سمير خليل سمير اليسوعيّ - دور المسيحيّين الثّقافيّ في العالم العربيّ
إنّها إعادة نشرٍ معدَّلة للمحاضرة الّتي ألقاها في العام ١٩٩٩ الأب سمير خليل اليسوعيّ، مؤسِّس "مركز التّراث العربيّ المسيحيّ للتّوثيق والبحث والنّشر"، وصاحب السّبعين كتابًا والألف مقالة.
لا تهدف الجولة التّاريخيّة بشأن دور المسيحيّين الثّقافيّ في العالم العربيّ إلى التّغنّي بأمجادهم في الأزمنة الغابرة بل إلى مقاربة هويّتهم، ومن ثمّ التّحقّق إذا ما زال لهم مكانٌ ومكانةٌ في الشّرق العربيّ (ص. ٦).
تنطلق هذه الجولة من قَبل ظهور الإسلام لأنّ المسيحيّين، المنقسمين دينيًّا وثقافيًّا، أقاموا في المنطقة منذ ذلك الحين، وترجموا المؤلّفات اليونانيّة إلى اللّغة السّريانيّة، مساهمين في ولادة الحضارة العربيّة (ص. ٧-٩)، ولذلك دُهِشَ لاحقًا فاتحو الشّام بالقصور والكنائس والأديرة، وتطلّعوا إلى معرفة حضارات أهلها (ص. ١١-١٤). في فترة الخلافة العبّاسيّة، عرّب المسيحيّون المؤلّفات اليونانيّة العلميّة والفلسفيّة، ثمّ شرحوها، وأخيرًا انطلقوا في التّأليف (ص. ١٥-١٧)، ويُذكر منهم حُنين بن إسحاق وأبو الفرج ابن الطّيِّب، وما لبث أنْ حلّ المسلمون محلّ أساتذتهم ابتداءً من القرن العاشر، فبانت ثقافة المنطقة "عالميّة" و"عابرة للطّوائف"، حتّى فرضت السّلطات الكنسيّة تعليم اللّغة العربيّة في جامعات الغرب (ص. ١٥-٢٣).
تقهقرت الحضارة في المنطقة، وتوانى المسيحيّون في نقل لغاتهم القديمة وتحصّنوا في بيئةٍ ضيّقة (ص. ٢٥-٢٨) قبل الانبعاث ثانيةً في إثر الانفتاح على النّهضة الفكريّة والدّينيّة في أوروبّا (ص. ٢٩-٤٠)، فأمَّ الكهنةُ عاصمة الكثلكة لدراسة الرّياضيّات والعلوم والتّاريخ والفلسفة واللّاهوت واللّغات في جامعاتها، ثم نقلوا ما حصّلوه إلى ذويهم من خلال المواعظ وطباعة الكتب وإنشاء المدارس (ص. ٤١-٤٦). ولحق بهم، في القرن السّابع عشر، المرسَلون الأجانب وأسّسوا المدارس والأخويّات (ص. ٤٧-٥٤). توقّف الأب خليل عند مطران حلب المارونيّ جرمانوس فرحات "الأبِ الحقيقيّ للنّهضة العربيّة الثّانية" (ص. ٥٢)، أي للحركة الثّقافيّة الّتي امتدّت من القرن التّاسع عشر حتّى بداية القرن العشرين (ص. ٥٥-٥٩)، حين عمّت المدارس الحديثة، وأُسِّست الجامعات الكبرى (مثلًا: الجامعة الأمريكيّة في بيروت وجامعة القدّيس يوسف)، وازدهرت الصّحف، وتقدّمت أسماء بطرس البستاني الّذي شيّد مدرسة على أسس علمانيّة، وناصيف اليازجي الّذي نادى بفصل الدّين عن الدّولة، وفرنسيس مرّاش الّذي طالب بتثقيف المرأة.
في نهاية الكُتيِّب، استخلص المؤلِّف ثوابت من جولته التّاريخيّة (ص. ٦١-٦٥)، ومنها مثلًا حيويّة الثّقافة، لأنّها ليست كتلةً متحجّرة، بل هي في حالة تطوّرٍ دائم، وعلى سبيل المثال تركّبت ثقافة المسيحيّين في المنطقة من العناصر اليونانيّة والسّريانيّة والعربيّة والإسلاميّة والغربيّة.
بالإضافة إلى الوقائع التّاريخيّة والوجوه الفاعلة، يكتشف قارئُ الكتاب معلوماتٍ دقيقة، كغياب أيّ كلمة مشتقّة من العربيّة تدلّ على العِلم والقلم، أو استعمال مفردات دخيلة للتّحدّث عن الطّاولة بسبب جهل وجودها آنذاك في الصّحراء. كما يذكّر الأب خليل أنّ تأليف الموسوعات علامة انحطاطٍ إذ يطمح المبادرُ إلى تجميع المعلومات بدل الإتيان بالجديد. ولكن، في المقابل، يتوقّف السّردُ التّاريخيّ في بداية القرن العشرين، أيْ قبل مئة عامٍ، فيشعر القارئُ بأنّه أُنزل في المحطّة ما قبل الأخيرة من رحلته. فهو حتمًا يتشوّق إلى الاطّلاع على دور المسيحيّين الثّقافيّ في الحقبة المعاصرة والرّاهنة.
أختم بفقرةٍ من الكتاب، فيها يؤكِّد الكاتبُ أهميّة التّوفيق بين التّأصّل في الثّقافة الخاصّة والانفتاح على التّقاليد الأخرى: "إنْ تبنّيتُ عنصرًا واحدًا من العنصرَين، أي الانفتاح على كلّ ما هو غربيّ، ولكن من دون أن أكون متأصّلًا في تقليدي الخاصّ، من دون أن يكون لي أصل وجذور، لا أكون إلّا غربيًّا آخر. هناك ملايين من الغربيّين، فما الفائدة من وجود غربيّ آخر؟ ما هو إسهامي النّوعيّ؟ وإن كنتُ، على عكس ما سبق، شديد التّأصّل في ثقافتي الخاصّة، من دون أن أكون منفتحًا على سائر التّقاليد، أكون عربيًّا آخر. والحال أنّ هناك ملايين من العرب، فما الفائدة من وجود عربيّ آخر؟" (ص. ٦١)
الأب سمير خليل سمير اليسوعيّ
دور المسيحيّين الثّقافيّ في العالم العربيّ
ط.2، 72 ص. بيروت: دار المشرق، ٢٠٢٤
(ISBN: 978-2-7214-5664-9)
الأب غي سركيس: حائز درجة الدّكتوراه في اللّاهوت من الجامعة اليسوعيّة الغريغوريّة الحبريّة (روما). أستاذ محاضر في جامعتَي القدّيس يوسف والحكمة. وهو كاهن في أبرشيّة بيروت المارونيّة. له مجموعة من المؤلّفات الدّينيّة والتّأمّليّة والفكريّة في اللّاهوت المسيحيّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميّ المسيحيّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسّلام...لمن؟، و أؤمن وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيّ، وإيمان في حالة بحث - النّشاط اللّاهوتيّ في المسيحيّة، ودروس من الهرطقات).
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق