article_cover_image
author_article_image

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

دروس في الحياة، كيف تجعل الحكمة القديمة حياتك تزهر؟

تعوَّدنا أن نقرأ للأب نيقولاس سينتوبين اليسوعيِّ كتبًا عن الروحانيَّة الإغناطيَّة. وها هو يقدِّم إلينا كتابًا لا علاقة له بالروحانيَّة الإغناطيَّة، أو علاقته بها خفيَّة. فدار النشر التي طلبت منه تأليف هذا الكتاب وضعت عليه شرطًا: ألَّا يتطرَّق إلى الدين لا من قريب ولا من بعيد؛ فهي تريد كتابًا للجميع: مؤمنين وغير مؤمنين. وقد عبَّر عن شعوره تجاه هذا الطلب في نهاية الكتاب:

"لقد تحدَّتني هذه المجلَّة الهولنديَّة أن أكتب لجمهور واسع، بدون الإشارة صراحة إلى جذوري المسيحيَّة. لقد أصبح كلُّ مقال بمثابة مغامرة تعلُّم. بدون شكّ، كتبتُ من خبرتي الشخصيَّة وروحانيَّتي. لقد فعلت ذلك باستخدام كلمات وصور من ثقافتنا. لا أفترض أيَّ شيء عن القرَّاء، باستثناء رغبتهم بالنموِّ كبشر، كلُّ واحد في سياقه الفريد" (ص. 171).

الكتاب يحوي عشرين موضوعًا، كلُّ موضوعٍ أتى في حوالى ثماني صفحات، تفصله عمَّا يليه صورة مرسومة باليد، وليس بالذكاء الاصطناعيّ، من عمل الأخ باسم عادل ذكي اليسوعيّ.

التشويق يبدأ من البداية، مع موضوع الامتنان. كيف أكون ممتنًّا؟ عليك أن تعود إلى دروس طفولتك، حين كان والداك يجبرانك على قول: شكرًا! لكلِّ ما يقدِّمه الآخر لك سواء كان شيئًا أو خدمة. لقد أرادا أن يجعلا الامتنان أسلوب حياتك، وطريق سعادتك.

موضوع الرضا يطرح المشكلة الأساسيَّة: مهما نال الإنسان نراه غير راضٍ. فنحن نعيش في ثقافة عدم الرضا. كيف أعيش الرضا حتَّى في ظروفٍ صعبة؟ من العبارات التي لفتت انتباهي: "إذا استطاع الإنسان في نهاية حياته أن يقول إنَّه ينظر إلى الماضي بعين الرضا، فهذا يشير إلى أنَّه عاش حياة سعيدة" (ص. 20). وأيضًا: "الأحسن" هو أشرس أعداء "الحسَن" (ص. 23)، بمعنى أنَّنا حين نفعل شيئًا حسنًا، ونقول: "كان بإمكاننا أن نفعل أحسن"، نحرم أنفسنا هذا الشعور اللذيذ الذي نسمِّيه: الرضا.

الثقة بما سيأتي. إنَّه الموضوع الرابع بعد قبول الذات كهديَّة. فبدل التشاؤم تجاه المستقبل، يوصي الأب نيقولاس بالتفاؤل: "يكفيك أن تنظر عن كثب إلى خبرتك الشخصيَّة. مثلًا، المرَّة الأولى التي قدتَ فيها درَّاجة بعجلتَين فقط، أو المرَّة الأولى التي قبلت فيها راضيًا علاقة حميمة رومانسيَّة... لم تكن واثقًا بأنَّك لن تسقط عن الدرَّاجة، أو أنَّ الشخص الآخر سيحترمك. فهناك دائمًا عنصر القفز إلى المجهول. إنَّه: الثقة. مَن لا يجرؤون على هذه القفزة، أو مَن يجدون صعوبة في القيام بها، سيعانون صعوبة في الوصول إلى ملء قدراتهم ككائناتٍ بشريَّة" (ص. 36).

في تحدِّي الفخر يحلُّ عقدةً لدى الأتقياء من الناس وأسمِّيها: الخوف من الكبرياء: "يمكن أن يكون الفخر مفيدًا: الفخر بشيء تعبتَ لتحصل عليه، أو بشيء أتاك صدفةً، أو الفخر بأحد أولادك أو شريك حياتك، أو الفخر بقريتك أو بلدك، إلخ (ص. 44). الفخر الصحِّيُّ هو أن أفرح بما أنا عليه، وبما لديَّ من إمكانات، بدون أيِّ مقارنة مع الآخرين أو محاولة التعالي عليهم. ففي هذه المقارنة والتعالي يكمن الكبرياء:

"في أكثر من مرَّة، ننسب إلى ذواتنا، كلِّيًّا أو جزئيًّا، ما يحدث. وهذا من شأنه أن يحوِّل الفخر إلى فخّ. فالثقة بالنفس التي تساعد الفخر قد تتحوَّل إلى إعجاب بالذات وحتَّى إلى غطرسة: "أملك وأستطيع أن أفعل أكثر من الآخرين، وبالتالي أنا أفضل منهم. أنا أفوقهم". قد يكون هذا الوهم الحلو مجزيًا. المشكلة هي أنَّنا لسنا حقًّا أفضل من الآخرين، ولن تتوانى قسوة الحياة عن تذكيرنا بذلك باستمرار. علاوة على ذلك، فإنَّ هذا الغرور قد يجعلني كائنًا منعزلًا. وبالفعل، مَن يعتبرون أنفسهم أفضل من الآخرين يصعب عليهم التعامل مع الآخرين كمساوين لهم" (ص. 46).

شجاعة أن تعيش، النموُّ بالاتِّصال، الانتباه إلى المشاعر، تعلُّم الاختيار، تعلُّم الصبر، الصمود أمام الرغبات، ومواضيع أخرى تزيِّن الباقة الجميلة دروس في الحياة التي يقدِّمها لنا الأب نيقولاس سينتوبين، فلا تتردَّدوا في شمِّ أريجها.




كتب روحيَّة مختلفة

 

نيقولاس سينتوبين

دروس في الحياة، كيف تجعل الحكمة القديمة حياتك تزهر؟

ط.1، 172 صفحة، بيروت - لبنان: دار المشرق، ٢٠٢٥

ISBN: 978-2-7214-5696-0



الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ: كاتب وباحث، مدرِّس في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.

 [email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق