article_cover_image

مرصدُ الوظيفة العامّة والحوكمة الرّشيدة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت

author_article_image

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ

الحوكمة والحكم وإعادة بناء الدّولة

يسلّط موضوعُ ملفّ هذا العدد من المشرق الرّقميّة الضّوء على الحوكمة في وضع السّياسات العامّة أو إعادة بنائها، وهذا ما طالبت به ثورات الرّبيع العربيّ لبناء الدّولة أو إدارتها بصورة رشيدة، وحركة تشرين الأوّل 2019 في لبنان، وقد آلت هذه الحركات إلى ما آلت إليه من صراعات وحروب ومن فشل جزئيّ أو كامل، إلّا أنّها أثبتت وجوب إعادة النّظر في الحوكمة ومشتقّاتها.

واليوم أصبح موضوع الحوكمة من الأولويّات بالنّسبة إلى صُنّاع السّياسات، وذلك لسبب جوهريّ، وهو أنّ هذه الحوكمة تُعدّ الشّرط اللّازم لإدارة الدّولة وإعادة بنائها.

والهدف من هذه العمليّة، الّتي يُفترض أن تكون مستمرّة ومتناسقة، يكمن في تطوير قدرات النّظام السّياسيّ وتعزيزها في تفاعله مع المجتمع، ومن أجل خدمة هذا المجتمع وتوجيهه صوب المواطنة الكاملة.

بين الحوكمة والحكم هناك فارق ينبغي التّوقّف عنه. فأسلوب الحكم يعني مجموعة من القواعد والمؤسّسات والعمليّات الّتي تمارَس بواسطتها السّلطة في الدّولة، وهي تتّصل بالسّياسة بمفهومها العامّ. أمّا الحوكمة فإنّها تتعلّق بالبحث عن العناصر الّتي تجعل تلك القواعد والعمليّات، الّتي تقوم بها الإدارات في الدّولة، تتّسم بالفعّاليّة من خلال وضعها تحت حكم القانون، وترشيد صنع القرار، والمساءلة والشّفافيّة، والمشاركة، وعدم إدخال السّياسة الحزبيّة، وإبعاد العصبيّات عن تلك الإدارات.

وهذه الحوكمة، بالمعنى الحديث، تهتمّ في الأساس بالبُعد الدّيمقراطيّ ومحتواه، وبشرعيّة القرار، وإشراك العناصر الفاعلة من المجتمع في رسم السّياسات وصنعها، خلافًا للمفهوم القديم للحكم الّذي يركّز فقط على القطاع العامّ، وعلى الدّولة في عمليّة التّنمية.

وإن توقّفنا سريعًا على الحالة اللّبنانيّة، على سبيل المثال، فإنّ نشأة دولة لبنان الكبير منذ مائة عام ونيّف لم تكتمل بالحقيقة ولم تترسّخ تلك الدّولة في النّفوس وخصوصًا في الممارسات السّياسيّة، ما يدعو إلى مراجعة جذريّة للعوائق الّتي وقفت، وما تزال، أمام تكوين الدّولة الواحدة وإعادة بنائها وإيجاد الحلول الوافية، بوجه جذريّ لمختلف القضايا الّتي جعلت الدّولة هزيلة ومهزوزة.

فعندما تأخذ الحوكمة على عاتقها العمل على إعادة الرّوح إلى الدّولة على أسس سليمة، فهي تسعى إلى تفعيل آليّاتها لتكون الحوكمة الرّشيدة المؤسِّسة لدولة القانون وتحسين الأداء ووضع الخطط والاستراتيجيّات على الصّعيدين الاقتصاديّ والاجتماعيّ، واحترام الحرّيّات والإفادة منها للتّجديد والتّحديث ومراعاة حقوق الإنسان. والتّحدّي يكمن هنا في الالتزام الجادّ بهذه المبادئ الملازمة للحوكمة لكي تكون رشيدة وأمينة وعلميّة، ما يعطي الدَّولة فرصةَ أن تعيد بناء ذاتها وسياساتها العامّة المُنتجة.

في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، ومنذ العام 2015، أبصر النّور مرصد جامعيّ للوظيفة العامّة والحوكمة الرّشيدة، هدفُه تعزيز الدّراسات الجامعيّة الّتي من شأنها مساعدة الإدارة العامّة للدّولة في إعادة تجديد ذاتها وإصلاح هيكليّاتها، فأجرى هذا المرصد أكثر من ستّين دراسة في مختلف المجالات البيئيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والصّحيّة، بحيث عالجها من زاوية علميّة ووطنيّة في آن مستخدمًا المعايير الدّيمقراطيّة والعمليّة في الدّلالة على السّوء وكيفيّة مكافحته، وعلى الحلول الّتي من شأنها دفع العجلة إلى الأمام للوصول إلى سدّة الأمان.




الأب سليم دكّاش: رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ - فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب - الفلسفة من جامعة بانتيون - السّوربون 1 (1988). يدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة.

[email protected]


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق