article_cover_image

مشروع حلّ الدّولتين: مطلب عربيّ ودوليّ، هل تتوفّر لإقراره الأرضيّةُ الدّاخليّة؟

author_article_image

الأستاذ أنطوان سلامة

حرب غزّة: هل العودة إلى اتّفاق أوسلو وبيان قمّة بيروت العربيّة ممكنة؟

مقدّمة

يُطرح سؤال إشكاليّ على هامش حرب غزّة العام ٢٠٢٣، ويتعلّق بمدى تأثيرها وتداعياتها على مشروع حلّ الدّولتين المقترح دوليًّا مدخلًا للسّلام الإسرائيليّ - الفلسطينيّ.


حلّ الدّولتين: المسار التّاريخيّ

تتقاطع المواقف الدّوليّة والعربيّة عند ضرورة  تحقيق "حلّ الدّولتين" مدخلًا "ضروريًّا" كما قال البابا فرنسيس، لحلّ النّزاع  بين الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ.

يشكّل هذا الحلّ مطلبًا أميركيًّا وأوروبيًّا وعربيًّا، ويشكّل أولويّة في إدارة الرّئيس الأميركيّ جو بايدن في حين أنّ المملكة العربيّة السّعوديّة تطرحه شرطًا لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

ولحلّ الدّولتين جذوره تاريخيًّا، برغم أنّ وعد بلفور تحدّث عن "موطن" (Foyer) لا عن دولة إسرائيليّة تطرّقت إليها لجنة "بيل" (Peel) الّتي شكّلها الانتداب البريطانيّ (١٩٣٦-١٩٣٧) بعد الثّورة الفلسطينيّة الكبرى.

نشرت لجنة تحقيق الملكيّة البريطانيّة (Peel) تقريرها الّذي تضمّن تقسيم فلسطين، والملاحظ فيه أنّ الجليل، أي الأراضي الفلسطينيّة المحاذية للحدود اللّبنانيّة، أُعطيت "للدّولة اليهوديّة"، في مساحة تمتدّ من خليج حيفا إلى جنوب بحيرة طبريّة، والسّاحل الجنوبيّ ليافا، وبقيت تحت الانتداب البريطانيّ الأراضي الفلسطينيّة الأخرى مع وضع خاصّ للقدس ومحيطها، من رام الله وبيت لحم والنّاصرة .

وتضمّنَ التّقرير البريطانيّ، أوّل مرّة، "الترانسفير" أي انتقال فلسطينيّي "الدّولة اليهوديّة" إلى خارجها، وهذا ما رفضه الفلسطينيّون كتقرير متكامل، إضافة إلى رفض ضمّ الدّولة الفلسطينيّة إلى "شرق الأردن".

صعّد الفلسطينيّون "ثورتهم"، ورفعت سلطة الانتداب مستوى قمعها ودعمها الحركة الصّهيونيّة، وأصلًا، جاء قبول الفلسطينيّين المثول أمام اللّجنة بنصيحة وجّهها إلى مفتيّ القدس الحاج أمين الحسيني، الملكُ السّعوديّ عبد العزيز، وغازي ملك العراق، والأمير الأردنيّ عبدالله، لكنّ الحسيني أكمل قيادته ثورة الفلسطينيّين الّذين رفضوا تنامي الهجرة اليهوديّة المنظّمة إلى أرضهم، في وقت كان اليهود بقيادة الحركة الصّهيونيّة يوافقون على تقرير اللّجنة، واندفعوا في تخطّي مضمونه بالمطالبة بقيام دولة يهوديّة على كامل الأراضي الخاضعة للانتداب البريطانيّ، بحسب المؤتمر الصّهيونيّ في بلتمور(Biltmore).

وتوالى ورود مشروع حلّ الدّولتين في كثير من المشاريع الدّوليّة استنادًا إلى تقسيم الأراضي الفلسطينيّة التّاريخيّة الّتي تحمّس لتنفيذه تشرشل حلًّا وحيدًا برأيه، ورفعته الحكومة البريطانيّة مشروعًا إلى الأمم المتّحدة (٢٧شباط ١٩٤٧) فأيّدته غالبيّة الدّول في صياغة القرار١٨١ الّذي حدّد الدّولتين اليهوديّة والفلسطينيّة مع تدويل القدس.


حرب غزّة وأوسلو

خضع القرار الدّوليّ، بعيدًا من تقييمه نقدًا، أو تحديد المظلوميّة الّتي ألحقها بالشّعب الفلسطينيّ، لموازين القوى الميدانيّة العسكريّة الطّابع، من النّكبة إلى النّكسة صعودًا إلى حرب ١٩٧٣ وصولًا إلى الانتفاضات الفلسطينيّة في الضّفة الغربيّة وحروب غزّة... من هنا، تتّخذ حرب غزّة الحاليّة (٢٠٢٣) أهمّيّة قصوى بشأن إعادة إحياء حلّ الدّولتين بحسب موازين القوى الّتي ستنتج منها.

تُثبت السّرديّة التّاريخيّة أنّ خاتمة الحرب ترسم حدود التّفاوض، وأكثر، فإنّ تنفيذ اتّفاقات حلول النّزاعات والحروب يخضع، بغضّ النّظر عن بنودها، إلى مراكز القوّة في التّنفيذ، وهذا ما حدث في اتّفاق أوسلو بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين.

واتّفاق أوسلو، في جذوره (١٣ أيلول ١٩٩٣) والّذي وقّعه الرّئيس الفلسطينيّ الرّاحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيليّ إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض، قارب حلّ الدّولتين بالاتّفاق على "إسقاط" خطاب "إزالة إسرائيل" في مقابل تشكيل "سلطة حكمٍ ذاتيّ فلسطينيّ انتقاليّ" عُرف باتّفاق أوسلو.

إنّ هذا الاتّفاق جاء نتيجة الانتفاضة الفلسطينيّة في الدّاخل، وبداية انهيار المنظومة الدّوليّة مع تفكّك الاتّحاد السّوفياتيّ وانتهاء الحرب الباردة.


التّنفيذ وموازين القوى 

في تنفيذ الاتّفاق، بدا الجانب الإسرائيليّ" مستفرسًا" في نحره، من خلال السّيطرة الأميركيّة الوحيدة الجانب دوليًّا، فمارس شتّى أنواع النّحر، من الحصار الماليّ إلى الاستمرار في "تهويد" الأرض، وصولًا إلى إعلان القدس عاصمةً أبديّةً له، في وقت كان الفلسطينيّون يعانون من عزلة نتيجة اندفاع الدّول العربيّة والخليجيّة إلى تسويات. وعانت منظّمة التّحرير بعد موت قائدها، وأوّل رئيس للسّلطة الفلسطينيّة، ياسر عرفات، تراجعًا، وتقدّمت حماس بدعم دول خطّ الممانعة بقاطرةٍ إيرانيّةٍ تكوكبت في محور بعد انتهاء مفاعيل مؤتمر مدريد (١٩٩١).

أسقطت موازينُ القوى المُستجدّة ما ذكره اتّفاق أوسلو من "إنهاء عقود المواجهة والنّزاع" والاعتراف بحقوق الجانبين "المشروعة والسّياسيّة المتبادلة".

انفرطت مرحلة التّفاوض بشأن الانسحاب الإسرائيليّ من الضّفة والقطاع في فترات زمنيّة محدّدة، وقامت سلطة الحكم الفلسطينيّ الانتقاليّ على أساس انتخاب الفلسطينيّين مجلسَهم الحاكم، وتعثّرت هذه الانتخابات نتيجة الصّراع بين منظّمة التّحرير وحماس.

 توالت الحكومات الإسرائيليّة، بعد اغتيال رابين، لتنسف ما ذكره اتّفاق أوسلو، عن تكوين لجنة فلسطينيّة -إسرائيليّة مشتركة للتّنسيق وفضّ الخلافات، وأخرى للتّحكيم، عند عجز اللّجنة الأولى عن التّوصّل إلى حلّ الخلافات.


النّهاياتُ غير المكتملة من أوسلو إلى بيروت

ينطلق أيّ إحياء لمشروع حلّ الدّولتين من أوسلو، الّذي أسّس للسّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، على 22% من أرض فلسطين بحسب الاتّفاق، وبمقتضى اتّفاق "غزّة/ أريحا أوّلًا" الّذي أعقبه، يتكوّن كيان مؤقّت لإدارة شؤون الحكم الذّاتيّ للفلسطينيّين القاطنين في الضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة.

وتوالت اتّفاقاتٌ فلسطينيّة - إسرائيليّة مثل اتّفاق باريس الاقتصاديّ (١٩٩٤)، و"اتّفاق القاهرة التّمهيديّ لنقل الصّلاحيّات المدنيّة في الضّفة الغربيّة" (آب 1994)، ووضع أسس نقل السّلطة المدنيّة من الجانب الإسرائيليّ إلى الجانب الفلسطينيّ من خلال "اتّفاق طابا أو اتّفاقيّة أوسلو٢" (١٩٩٥).

كان من المفترض أن تؤسّس اتّفاقيّة طابا لمفاوضات الوضع النّهائيّ بين الجانبين، وتضمّنت مسائل تفاوضيّة حسّاسة جدًّا مثل القدس، واللّاجئين، والمستوطنات، والتّرتيبات الأمنيّة والحدود، وإعادة انتشار الجيش الإسرائيليّ، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيّين في السّجون الإسرائيليّة.

تنصّلت إسرائيل من الاتّفاقات السّابقة، وما كان يأمل فيه الفلسطينيّون من قيام دولة مستقلّة ضربته الحكومات الإسرائيليّة عكسيًّا، بإعادة احتلال الأرض، وضرب أسس الدّولة الفلسطينيّة، فاندلعت انتفاضة الأقصى (٢٨أيلول ٢٠٠٨)، وتبدّل المشهد الإسرائيليّ، من انفتاح رابين الّذي اغتيل، إلى نموّ الخطّ المتشدّد في السّلطتين التّنفيذيّة والتّشريعيّة، ومات ياسر عرفات ليترك فراغًا واسعًا تمكّنت حركتا حماس والجهاد من ملئه.

ومع أنّ قمّة بيروت العربيّة (٢٠٠٢) أصدرت بيانها الشّهير الّذي أقرّ المبادرة السّعوديّة المتضمّنة، بحسب الكلمة الّتي ألقاها الأمير عبد الله، "العلاقات الطّبيعيّة والأمن لإسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربيّة المحتلّة والاعتراف بالدّولة الفلسطينيّة المستقلّة، وعاصمتها القدس الشّريف، وعودة اللّاجئين،.

عند هذه النّقطة، بقي حلّ الدّولتين مطروحًا في عهد الرّئيس الأميركيّ باراك أوباما لكنّ المسار الفلسطينيّ - الإسرائيليّ خضع لمعادلات جديدة، فسيطرت حماس على قطاع غزّة منذ العام ٢٠٠٧، فأعلنته إسرائيل "كيانًا معاديًا" فرضت عليه حصارًا شاملًا، وتوالت الحروب فيه (٢٠٠٨- و٢٠١٢- و٢٠١٤- و٢٠١٩- و٢٠٢١- و٢٠٢٢- و٢٠٢٣).

في كلّ هذه الحروب أعلنت إسرائيل أهداف القضاء على حماس وسلطتها، لكنّ حماس استمرّت.

سمحت موازين القوى، في مرحلة ما بعد أوسلو، لإسرائيل بطمس معالم "حلّ الدّولتين" نتيجة نيلها دعمَ النّادي الدّوليّ بقيادة أميركيّة، خصوصًا في عهد الرّئيس دونالد ترامب، وفي ظلّ تبدّلات جوهريّة أصابت السّاحة الفلسطينيّة بنموّ حركة حماس الّتي تواجه تطرّفًا إسرائيليًّا في التّعاطي مع الحقوق الفلسطينيّة المشروعة.


أسئلة وأجوبة مؤجّلة

هل حلّ الدّولتين قابل للتّنفيذ؟

هل التّطرّف الإسرائيليّ في مقابل التّشدّد الفلسطينيّ يُنتج حلًّا؟ هذا هو السّؤال في ظلّ تقاطعٍ في التّحليلات عن أنّ حرب غزّة أعادت القضيّة الفلسطينيّة إلى النّور، وأن لا مفرّ من حلّ الدّولتين، ولكن...

هل يملك الفلسطينيّون مشروعًا وطنيًّا في هذه المرحلة؟

وهل يملك الإسرائيليّون توجّهات "سلميّة" للاعتراف بالدّولة الفلسطينيّة المستقلّة؟


فلسطينيًّا:

بعد المواجهات الدّامية بين فتح وحماس في غزّة العام ٢٠٠٧ للسّيطرة عليه، أصيب المشروع الفلسطينيّ الوطنيّ بشروخ، واختلاف عميق في مقاربة التّعامل مع إسرائيل أمنيًّا وسياسيًّا، وفي تحديد العلاقة بين الوطنيّ والدّينيّ، والأهمّ في التّوافق على حلّ للصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ من خلال قيام الدّولة "الديموقراطيّة".

يحتاج الفلسطينيّون، ليجلسوا على طاولة المفاوضات، إلى صياغة ورقة مشتركة، بعد حوار وطنيّ بعيدًا من التّأثيرات الإقليميّة، من إيرانيّة وقطريّة ومصريّة وتركيّة... حوار يستند إلى المصلحة الفلسطينيّة أوّلًا، وإلى الشّرعيّة الدّوليّة ثانيًا، فهل هذا ممكن؟


في إسرائيل:

يتنامى التّطرّف والرّفض في مقاربة المطروح دوليًّا من حلّ الدّولتين، فهل يتنازل الإسرائيليّون عن "الدّولة الواحدة" القوميّة الطّابع، الدّينيّة، الاستيطانيّة، التّوسّعيّة...، ويعترفون بالدّولة الفلسطينيّة الّتي ذكرها، أقلّه، قرارُ التّقسيم، وقرار مجلس الأمن ٢٤٢ بعد حرب ١٩٦٧؟

وماذا عن القدس، جوهر الصّراع، هل تتراجع إسرائيل عن تهويدها بالقوّة العسكريّة بعدما رفضت غالبيّة الدّول ضمّ الجزء الشّرقيّ من المدينة المقدّسة إلى كيانها؟

وهل تتراجع إسرائيل عن السّيطرة على أراضي السّلطة الفلسطينيّة، في الضّفّة والقطاع، الّتي يعتبرها المجتمع الدّوليّ احتلالًا انطلاقًا من القرار ٢٤٢ كأساس تسوية اتّفاق أوسلو؟

يحتاج الإسرائيليّون أيضًا إلى حوار داخليّ لتحديد توجّهاتهم في التّعامل "العاقل" مع الفلسطينيّين وحقوقهم التّاريخيّة، وفي التّعاطي السّلميّ مع دول الطّوق وشعوبها. فهل هذا ممكن؟




أنطوان سلامه: كاتب وصحافيٌّ وناشر موقع ليبانون تابلويد. أستاذ محاضر في عدد من الجامعات اللّبنانيّة في الإعلام والقضايا المعاصرة. حائز شهادة إجازة في التّوثيق والصّحافة (الجامعة اللّبنانيّة)، وشهادة ماستر في علم الاجتماع  (جامعة الكسليك). إعلاميٌّ في الإذاعة والتّلفزيون. له مؤلّفات عدّة أبرزُها: طانيوس شاهين من منازلة الإقطاع إلى عجز الثّورة (دار النّهار)، ونار المُقدّس والمحرّم الكاريكاتور الدّانماركيّ من كوبنهاغن إلى الأشرفيّة (دار مختارات).

[email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق