article_cover_image
author_article_image

الأب غي سركيس

الأب إريك شارمُتان اليسوعيّ | الأب جيروم غِيه اليسوعيّ - مسار روحيّ لاهتداء بيئيّ. نداء "كُنْ مُسَبَّحًا"

يقترح الرّاهبان اليسوعيّان الفرنسيّان إريك شارمُتان (عميد كلّيّة الفلسفة في جامعة لويولا باريس)، وجيروم غِيه (مدير مركز البحوث والعمل الاجتماعيّ-CERAS)، في كتابهما، مسارًا روحيًّا إغناطيًّا لمدّة ثمانية أيّام للتّنشئة على "الرّوحانيّة البيئيّة" الّتي دعا إليها البابا فرنسيس في رسالته العامّة كنْ مسبَّحًا. في كلّ يوم/فصل، يتوسّع الكاتبان في موضوعٍ للنّهار مُرفق بالتّعليمات المؤاتية لعيشه، ثمّ يقترحان مقاطع من الكتاب المقدّس وأسئلةً للمساعدة على التّأمّل، ويشيران في الختام إلى فقراتٍ من رسالة البابا فرنسيس حول العناية بالبيت المشترك للسّير نحو العمق.

اليوم الأوّل هو تمهيدٌ للرّياضة، فيه يُدعى القارئ إلى التّأمّل في الطّبيعة من خلال الحواسّ الخارجيّة والدّاخليّة، فينظر ويستمع إلى النّباتات والحشرات، ويتحسّس النّسيم ملامسًا بشرته (١٩-٢٠). تبدأ الرّياضة الرّوحيّة برفقة القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ ليختبر القارئ أنّ الكائنات خُلقَت من الله بدافع المحبّة، فيدخل معها في علاقة أخوّة وليس نفعيّة (ص.٢٥)، وفي نهارٍ آخر، يتمّ تذكيره بأنّ سبب الأزمة الأساسيّة للبيئة هو الإنسان الّذي رفض الإصغاء إلى نداء الأرض وصراخ الفقراء (ص. ٤٧)، وفي نهارٍ لاحق يُحَثّ على الاقتداء بالمسيح الّذي لجأ في أمثاله إلى عناصر الطّبيعة، كزنابق الحقل والعصافير والخردل والقمح والزّؤان، وفي إصراره على اندماج الجميع مستقبِلًا البرص والزّواني (ص.٦٧-٦٩)، ويُختَم الاختبار بالتّعزية بقيامة المسيح وهي الحدث الّذي يمنح الإنسانَ القوّة ليعيش مسيرته (ص.٨٩).

في أثناء قراءة الكتاب، رميتُ – قدر الإمكان – إلى التّقيّد بمشورة المؤلِّفَين، وقد بدا لي أنّ اليوم الثّالث هو الأصعب وجدانيًّا، إذ يذكّر أنّ الأرض لا تحتاج إلى البشر وأنّ سائر المخلوقات تستطيع العيش بمعزل عن الإنسان (ص.٣٦)، وفي هذا الاختبار المرير والنّافع، يعود هذا الأخير إلى هشاشته ويتشجّع على التّخلّي عن محوريّته وعن رغبته بالهيمنة على الخليقة (ص.٣٧).

لا يهدف الكاتبان إلى جعل القارئ ناشطًا بيئيًّا (ص.٩)، بل إلى حثّه على التّساؤل عن أبعاد علاقته بالطّبيعة واتّخاذ الموقف الملائم من دون تأخير. تتّصف حيثيّات الكتاب بالتّماسك والتّدرّج، فنلمس التّقدّم والارتقاء في التّفكير والتّأمّل والأسئلة. يطرح الرّاهبان - المؤلّفان الاقتراحات الشُّجاعة والإشكاليّات الجريئة، فعلى سبيل المثال، يدعوان القارئَ إلى التّحدّث إلى الشّجرة واحتضانها وتقبيلها وعدم الاكتراث إلى رأي المارّين بالقرب منه (ص.٣١)، وللتّفكير مثل الجبل أو النّهر، أي "الانتقال من نظرة البشر إلى الأرض إلى نظرة الأرض إلى الجنس البشريّ" (ص. ٣٦)، ويتبحّران في مفهوم "هيكليّات الخطيئة" النّاتجة من تراكم الخطايا الشّخصيّة (ص. ٥٨-٥٩)، ويستشهدان بإيريناوس أسقف ليون الّذي أقرّ بأنّ لكلّ المخلوقات مكانًا في القيامة (ص.٩٣).

مؤلَّفٌ يجمع بين الرّوحانيّة واللّاهوت والثّقافة والتّاريخ والعلم والأدب، ولربّما كان من الأفضل الإشارة إلى مواقع إلكترونيّة باللّغة العربيّة بالإضافة إلى المواقع الفرنسيّة الواردة في النّسخة الأصليّة، تسهيلًا للقارئ المشرقيّ. في نهاية الكتاب، ضمّ المؤلِّفان مَلاحق ثلاثة تُقدّم باقةً من الصّلوات البيئيّة ومن النّصوص العائدة إلى مؤلّفين بارزين كألان سير، وبيير تيّار دو شاردان، وإلوا لوكلير، وإيڤان إيلّيتش.

أخيرًا، أختم بهذه الفقرة المعبّرة الّتي ترفض تجاهل الشّرّ في الخليقة، وفي الوقت عينه تتمسّك بالرّجاء: "بدون شكٍّ، كلّ شيءٍ ليس فردوسيًّا. هناك ظلال في الخلق: الافتراس بين الحيوانات، معاناة البشر، أجسادنا الّتي يمكنها أن تكون مكانًا لألمٍ شديد. هنا يقف فهمنا أمام لغز. لكنّ هذا لا يمنعنا من استقبال الله في محبّته الخالقة" (ص.٢٥).




الأبوان إريك شارمُتان وجيروم غِيه اليسوعيّان

مسار روحيّ لاهتداء بيئيّ. نداء "كُنْ مُسبَّحًا"

ط.1، 164 ص. بيروت: دار المشرق، 2024

(ISBN: 978-2-7214-5661-8)




الأب غي سركيس: حائز درجة الدّكتوراه في اللّاهوت من الجامعة اليسوعيّة الغريغوريّة الحبريّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدّيس يوسف والحكمة. وهو كاهن في أبرشيّة بيروت المارونيّة. له مجموعة من المؤلّفات الدّينيّة والتّأمّليّة والفكريّة في اللّاهوت المسيحيّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميّ المسيحيّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسّلام...لمن؟، و أؤمن وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيّ، وإيمان في حالة بحث - النّشاط اللّاهوتيّ في المسيحيّة، ودروس من الهرطقات).

[email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق