسع عشر من الورقة المرقَّمة ٣٠أ، وتنتهي في السطر الرابع عشر من الورقة المرقَّمة ٣٠ب. غير أنَّ المخطوط، ولخطأ أحدثه الناسخ، يحوي ثغرة أساسيّة في السطر ٢٨ من الصفحة ٣٠أ بعد كلمة "أفلاطون". ولكن لحسن الحظّ، يظهر هذا القسم المفقود ضمن المقامة الـ ٣٤ ابتداءً من آخر كلمتَين في السطر ٢٩ من الورقة المرقَّمة ٢٤ب. ويقع هذا القسم في ٤٧ سطرًا وينتهي في السطر ١١ من الورقة المرقَّمة ٢٥ب.[18] وبعد ترميم النصّ تظهر المقامة الـ ٤٨ كاملة.

وموضوع هذه المقامة هو الطبّ، وعليه قرَّر المحقّقان تسميتها "المقامة الطبّيّة".


V - المقامة الـ ٤٨ في مخطوط سالسبري ٦٣:






















©  مخطوط جامعة يال، مكتبة باينكي، مجموعة سالسبري، رقم ٦٣، الورقة 24ب-24أ



©  مخطوط جامعة يال، مكتبة باينكي، مجموعة سالسبري، رقم ٦٣، الورقة 25ب-26أ



©  مخطوط جامعة يال، مكتبة باينكي، مجموعة سالسبري، رقم ٦٣، الورقة 29ب-30أ





©  مخطوط جامعة يال، مكتبة باينكي، مجموعة سالسبري، رقم ٦٣، الورقة 30ب

[المقامة الطبّيّة]

حدّثنا عيسى بن هشام قال: عَنّ لي الاجتيازُ في بلاد الأهواز، مع رِفقةٍ أنجاب وإخوانٍ وأصحاب، حتّى حَلَلنا الدَّوْنَق في بُقعةٍ فسيحة وفُرْضة مُريحة في حاجةٍ نَجيحة، فإذا نحن برجلٍ قد ضُربَ فُسطاطُه وبُسط بساطُه وضُعِّف مِرباطُه، وبين يديه قراطيسُ قد مُلئت مَصفوفات، وبإزائها بَرانِيُّ قد أُفعمت مَعجونًا[19]، والرّجل قاعِد على كرسيٍّ جَريد وبين يديه خَدمٌ وعَبيد، وهو يقول: يا أهلَ الأهواز، أنا الحاذِقُ المُصيب أنا المُطبِّبُ النَّجيب أنا المارستانيُّ العجيب، مَنْ رآني فقد رأى رسطاليس الزّمان وأفلاطون، أنا مترجمُ الأشكال وعارفٌ بعِلَل النّساء والرّجال والوِلدان والأطفال، مُصيبٌ فيما أُعالجُه غيرُ مخطِئٍ، وقد حَلَلْتُ إقْليدِس والمَجِسْطي، أَنقُبُ على المِزاجات والأَخلاط وأُدرِكُ العللَ الباطِنةَ بالاسْتِنباط وأَتصوَّرُها كتصوّر الحكيم بُقراط، أَغوصُ على الهمّ فأُزيلُه عن المَهموم[20] وأَستخرج الغَمَّ الغافِصَ من دار[21] المَغموم وأَقلعُ الحُمّى الصّالِبَ والنّافِضَ عن المَحموم، صناعتي استخراجُ كمّيّةِ الشَّقيقةِ والصُّداع وعِلاجُ الأمراضِ المُسقِمة والأوجاع أَنقبُ عليها بهذه السَّفوفات والأنواع وهذه المَعجونات والمتاع، قال أرسطاطاليس الحكيم: ما من عِلّة عاثِمة إلاّ ولها شجرةٌ قائمة، وقال جالينوس: ما من علّة ثابِتة إلاّ ولها شجرةٌ نابِتة، وقال وليُّنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام: ما من علّةٍ خانِقةٍ إلاّ ولها شجرةٌ مُوافِقة، فانظُروا أيّها الأَجْواد إلى هذه الصَّنائع الجياد قد غَصَبْتُها[22] من الشَّوامخ والأَطواد والتَّهائم[23] والأَنجاد والبراري والبلاد وأَكثرت فيها من الحُداد. ثمّ أَخذ طَبَقًا مَنقوشًا كالدِّيباج ومِلعقةً من السّائم والعاج، وتقدّم إلى أوّل قِرطاس منها وقال: يا سادة، وَخْشيزَك خُراسانيّ وكَمّون كِرمانيّ[24] وعاقِر قَرْحا زارْياني[25]، معجونٌ بخَلٍّ مُجفَّف في الظِّلّ، يعملُ في الإيارَج القَوْلَنْجيّة وفي السُّدد الباطنيّة، وفي المِزاجات الفاسِدة والرُّطوبات الجامِدة، يَطوي الكبدَ والطُّحال ويُليِّن الأعضاءَ والأَوْصال. ثمّ تقدّمَ إلى قِرطاسٍ آخر وقال: بل هذا أَجَلُّ وأَنْفع، هذا إِهْليلَج هنديّ وقُرْصٌ راوَنْديّ وأَنيسون مَقدِسيّ ورازَيانَج[26] بُرْجُمينيّ[27] ومَصْطَكى الآنيّ وكُنْدُر عُمانيّ ومَرْقَشيثا ذَهَبيّ وعاقِر قَرْحا مَغْربيّ وأَزْرود[28] وحجر اللاژْوَرْد مَدقوقٌ مَنخولٌ بخِرقة حَرير مَعجون بماء الوَرْد مُجَفَّف في الشّمس، يعملُ في البَوْل والتَّقطير ويمزُجُ الدَّمَ والزّحير والباطنة والظّاهرة من البواسير، والقَرْحة المُحدَثة في الأمعاء والسَّدّة الكامنة في الأحشاء والمادّة المنصَّبة في الأعضاء، ينفعُ في العَصَب من الضَّرَبان وفي القلب من الخَفَقان، نافعٌ من ضَرَبان الأَصداغ وصُداع الدِّماغ، ومن الغَثَيان الغالب والحُمّى الصَّالب. ثمّ تقدّم إلى قِرطاسٍ آخر وقال: بل هذا أجلّ وأنفع، غاريقون روميّ وراوَنْد صينيّ وأَفيثِمون إقْريطي وسَنامَكّي وعودٌ عربيّ وإذْخَر حَرَميّ وسُعْدٌ قُفْصيّ، وتَمَراتٌ سودٌ ووَرَق العود، ونُخالة النَّبْك وأقراص السُّكّ، وخِيار شَنْبَر فلوس وعِرق السُّعْد والسّوس، يعملُ في زيادة الباه وتَقييم اللَّهاة ووَجع الطِّحال وضَرَبان الأَصْداغ، ولمن سال لعابُه على مخدّته واشتكى مَغَصًا في مَعِدته وحُكاكًا في شُفرَته وتقطيرًا من مَبْوَلته، لمن يأكلُ الطعام فيقذِفُه ويشربُ الشّراب فيضعِّفُه، لمن كَثُرت أسقامُه ودامت آلامه وعاف طعامَه[29]، هذا للمُنْفَسِدين المِزاجات في أصحاب العِلل والخُراجات. ثمّ تقدّمَ إلى قِرطاسٍ آخر وقال: بل هذا أجلُّ وأنفع، هذا كنزُ العقاقير المجتمِعة، قَبَجةٌ نارِستانيّة وحَشيشةٌ أَرَّجانيّة، مَدقوقةٌ مَنخولة، معها حَبُّ الإيارَج[30] وعِرقُ البَسْپايَج[31]، وحبُّ الأَمْلَج وجَراد البُخْتج، معه كَمّون بَرّيّ وسُمّاق مَغْربيّ، وإقْليمِيا فِضّيّ وشاه ذانْج بَصْريّ، مَخْلوط بوَرَق النُّعمان وبِزْر التُّرُنْجان، لمن غَشِيَ بُخاراتُ المَعِدة عينَيه وفَتَحت الأقرامُ جَنبَيه[32]، لمن يأخذُه رَبَويَّةٌ على فؤاده ويرى الأحلامَ المقطَّعة في رُقاده، وذلك من الأغذِية الرَّدِيّة والبُخارات السَّوداويّة، هذا فِعْلُه في الأَمْراض والأَدْران كفِعل الصّابون في القُطن والكَتّان. ثمّ قال لا ينظُرْ لهذه البَرانِيّ المَوضوعة وما فيها من الأدوية المَجْموعة والعَقاقير المَرفوعة إلاّ رَجُلٌ أَنهكَته العِلل المُسْقِمات والأمراض المُبَرِّحات، أين أصحابي، البواسير المُفَتَّحة والخنازير المُقَرَّحة والأواكل المَستورة[33] والخبائث المُدوَّرة. ثمّ سكتَ وقال لزُغلوله: أنت وشأنك، فقام زُغلولُه وقال: يا أصحابَ الهِمم العالية والمَكارم السّامية، ما لكم ينظُرُ بعضُكم إلى بعضٍ في هذه الأدوية الجامِعة والمَعجونات النّافِعة، هل هي مُبَهْرَجةٌ فتُخلَّص أم غاليةٌ فتُرخَّص، دُلّوا علينا رحمكم الله مجنونًا كثيرَ السُّقوّط أو مُوَسْوَسًا كثيرَ التَّخليط، دُلّوا علينا رحمكم الله أصحابَ العِلل الرِّئيّة السِّلِّيّة، دُلّوا علينا رحمكم الله أصحابَ عِلل البِرسام والشَّناج، رَحِم الله امرءًا نَقَل إلينا قَدَمَه وخَلَعَ علينا كَرَمَه، ولعنَ إبليسَ فأَخَذ ما ينفعُه من هذه القَراطيس، ولا يرجعُ من النّشاط إلى الفُتور وينزلُ من الهَمِّ إلى السُّرور، لأنّ الأمرَ في ذلك إليه والاعتمادَ في قَلْع عِلَّته عليه. قال عيسى بن هشام: فلقد حَيَّرَتْنا ألفاظُه وبَهَرَتنا أوصافُه، وحُلَّت العُقودَ عن النُّقود، واستُخرجَ الوَرَق بما في ذلك الطَّبق ولاحَظَتْه الحَدَق وحُلِّلت له الخِرَق، وجَعَلْتُ آخذُه بناظري وأديرُه في قلبي وخاطري، فلمّا تقلَّلَ عنه القيامُ والقُعود وصَدَرَ عنه الطُّرّاقُ والوفود، وأَمكَنَني الكلامُ وجَلا لي المكانُ جِئتُه بالسّلام، وقلتُ كيف اهتديتَ إلى هذه الحيلة؟ فأنشأ يقول (من الخفيف):

إنّ هذي التي تَرا[ها] معاشي        منه قوتي ومنْ جَداه رِياشي

أنا يومٌ أبسَط[34] سَفو                        في ويومٌ في صَنْعة الحَشّاشِ

حَمَقي قائمٌ بقوتِ عِيالي             فإذا ما عَقِلْتُ ظلّوا بلا شِي


VI - ترجمة المقامة:

ʿĪsā b. Hišām has related [the following] to us:

He said:

It occurred to me to travel through the lands of Ahwāz, with noble companions, brothers, and friends until we alighted in Dawnaq[35], a wide area and comforting and successful at meeting desires, in need of satisfying desire. When, all of a sudden, a man appeared before us, his tent having been staked, his carpet having been unfurled, and his bundle unloosed. In front of him were papers filled with charts, and to the side of them were clay pots brimming with medicinal pastes.[36] The man was seated on a chair made of palm branches and attendants and slaves arrayed before him.

And he was saying, “Oh you people of Ahwāz! I am the skillful man who always hits the mark, the noble practitioner of the medicinal art, the wondrous hospital man! For he who looks at me sees the Aristotle of the Age and the Plato. I am the interpreter of forms, the illnesses of men and women, children and babes. In what I treat, my aim is true, I do not err. I have solved Euclid and the Almagest. And I have delved into temperaments and mixed humors,[37] and have recognized internal illnesses through the art of deduction. I see them in the same way as did the doctor, Hippocrates. I plumb anxiety’s depth and remove it from the one who is anxious. I extract the vexing sorrow from the home [?] of the aggrieved one, and I uproot both the heat and the chills[38] from the one whose temperature runs high. My art is to deduce the quantity of the migraine and the headache[39] and the cure of the root of the persistent maladies and pains. And I explore them thoroughly with these medicinal powders[40] and types, these pastes and other instruments. Aristotle the philosopher said, ‘There is no disfiguring illness for which a plant does not exist [as a cure]’. Galen said, ‘No known disease exists for which there is not a flowering plant [to cure it]’. Our revered one, ʿAlī b. Abī Ṭālib said, ‘There is no strangling illness, without some corresponding plant [that will relieve it]’. So behold—oh you magnanimous men—these excellent skills that I have wrested from the lofty heights and towering peaks, the highlands and the low, the barren lands and the settled. I amassed them through great effort!”

       Then he took a plate that was engraved as if it were silk brocade, and a spoon made from silver and ivory, and he turned to the first sheet of paper, and said, “Oh good men: Khurasanian Wormwood,[41] Kirmānī cumin,[42] pellitory[43] from Zāryān[44] mixed into a paste with vinegar dried in the shade. It is effective in purgatives for colic[45] and internal obstructions,[46] and in corrupt temperaments and in the moist solids. It covers the liver and spleen, and softens the limbs and joints. Then he proceeded to another sheet and said, “This one is even more excellent and beneficial: Indian myrobolan,[47] Rawandī pill,[48] Jerusalem aniseed,[49] Burjumīnī [?][50] fennel[51], Lentisk[52] from al-Ānī,[53] Frankincense from Oman,[54] Golden Pyrite,[55] Pellitory from North Africa,[56] Lapis lazuli[57] and azrūd[58] crushed and sifted through a silk cloth, made into a paste with rose water, and dried in the sun. It is effective in the treatment of urine and its flow,[59] mixing the blood and in painful urination,[60] apparent and concealed hemorrhoids,[61] an ulcer that occurs in the intestines, and a hidden blockage in the bowels, and the buildup of fluids in the limbs. It treats pulsations in the nerves and palpitations of the heart, it is effective against throbbing in the temples, and against headache, as well as overwhelming nausea[62] and persistent fever”.

Then he proceeded to another sheet, “This one is even more excellent and beneficial: Byzantine (rūmī) agaric,[63] Chinese Rhubarb,[64] Cretan[65] dodder of thyme,[66] Meccan Cassia,[67] Arabian Aloe wood,[68] Lemon Grass from the Shrine [of Mecca],[69] Sedge[70] from Qufṣ,[71] black dates,[72] the leaves of Aloe tree,[73] immortelle[74] from Nabk,[75] pills made from Sukk,[76] purging Cassia,[77] root of sedge[78] and liquorices.[79] It works to increase sexual potency and to lift the uvula,[80] [and is effective against] pains of the spleen and throbbing in the temples. And for the man whose saliva runs onto his pillow, and complains of a pain in his stomach, scratching in the corner of his eye, and urine dribbling from his bladder; for the one who eats food and then hurls it up, and the one who drinks wine and it wears him down; for the one whose illnesses have increased, whose pains have lasted, and who hates his food. This is for those of foul temperaments among those who are ill and those who suffer from abscesses”.[81]

Then he proceeded to another sheet. He said, “This one is more excellent and effective. This is the treasure of compound medicines! [Bile] from a partridge[82] of Nāristān[83] and herb of Arraǧān,[84] pounded and strained, and with it, a ḥabb al-iyāraǧ,[85] root of polypody,[86] seed of myrobalan,[87] roasted locust,[88] and with it Nigella seeds,[89] and Moroccan [North African] Sumac,[90] silver cadmium,[91] Baṣrī Cannabis seeds,[92] mixed with the leaves of the anemone,[93] and the seeds of the lemon balm plant.[94] This medicine is good for one whose eyes have been veiled by the vapors of his stomach, and the pangs of hunger have torn his sides, and for the one whose heart is afflicted with a growth, and whose dreams are cut short in his bed, and this is a result of spoiled foods, and melancholic vapors. Its effect in diseases and tumors[95] is like the effect of soap on cotton and linen”.

Then he said, “No one should look into these clay pots and the multi-purpose medicines and sublime medicaments, save a man who has been tested by the treatment of grave illnesses and serious maladies. Where are “my friends”, the suppurating hemorrhoids, the scars of scrofula sores,[96] the concealed dental rots[97] and spheroidal malignancies?”

Then he fell silent.

He said to his boy, “Now it is your turn”.

The boy stood up and said, “Oh you men of noble intentions and sublime excellencies of character, why are you looking at one another concerning these multi-purpose medicaments and beneficial pastes? If they are too fancy for you, we will simplify them! And if they are too expensive then we will make them cheaper! Indicate the way to us - may God have mercy upon you - to the crazed man who suffers many epileptic fits[98] or one who has become delusional and confounds his speech.[99] And show the way to those suffering from consumptive illnesses of the lungs[100] - may God have mercy upon you! And show the way -may God have mercy upon you-to those suffering from inflammations of the head and paroxysms.[101] Indeed, may God have mercy on the man who brings his foot to us and confers upon us his generosity—curses upon Iblīs!—and then takes what benefits him from these sheets of paper. He will not go from activity to lassitude. Rather, he will descend from anxiety into a state of happiness. For the power in this matter belongs to Him, and the trust in the uprooting of his illness should be in Him”.

ʿĪsā b. Hišām said, “His words had confounded us, and his descriptions had amazed us. Thus the knots of purse-strings unloosed coins, and precious metal was extracted by what was on that plate. Eyes regarded him, and tattered rags were opened for him. And I began to take him into my vision and turn his image over in my heart and mind. So when the number of those standing and sitting near him had grown few, and the night visitors and emissaries had departed, speech with him became a possibility and a space for me finally appeared.

Then, I approached him saying ‘hello’, and asked, ‘How were you guided to this trick?”

He then recited, saying:

This which you see is how I earn my living,

from it is my nourishment and from its benefit comes my attire

                  

One day I spread out my medicinal powders,

and another I ply the trade of a ḥashīsh seller

My stupidity is for feeding of my offspring,

were I sane, they would remain with nothing

VII - تحليل المقامة الطبّيّة:

يُصنِّف ياكو هامين-أنتلّا (Jaakko Hämeen-Anttila)، في كتابه المقامة: تاريخ نوع أدبيّ، مقامات الهمذانيّ في ستة أنواع أدبيّة فرعيّة، وهي: البيكاريسك، والفكاهة، والكدية، واللغة وجماليَّاتها، والموعظة، والمدح، ومجموعة من المقامات لا تقع في أيٍّ من الأنواع السابقة.[102] وبناءً على خطَّة هامين-أنتلّا في تصنيفه المقامات، تُعتبر المقامة الطبّيّة مقامةً بيكارسكيّة، وذلك لاعتماد بطلها، أبي الفتح الإسكندريّ، على معرفته الطبّيّة في خداع جمهوره كي يشتروا أدويته المعروضة للبيع.[103]

وتشرح وداد القاضي، في دراسة لها بعنوان مقامات بديع الزمان الهمذانيّ: تقنيّات القناع ومراميها الفنّيّة والفكريّة، توظيف أبي الفتح الإسكندريّ "لأقنعة" مادّيّة ومجرّدة في سبيل إخفاء شخصيَّته الحقيقيّة؛ وهي: القناع المادّيّ الحقيقيّ، وقناع الوضع والحال، وقناع الاسم، وقناع الجغرافيا، وقناع الإثنيّة، وقناع النَسَب، وقناع الدّْين، وقناعا الزمان والمكان، وقناع البيان.[104] ويتَّخذ أبو الفتح في هذه المقامة قناع الطبيب المُداوي الذي يبيع مركّبات طبّيّة قيّمة ونادرة لكسب معيشته.

وتطابق بنية هذه المقامة البنية النموذجيّة للمقامات كما يعرضها هامين-أنتلّا: ١- إسناد، ٢- مقدِّمة عامَّة- حلقة وصل، ٣- الحَدَث، ٤- مشهد التعرُّف، ٥- الجزء الأخير، ٦- الخاتمة.[105] إذ تبدأ المقامة الطبّيّة بالإسناد النمطيّ فتقدِّم الراوية على أنّه عيسى بن هشام. وتمثِّل المقدِّمة العامّة للمقامة مشهد البدء الذي يصل فيه عيسى وأصحابه المسافرون إلى قرية الدَّوْنَق. وشأنها شأن كثير من مقدّمات المقامات الأخرى، تتضمَّن فاتحة هذه المقامة سفر عيسى بن هشام إلى مكان جديد.[106]

وتصل المقامة إلى "حلقة الوصل" عند تلاقي عيسى وأصحابه برجل قد هيَّأ لتوّه دُكَّانًا لبيع الأدوية. وكما يتقابل الراوي والبطل في السوق في المقامة السجستانيّة، يقع عيسى بن هشام في المقامة الطبّيّة على أبي الفتح الإسكندريّ في مكانٍ عامّ وهو يقدّم نصائحه إلى جمهورٍ من المستمعين.

وتتألَّف المقامة الطبّيّة من حدَثَين اثنين: يخاطب أبو الفتح في الحَدَث الأوّل الجمهور ثمَّ يتولَّى ابنه الخطاب في الحَدَث الثاني. وتبدأ خطبة الإسكندريّ بفقرة يدَّعي فيها إتقانه العلوم الطبّيّة. وهو في ذلك يحاكي جملًا عديدةً له وردت في غير موضعٍ من المقامات، حيث يقوم بادِّعاءات مشابهة متعلِّقة بهويّته. ويستعمل أبو الفتح في هذه الفقرة ضمير المتكلّم "أنا" يتبعه مُسند إليه (خبر)، فيقوم بشكل متناوب بالكشف عن هويّته وإخفائها.[107] ويسعى أبو الفتح من خلال سرده معارفه النظريّة ومهاراته العمليّة إلى إقناع جمهوره بقدراته الفريدة. ثُمَّ يستحضر أسماء أعلام في الفلسفة والطّبّ والدين (وهم تباعًا أرسطو وجالينوس وعليّ بن أبي طالب) لإقناع جمهوره بأنّ لكلّ علّة علاجًا. ويدعو بعد ذلك جمهوره في نهاية هذا الحَدَث إلى شراء تلك "الصنائع الجياد" التي جمعها من البلاد البعيدة وصرف فيها قُصارى جهده.[108]

ويُتابع أبو الفتح، حاملًا طبقًا منقوشًا وملعقة، قراءةَ سلسلةٍ من الوصفات الطبّيّة التي تدَّعي استعماله موادّ أوّليّة طبّيّة نادرة (materia medica) في تركيب عقاقيره التي صفّها أمامه. وإنّ هذه الموادّ الأوّليّة التي أوردها الهمذانيّ في هذه المقامة كانت شائعةً في عددٍ من الوصفات الطبّيّة؛ كتلك الموجودة في جنيزة القاهرة.[109] ولكنّ اللافت في هذه الفقرة هو الإكثار من صيغ النسبة، ممّا يوحي بندرة تلك الموادّ وخبرة جامعها وجهده.[110]

ويسرد أبو الفتح في وصفاته أمراضًا مختلفة يمكن علاجها بتلك الأدوية، وتحاكي اللغة المستخدمة هنا أيضًا وصفات جنيزة القاهرة الطبّيّة.[111] غير أنّ أمرًا يثير الانتباه، وهو أنّ أبا الفتح يعدّد أمراضًا كثيرة ومتنوّعة، وعلى ما يبدو لا صلة لها بالمركّبات التي يصفها.

ويدَّعي أبو الفتح في القسم الأخير من خطبته أنَّ رجلًا مثله، اختبر أنواع العلل والأمراض بنفسه، هو الوحيد القادر على فحص تلك الجرار وما فيها من المركّبات. ثمَّ يدعو مستمعيه إلى استدعاء أصحابهم ليعالج جروحهم وقروحهم وعدواهم.

ويحدث التخلُّص من الحَدَث الأوّل إلى الثاني عندما يصمت أبو الفتح ويدعو ابنه لمخاطبة الجمهور. ويستعمل أبو الفتح، كما في المقامة البخاريّة، عبارة "أنت وشأنك" ليدفع ابنه إلى الكلام. والجدير بالذكر أنّ هذه العبارة ترد في المقامة البخاريّة في السياق نفسه تقريبًا، حيث يُشجِّع أبو الفتح ابنه ليخطو إلى الأمام ويخطب بالناس بغية الحصول على المال.

وتختلف خطبة الابن عن خطبة أبي الفتح من خلال تركيز الابن على مباشرة المبيع. فهو يعرض على جمهوره خصومات وصفقات مع حثِّه إيّاهم على إرشاد أصحابهم ممّن يُعانون من مختلَف الأمراض لشراء هذه الأدوية. ويختم الابن خطبته بما يشبه ضمان فاعليّة تلك الأدوية.[112]

ويبدأ "مشهد التعرُّف والانكشاف" مع عيسى بن هشام الذي يعبّر بلسان المجموعة عن دهشته وإعجابه بكلمات أبي الفتح ووصفه. وإنّ استخدام أبي الفتح الإسكندريّ اللغة المزخرَفة في سياق الخداع هو ثيمة شائعة في المقامات.[113] ويبدأ عيسى بن هشام تشكيكه في مصداقيّة المشهد الحاصل أمامه بعد مشاهدته عمليّة بيع الأدوية وشرائها. ولم يكن تعرُّفه إلى أبي الفتح من خلال الرؤية البصريّة فحسب، وإنَّما جرى ذلك من خلال التأمّل الداخليّ أيضًا، "وجَعَلْتُ آخذُه بناظري وأديرُه في قلبي وخاطري". وتَرِد ثيمة التعرُّف تلك القائمة على التأمّل الداخليّ في مقامات عدَّة أيضًا.[114] ويستمرّ المشهد مع ترقُّب عيسى لانصراف الجمهور عن أبي الفتح حتَّى ينفرد بمقابلته. وهذه المواجهة الشخصيّة بين الاثنين هي أيضًا نمط سائد في المقامات، ويُركّز فيها على أفعال عيسى التي يسعى من خلالها إلى تأكيد شكوكه حِيال هويّة أبي الفتح.[115] ويؤكِّد سؤاله له، "كيف اهتديتَ إلى هذه الحيلة؟" أنّ عيسى قد كشف هويّة أبي الفتح. ويَرِد هذا التعرّف الناتج من كشف الحيلة في مقامات عدَّة.[116] ويطرح عيسى السؤال ذاته على أبي الفتح في مقامةٍ واحدة أخرى، وهي المقامة الأصفهانيّة.

يوفِّر الجزء الأخير (envoi) في المقامة الطبّيّة خاتمةً لمشهد التعرُّف ونهاية مناسبة للمقامة. وفيه يبرِّر أبو الفتح سلوكه بأنَّ له عائلة وعليه تأمين قوتها. ويقدّم ادِّعاءات مماثلة في مقامات أخرى.[117] ويشير في قوله: "أنا يومٌ أبسَط سَفو... في ويومٌ في صَنْعة الحَشّاشِ" إلى قدرته على التبدُّل والتأقلم في مواجهة مصاعب "الدهر" التي لا مفرَّ منها. وعليه يرمز الدهر، كنايةً، إلى شخصيَّة أبي الفتح في المقامات.[118]

وتتشابه المقامة الطبّيّة من حيث اللغة والأسلوب وكثيرًا من المقامات المنسوبة إلى الهمذانيّ. فعلى سبيل المثال، تزخر الأسطر الأوائل من المقامة الطبّيّة بمفردات وردت في مقامات أخرى للهمذانيّ، مثل: "اجتياز"، "بلاد"، "رفقة"، "أنجاب"، "إخوان"، "أصحاب"، حَلَلْنا"، "بُقْعَة"، "فسيحة"، "فُرْضَة"، "حاجَة". ويعكس أسلوب المقامة الطبّيّة، وخاصّة استعمال السَّجع، أنماطًا قائمة في مقامات الهمذانيّ.[119]

قد يبدو موضوع المقامة، وهو الطبّ، غير متوقَّع للوهلة الأولى. فالموضوع غائب عن مقامات الهمذانيّ ورسائله، كما لا تشير كتب الطبقات إلى أنّ الهمذانيّ قد درس الطبّ.[120] غير أنَّ الأخير كان موضوعًا ذا أهمّيّة في أعمال القرنَين العاشر والحادي عشر الأدبيّة. فمن جهة، كان بعض الأطبّاء أدباء مثل أبي الفرج بن هندو (ت ٤١٠/١٠١٩ أو ٤٢٠/١٠٢٩) وابن بطلان (ت ٤٥٨/١٠٦٦). ومن جهةٍ أخرى، ألّف بعض الأدباء أعمالًا تناولت موضوع الطبّ، مثل الصاحب بن عبّاد (ت ٣٨٥/٩٩٥) وأبي منصور الثعالبيّ (ت٤٢٩/١٠٣٨)، ولم يكن أحدهما طبيبًا.[121]

وثمّة أمثلة أخرى عن مقامات في الطبّ أو أعمال شبيهة بالمقامات تناولت موضوع الطبّ في الأدب العربيّ القديم. فعلى سبيل المثال يقارن عبد الفتاح كيليطو وفيليب كينيدي (Philip Kennedy) دعوة الأطبّاء لابن بطلان بالمقامات.[122] وكذلك كتب السيوطيّ (ت٩١١/١٥٠٥) في الفترة المملوكيّة مقامات عدَّة تتركّز على الطبّ.[123] وفي منتصف القرن التاسع عشر، ضمَّن ناصيف اليازجيّ (ت ١٢٨٧/١٨٧١) مجموعةَ مقاماته المعنونة مجمع البحرين مقامة طبّيّة. وفي هذه المقامة يقدّم شيخٌ نصائح طبّيّة في مدرسة.[124]

VIII - موثوقيّة المقامة:

بعد البحث في المقامة الطبّيّة من حيث الثيمات واللغة والأسلوب والموضوع، علينا أن نطرح مباشرة مسألة موثوقيّة المقامة. من هو مؤلِّف هذه المقامة؟ هناك احتمالات ثلاثة: أوّلًا، يُحتمل أن يكون الناسخ الذي خطّ مخطوط يال سنة ٦٠٣/١٢٠٦ هو مؤلِّف المقامة الطبّيّة الحقيقيّ. غير أنَّ هذا الاحتمال بعيد لما أوضحناه أعلاه من أنّ الناسخ هو مَنْ خلط أوراق المخطوط الذي كان ينسخه.

الاحتمال الثاني هو أن يكون ناسخ هذا المخطوط قد ن

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق