article_cover_image

إنّ اللّجوء إلى القضاء الدّوليّ يُساعد في التّحوّل الدّيموقراطيّ

author_article_image

الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ

أيُّ حوكمةٍ سليمةٍ ممكنةٍ في ظلِّ نظامٍ سياسيٍّ قاصر؟

مقدّمة:

قبل شهر واحد من انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانيّة (4 تمّوز 2020) أنّ مسؤولي صندوق النّقد الدّوليّ أُصيبوا بالذّهول والإحباط بسبب موقف المسؤولين اللّبنانيّين الّذين تواصلوا معهم بشأن التّدابير الواجب اتّخاذها للحؤول دون انهيار اقتصاد البلاد. فقد أظهر هؤلاء المسؤولون عدم جدّيّة في مقاربة الأوضاع النّاتجة عن الأزمة، وعدم استعدادهم لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة بغية الحصول على قرض من المؤسّسة الدّوليّة. وفي الاتّجاه عينه، ذكرت صحيفة الواشنطن بوست في 21 تشرين الأوّل 2021 أنّ القادة في لبنان يُحجمون عن إصلاح نظام يعاني من القصور لأنّهم يستفيدون منه. وفي 23 كانون الأوّل 2022، صرّح الرّئيس الفرنسيّ ماكرون أنّ لبنان يحتاج إلى قيادة جديدة، ذلك أنّ الطّبقة السّياسيّة القائمة غير قادرة على معالجة أوضاع النّاس وهي تُعطّل الإصلاح (النّهار، 24 كانون الأوّل 2022). وفي 23 آذار 2023، أصدر صندوق النّقد الدّوليّ تقريرًا يلخِّص ما وصلت إليه بعثته الّتي قدِمت إلى بيروت في الشّهر نفسه لدراسة الأزمة الاقتصاديّة. وقد جاء في التّقرير:

"إنّ لبنان حاليًّا على مفترق دقيق حيث بقي على مدى أكثر من ثلاث سنوات يواجه أزمة منقطعة النّظير، وحيث أدّى التّخلخل الاقتصاديّ الحادّ والانخفاض البالغ في قيمة اللّيرة اللّبنانيّة والتّضخّم ثلاثيّ الرّقم إلى التّأثير بصورة مذهلة في حياة النّاس وأرزاقهم. فقد ارتفعت مستويات البطالة والهجرة ارتفاعًا حادًّا، والفقر يُسجِّل معدّلات قياسيّة. وشهدت إمدادات الخدمات الأساسيّة كالكهرباء والصّحّة والتّعليم العامّ اضطرابًا بالغًا، كما تعرّضت برامج الدّعم الاجتماعيّ الأساسيّة والاستثمارات العامّة للانهيار. وبشكل عامّ، تراجعت قدرات الإدارات العامّة على نحوٍ شديد، ولم يعد بوسع البنوك توفير الائتمان للاقتصاد، وباتت الودائع المصرفيّة غير متاحة غالبًا للعملاء. كما وأنّ تواجد عدد كبير من اللّاجئين فاقَم التّحدّيات الّتي يواجهها لبنان. ورغم فداحة الأوضاع، الّتي تستدعي تحرّكًا فوريًّا وحاسمًا، فقد ظلّ التّقدّم المحرَز محدودًا نحو تنفيذ حزمة شاملة من الإصلاحات الاقتصاديّة"[1].

تُفيد هذه العيّنة من آراء مرجعيّات خارجيّة سياسيّة واقتصاديّة وإعلاميّة عمّا يجري في لبنان منذ أكثر من أربع سنوات، بأنّها تساعد على التّثبّت موضوعيًّا، ومن دون انفعالٍ وتحيّز، يطبعان في الغالب المواقف المحليّة المتّصلة بالشّؤون العامّة، من أمرَين خطيرَين: الأوّل، لامبالاة الممسكين بالقرار الدّاخليّ إزاء الأزمة الكارثيّة الّتي تعصف بالبلاد؛ والثّاني، عدم استعداد هؤلاء المسؤولين أنفسهم لإجراء الإصلاحات الجديّة المطلوبة الّتي تضع البلاد على طريق التّعافي. غير أنّ المشكلة الأساسيّة لا تقتصر على حالة ظرفيّة مأزومة تعيشها البلاد، بل على ظاهرة مقاوِمة مشاريع الإصلاح. فأيّ حوكمة مسؤولة يمكن أن تُقام في لبنان في ضوء هذا الاستنتاج، في وقت ترتبط فيه الحوكمة السليمة والفعّالة بإصلاحات يجب أن تشمل الحقول كافّة؟


أوَّلًا - متطلّبات الحوكمة

يُقصد بالحوكمة طريقة ممارسة الحكم، أي ما يقوم به الحكّام من أجل خدمة مواطنيهم. تشمل الحوكمة إذًا عمليّات اتّخاذ القرارات وطرائق تنفيذ القوانين وتقرير التّنظيمات واعتماد السّياسات داخل المؤسّسات العامّة والمجتمع. وبالرّغم من عدم توفّر تعريف واحد لمعياريّة الحوكمة، يمكن التّسليم حاليًّا أنّ هذه تشمل تعزيز الإدارة المتّسقة، والسّياسات المتماسكة، والتّوجيه، والشّفافيّة والمحاسبة والمشاركة، إضافة إلى احترام حقوق الإنسان، وسيادة دولة القانون، وتنمية التّعدديّة السّياسيّة، والحفاظ على حقّ الجميع بالوصول إلى المعرفة والمعلومات والتّعليم، وتوافر وسائل العمل السّياسيّ، والعدالة، والسّلوك والقِيم الّتي تعزّز المسؤوليّة والتّضامن والتّسامح[2].

وبالعودة إلى موضوع هذه المقالة، فإنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في النّظام السّياسيّ القائم نفسه الّذي يجعل من الحوكمة بحدّ ذاتها إشكاليّة، وكلَّ مشاريع الإصلاح مشاريعَ فاشلة أو شبه فاشلة، إذ لا يمكن تحقيقها إلّا نسبيًّا بحيث تبقى أسباب تردّي الأوضاع فاعلة. وكمثالٍ على نسبيّة كلّ مشروع إصلاحيّ أو عجز تنفيذه، يمكن أن نذكر "إطار الإصلاح والتّعافي وإعادة الإعمار" في لبنان الصّادر عن البنك الدّوليّ في تشرين الثّاني 2020، في أعقاب انفجار مرفأ بيروت[3]. يضع هذا المشروع مسارَين متوازيَين، أمّا المسار الأوّل فيرمي إلى التّعافي من كارثة انفجار المرفأ، وأمّا المسار الثّاني فهدفه الإصلاح وإعادة الإعمار على مستوى البلاد؛ ويقوم على أربع أولويّات أو ركائز استراتيجيّة، هي:

الرّكيزة الأُولى "تحسين أنظمة الحوكمة والمساءلة" للمساعدة في إعادة بناء الثّقة في العقد الاجتماعيّ بين الأفراد والمؤسّسات الحكوميّة. وتتعلّق الرّكيزة الثّانية "بالوظائف والفرص" الّتي بدورها تساعد النّاس في إعادة بناء حياتهم ومنازلهم وأعمالهم اقتصاديًّا، وفي تلبية احتياجاتهم الأساسيّة. أمّا الثّالثة فتركّز على "الحماية الاجتماعيّة والإدماج الاجتماعيّ والثّقافة" لتحقيق التّعافي الّذي يتمحور حول النّاس والسّماح للأفراد بعيش حياة كريمة من خلال تمكينهم من إعالة أنفسهم وأُسَرهم. وتركّز هذه الأولويّة أيضًا على إعادة بناء المعالم الأثريّة ذات الأهميّة الثّقافيّة للحفاظ على تاريخ لبنان الثّقافيّ الغنيّ. وأخيرًا، تسعى الرّكيزة الرّابعة إلى "تحسين الخدمات والبنية التّحتيّة". وهذا يخلق مجالًا للوصول بشكل أشدّ إنصافًا إلى الاحتياجات والموارد الأساسيّة"[4].

سيكون مصير هذا المشروع، شأن المشاريع الإصلاحيّة السّابقة، إمّا الفشل الكامل وإمّا النّجاح النّسبيّ الّذي يبقى ضعيفًا. ذلك أنّ النّواة الصّلبة في تركيبة النّظام القائم نفسه تحول دون قيام حوكمة شفّافة وفاعلة؛ وبالتّالي، لا يمكن تحقيق إصلاح متكامل ودائم. فكيف يمكن، على سبيل المثال، تطبيق مبدأ المحاسبة في حين أنّ القضاء نفسه يبدو مسيّسًا وخاضعًا للضّغوطات السّياسيّة وعرضة للتّعطيل، كما يبيّنه مصير التّحقيقات في قضيّة انفجار مرفأ بيروت، وقضيّة نهب الأموال العامّة؟ وكيف يمكن حصر الوظائف بأصحاب الكفاءات في حين أنّ الوظائف نفسها، أقلّه الرّئيسيّة منها، خاضعة للمحاصصة الطّائفيّة وما يتبعها من محسوبيّات وزبائنيّة؟ وكيف يمكن إعادة الإعمار بشفافيّة في حين أنّ المشاريع والمناقصات تجري وفقًا لرغبات الممسكين بالقرارات ومصالحهم الشّخصيّة والفئويّة؟


ثانيًا – النّظام القائم عائق رئيسيّ في وجه الإصلاح

إنّ النّواة الصّلبة المذكورة سابقًا هي الطّائفيّة الّتي يُعبَّر عنها بالعيش معًا. فالطّائفيّة تُبقي البلاد في حالة بحث مستمرّ عن تسويات وترتيبات وحلول وقتيّة، لا تصل بالنّظام إلى مرحلة البلوغ الدّيموقراطيّ. ومن الثّابت أنّ نجاح جميع مساعي الإصلاح الإداريّ والاقتصاديّ والتّنظيميّ وغيرها، ترتبط بنجاح الإصلاح السّياسيّ الّذي يبقى غير ممكن ما دام ينحصر إلى اليوم في البحث عن صيغ العيش معًا، أي على تقاسم السّلطة ومغانمها[5]. وما الأزمة السّياسيّة والاقتصاديّة المتفاقمة منذ أكثر من أربع سنوات والمستعصية على كلّ محاولات الإصلاح، إلّا امتدادًا لقصور النّظام السّياسيّ الّذي شهد تعقيدات جديدة بسبب اتّفاق الطّائف.

إنّ اتّفاق الطّائف، في الواقع، فاقَم من وهن الدّولة بسبب التّعديلات أو ما سُمِّي "بالإصلاحات الدّستوريّة" الّتي هدفت إلى توزيع أكبر للسّلطات على أساس طائفيّ. فقد ازداد المنطق الطّائفيّ في ممارسة السّلطة حدَّةً، وبرزت ظاهرة "التّرويكا" الّتي قلّلت من دور المؤسّسات، وأزّمت طريقة اتّخاذ القرارات وضاعفت من الزّبائنيّة والمحاصصة والمزاحمة على التّمثيل الطّائفيّ. وقد انعكست هذه المزاحمة تقسيمًا طائفيًّا ومذهبيًّا خطيرًا على مستوى السّاحة السّياسيّة اللّبنانيّة عامّة، وصراعًا مريرًا داخل الطّوائف نفسها بغية مصادرة تمثيلها. لقد أصبح عمل مجلس الوزراء وعمل المجلس النّيابيّ أو شللهما متوقّفَين على تفاهم الرّؤساء الثّلاثة أو اختلافهم؛ وبالتّالي، تبقى البلاد عرضة للفوضى السّياسيّة والاقتصاديّة، بل ولاستفحال الأزمات الطّائفيّة[6]، وتصبح الحاجة إلى تحكيم خارجيّ لتسوية الأزمات شبه إلزاميّة.

لا عجب إذّاك أن نرى منظّمات دوليّة، مثل منظّمة "هيومان رايتس وتش"، تُعلن في أحد تقاريرها أنّه يجب "تجنّب إرسال أموال الطّوارئ عبر الحكومة"، وأنّه "رغم التّصوّرات الواسعة حول الفساد، لم يُحاسب أيُّ مسؤول رسميّ متّهم بالفساد أو إساءة استخدام المال العامّ. والقوانين الّتي أقرّها مجلس النوّاب لمكافحة الفساد وزيادة الشّفافيّة، مثل قانون الحقّ بالوصول إلى المعلومات (فبراير/شباط 2017)، وقانون حماية كاشفي الفساد (سبتمبر/أيلول 2018)، لم يُطبّقا بعد بالكامل"[7]، بل استمرّ مسار تدهور الأوضاع بوتيرة متسارعة.


الخاتمة: هل من حظوظ لقيام حوكمة سليمة وفاعلة؟

لا يمكن حوكمة سليمة وفاعلة أن تتحقّق في لبنان من دون إصلاح النّظام السّياسيّ. غير أنّ مشاريع الإصلاح منذ عشرينيّات القرن الماضي إلى اليوم تُصمَّم في ضوء تركيبة لبنان الطّائفيّة، أي توضع على أساس تقاسم السّلطات والمحاصصة في الوظائف بين جماعات طائفيّة. ولكنّ مسار الأوضاع في البلاد يُبيِّن استحالة قيام دولة الحقّ والقانون في ظلّ منطق الحكم الطّائفيّ، إذ إنّ المحاسبة والفصل بين السّلطات وتغليب الخير العامّ والمصلحة العامّة تبقى بعيدة عن التّطبيق. لذا، لا عجب أن تبقى سائر محاولات الإصلاح الإداريّ والاقتصاديّ والماليّ محكومة إمّا بالإخفاق الكامل أو النّجاح الجزئيّ.

إنّ التوصّل إلى حوكمة سليمة وفاعلة يحتاج إلى نشر الثّقافة الدّيموقراطيّة وتأصيلها محليًّا، وهذه عمليّة ليست سهلة ولكن غير مستحيلة، تتطلّب دعمًا خارجيًّا لبرامج التّكوين على الدّيموقراطيّة في المدارس والجامعات، ولعمل المنظّمات غير الحكوميّة الّتي تُعنى بحقوق الإنسان ورقابة عمل الإدارات العامّة، وتجاوزات المسؤوليّن. كما ثمّة حاجة ملحّة إلى العمل على تحرير القضاء من نفوذ السّياسيّين. ولا شكّ في أنّ اللّجوء إلى قضاء خارجيّ أو دوليّ للبتّ في مسائل نهب الأموال العامّة والجرائم الكبيرة، وفي طليعتها انفجار مرفأ بيروت، يساعد كثيرًا على دفع البلاد نحو التّحوّل الدّيموقراطيّ.




الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ: النّائب الأوَّل لرئيس جامعة القدّيس يوسف في بيروت، وعميد كليَّة العلوم الدّينيَّة في الجامعة نفسها.حائز شهادة دكتوراه في "الثَّقافات والمجتمعات في العالم العربيّ والإسلاميّ". من أهمّ منشوراته: هويّة لبنان الطَّائفيّة: نشأتها وإشكاليَّاتها الطّائفيَّة. مخاض الدِّيموقراطيَّة في لبنان والشَّرق الأوسط. السُّنون العجاف: طموحات التَّحوُّل الدِّيموقراطيّ في لبنان والعالم العربيّ. الدّولة الضّائعة: شروط التّحوّل الدّيموقراطيّ في لبنان والعالم العربيّ.




الحواشي

[1]     https://www.imf.org/ar/News/Articles/2023/03/23/lebanon-staff-concluding-statement-of-the-2023-article-iv-mission

[3]     documents1.worldbank.org/curated/en/948021607068524180/pdf/Lebanon-Reform-Recovery-and-Reconstruction-Framework-3RF.pdf

[4]     كريستيل بركات، "تفسير إطار الإصلاح والتّعافي وإعادة الإعمار «3RF»في أعقاب انفجار بيروت"،
www.lcps-lebanon.org/articles/details/4774/explaining-the-3rf-in-the-wake-of-the-beirut-blast?lang=ar

[5]     راجع على سبيل المثال: يوسف قزما الخوري، مشاريع الإصلاح والتّسوية في لبنان، جزءان، بيروت: دار الحمراء، 1989.

[6]    راجع:Hassan KRAYEM, 1997, «The Lebanese Civil War and the Taif Agreement», in: Paul SALEM (ed.), 1997, Conflict resolution in the Arab world: selected essays, American University of Beirut, 1997, pp. 411-435.



ثبت المراجع

• كريستيل بركات، "تفسير إطار الإصلاح والتّعافي وإعادة الإعمار «3RF» في أعقاب انفجار بيروت"، www.lcps-lebanon.org/articles/details/4774/explaining-the-3rf-in-the-wake-of-the-beirut-blast?lang=ar

• بيان خبراء صندوق النّقد الدّوليّ عن لبنان (2023)، www.imf.org/ar/News/Articles/2023/03/23/lebanon-staff-concluding-statement-of-the-2023-article-iv-mission

• يوسف قزما الخوري، مشاريع الإصلاح والتّسوية في لبنان، جزءان، بيروت: دار الحمراء، 1989.

• Hassan KRAYEM, 1997, «The Lebanese Civil War and the Taif Agreement», in: Paul SALEM (ed.), 1997, Conflict resolution in the Arab world: selected essays, American University of Beirut, 1997, pp. 411-435.

• The World Bank, «Lebanon Reform, Recovery and Reconstruction Framework (3RF)» (2020), documents1.worldbank.org/curated/en/948021607068524180/pdf/Lebanon-Reform-Recovery-and-Reconstruction-Framework-3RF.pdf

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق