article_cover_image

يقارن سروري بين إبداعيَّة نصِّ رواية الغفران وسطوة نصِّ الكوميديا الإلهيَّة.

author_article_image

الدُّكتورة هدى عيد

قراءة في كتاب "كوميديا الغفران" لحبيب عبد الربِّ سروري


 يتجاوز الخيال كونه مجرَّد فسحة ممتعة في عمليَّة الخلق الأدبيِّ لمصلحة حقيقةٍ حتميَّة تتأكَّد عبر استقراء النصوص الأدبيَّة الأصيلة، ومفادها أنَّ وجود الخيال جوهرٌ رئيس في الفعل الإبداعيّ، لكونه يمنح النصَّ المنتَج القدرة على تخطِّي الواقع المباشر، عبر إعادة تشكيله المعنى في صورٍ ترفدها رؤًى متجدِّدة.

يتمكَّن الخيال الخلَّاق، مقرونًا بالحرِّيَّة التي تلازمه، من فتح نوافذَ غير متوقَّعة على العوالم القصيَّة، ومن إتاحة إمكانات تتجاوز حدود الزمان والمكان، حين يمكِّنُ صاحبَه من مقاربة أجواء غير مطروقة من قِبل سواه، يتملَّى معالمها فيفكِّكها، في سبيل إعادة تشكيلها وإبداعها في مشهديَّات مغايرة. وربَّما لذلك، حاول الناقد الفرنسيُّ بول ريكور Paul Ricoeur، وسواه من النقَّاد، الإشادة ببُعد الخيال الإنتاجيّ، حاسبًا إيَّاه قوَّة خلَّاقة قادرة على إعادة توليد الواقع عبر السرد والاستعارة، ما يصيِّر الأدب فرصة لاكتشاف إمكاناتٍ جديدة للفعل الإنسانيّ.

انطلاقًا من وجهة النظر هذه، وتأكيدًا للقيمة العالية لفعل التخييل الإبداعيِّ الذي حفَّز سروري على اقتراف رحلته البحثيَّة هذه، لأنَّنا كبشر "لسنا أكثر من لا شيء... لولا ثالوث التخييل والحرِّيَّة والإبداع" (سروري، 2025: 11)، ننصرف إلى مقاربة "الدراسة الأدبيَّة المقارنة" التي خاض غمارها الكاتب والروائيُّ اليمنيُّ حبيب عبد الربِّ سروري، الموسومة بعنوان كوميديا الغفران، في محاولة منَّا، لمعالجة إشكاليَّة هذه القراءة التي تحتكم إلى سؤال جوهريٍّ يبحث في مدى نجاح سروري، في إعادته استنطاق نصَّين كلاسيكيَّين وتأويلهما، عبر قراءته التحليليَّة المقارنة التي ضمَّنها كتابه، ومعاينة مدى استطاعته إنصاف نتاج المعرِّي الأدبيِّ الفكريِّ والفلسفيّ، بالإضافة إلى إعادة موضَعة رواية الغفران عربيًّا وعالميًّا.



 دراسة مقارنة


يقدِّم لنا الكتاب دراسة نقديَّة مقارنة رصينة، توخَّى الكاتب من خلالها إعادة الاعتبار لنصٍّ إبداعيٍّ تخييليٍّ ينتمي إلى تراثنا العربيّ، يستحضره مقارنًا إيَّاه بنصِّ الشاعر الإيطاليِّ دانتي، آخذًا بعين الاعتبار حقيقة قاسية تتمثَّل بقلَّة تأثير نصِّ رواية الغفران في القارئ العربيّ، إذا لم نقل غياب هذا التأثير تقريبًا، بالتقابل مع سطوة نصِّ الكوميديا الإلهيَّة على القارئ الغربيّ، وشيوع أثره جملة وتفصيلًا.

يعزو سروري الحقيقة الأولى إلى عدم مقروئيَّة كتاب المعرِّي، والتي مبعثُها صعوبته وغموض الكثير من مفرداته، مع ملاحظته أنَّ الكتاب يمثِّل "أثرى كتب العربيَّة قاطبةً بالمفردات المتنوِّعة والصعبة الغامضة" (سروري، 2025: 12)، ومردُّ ذلك، كما يوضح صاحب الدراسة، إلى عشق المعرِّي هذه اللغة وتبحُّره في آثارها، بحيث "يبدو للقارئ، منذ الصفحات الأولى، أنَّ غاية النصِّ هي سرد عشقِ المعرِّي اللغة العربيَّة وشِعرها" (سروري، 105)؛ فهمُّ رواية الغفران وهاجسها الأوَّل هو الأدبيَّة، وما تكتنزه الآثار الشعريَّة الموظَّفة في متنها من أخيلةٍ ورؤًى، وبرغم ذلك فإنَّ ثراء كاتبها لغويًّا ومعرفيًّا، وإحاطته بمفرداتها: مألوفِها وغريبها، قد جعلت مواصلةَ قراءة كتابه شبه مستحيلة لمن هم خارج دائرة كبار المتخصِّصين، وعلماء اللغة. لكن هل أفلح سروري في تخيُّره فعل المقارنة بين هذَين الأثرَين الخالدَين؟

معلومٌ أنَّ الأدب المقارن La Littérature comparée هو "اتِّجاه في الدراسات الأدبيَّة يُعنى بالمقارنة بين آداب أممٍ مختلفة، سواء من ناحية اللغة أو الثقافة أو التاريخ، بغية الكشف عن مَواطن التشابه والاختلاف، وتتبُّع التأثيرات المتبادلة، لرصد صورة الآخر في الأدب، أو لتحقيق الموازنة الفنِّيَّة الفكريَّة بين النصوص" (كفافي، 1971: 17)، وهو ما نقع عليه في متن هذه الدراسة.



الإشكاليَّة/ الهاجس في كتاب "رواية الغفران"


يبدو هذا الكتاب وكأنَّه حلٌّ لإشكاليَّة كبرى شغلت صاحبه، وتمثَّلت في كيفيَّة إعادة تبسيط لغة النصِّ الأصليِّ وتقريبه من الأذهان، ابتغاءَ كشف جماليَّات مكنونات هذه اللغة الأدبيَّة والفكريَّة، وتمحيص منحاه الأسلوبيِّ الممتع.

هاجسٌ نفهم معه تلك الإدانة الصارخة التي يطلقها سروري حيال ظاهرة اللامسؤوليَّة في التعامل مع هذا الأثر الأدبيّ، في الوقت الذي اكتسح نصٌّ ماثَله في موضوعه (مقاربة الحياة الأخرويَّة)، وليس في أسلوبه، نصُّ الكوميديا الإلهيَّة للشاعر الإيطاليِّ دانتي أليغييري، وقد احتفى به الأدب العالميّ، من خلال الدراسات الكثيرة التي أكبَّت على فحص مضامينه وتراكيب لغته، وعبر الترجمات الأوروبيَّة المتعاقبة له.



المشروع التقويميّ


أراد سروري في كتابه إعادة إحياء النصّ، وجعله في متناول القارئ العربيِّ العاديّ، عوَض بقائه غامضًا في الذاكرة الجمعيَّة، نِتاج "تقاعسنا التاريخيّ، منذ عشرة قرون" ( سروري، 2025: 12)، ما يجعله صاحبَ مشروع تقويميٍّ تعليميٍّ لخَّصه بوضوح منذ صفحات الكتاب الأولى، ويتمثَّل في إعادة "جذب القارئ لا سيَّما طلَّاب المدارس، إلى قراءة رواية الغفران، وتقديمها لهم بأسلوب سهل ومصغَّر، محاكيًا فِعل نصوص المناهج المدرسيَّة الغربيَّة في تقديم الأعمال الأدبيَّة الضخمة والكوميديا الإلهيَّة إحداها، "في صيغ تبسيطيَّة مقتضبة وأنيقة" (سروري: 13).

وهو، هنا، يستدعي في مسعاه آراء نقَّاد مثل جاك دريداJ. Derrida ، وبول ريكورP. Ricoeur، مؤكِّدًا معهما مفهوم الاختلاف بحيث "يتبيَّن بوساطته أنَّ المعرِّي قد كتب نصًّا مفتوحًا متعدِّد المعاني، بينما كتب دانتي نصًّا مغلقًا على يقين لاهوتيّ"، منصرفًا إلى تقصِّي "المعنى الثاني" الكامن بحسبانه أنَّ رواية الغفران  تُضمر معانيَ دلاليَّة عميقة تتجاوز ظاهرها الساخر المرح الذي غلَّف سطورها، من دون أن ينسى الاستعانة بالمفكِّر إدوارد سعيد، وبرؤيته في "الاستشراق"، الداعية إلى إعادة قراءة المعرِّي لمناوأة هيمنة سرديَّات غربيَّة، تجعل دانتي وحده رائد "الرحلة الأخرويَّة".



المقارنة بين "رواية الغفران" و"الكوميديا الإلهيَّة"

يُجري سروري مقارنة نقديَّة ممنهجة في كوميديا الغفران، بين مقاطع محدَّدة من الكوميديا الإلهيَّة لدانتي، وبين رواية الغفران أي الجزء الأوَّل من الرسالة التي ردَّ فيها أبو العلاء على ابن القارح، مجسِّرًا العلاقة بينهما، اتِّكاءً على الإبداعيَّة التي اتَّسما بها من خلال عنصرَين أساسيَّين:

1 - البنية السرديَّة الحكائيَّة التخييليَّة

2 - طبيعة الرحلة الأخرويَّة المبتدعة

وهو على إقراره بتشابهِهما في النقطتَين المشار إليهما أعلاه، إلَّا أنَّه ينفي إمكانيَّة التأثُّر والتأثير بين كاتبَيهما، آخذًا بعين الاعتبار عدَّة عوامل أبرزها: المدى الزمنيُّ الفاصل، التباعد الجغرافيُّ الواقعيّ، اختلاف السياق الثقافيِّ والسياسيِّ العامّ، بالإضافة إلى نوع الخطاب المتبنّى في كليهما (المعرِّي = سرد/ دانتي= شعر)، منوِّهًا بحقيقة تظهُّرها المرجعيَّة التاريخيَّة، والمتمثِّلة في أسبقيَّة المعرِّي زمنيًّا إلى ابتداع رحلته الأخرويَّة المتخيَّلة، وتقدُّمه على دانتي بثلاثة قرون. يقول في كتابه: "رواية الغفران": الجزء الأوَّل والروائيُّ من رسالة الغفران، والكوميديا الإلهيَّة لدانتي، كتبها أبو العلاء المعرِّي قبل حوالى 1000 عام، ودانتي قبل 700 عام تقريبًا ( سروري، 11)، نافيًا أن يكون دانتي قد تأثَّر بالنصِّ الأوَّل، لكون رواية المعرِّي لم تخضع لفعل الترجمة.

ومن خلال هذه الأسبقيَّة وهذا التمايز عمل الكاتب على إبراز دور الأدب العربيِّ في تشكيل المخيال الإنسانيِّ الكونيّ، وعلى إعادة الاعتبار إلى المعرِّي، بوصفه رائدًا في التخييل الإبداعيّ، مجاوزًا، بدراسته، حدود التحليل النصِّيّ، ومحاولة تقديمه "كصيغة مدرسيَّة مبسَّطة مصغَّرة، وهي ليست بديلًا عن النصِّ الأصليِّ بالطبع" ( سروري: 13)، إلى مساءلة العلاقة بين الشرق والغرب، وإلى طرح رؤية نقديَّة معاصرة تضع النصوص الكلاسيكيَّة الأصيلة في سياق عالميٍّ متجدِّد، تأكيدًا منه للهويَّة الثقافيَّة، والأبعاد الحضاريَّة.


الاختلاف والائتلاف ما بين الأثرَين


تتوالى في دراسة سروري ستَّة عناوين كبرى يُدرجها بعدَ المدخل: المعرِّي ودانتي، رواية الغفران والكوميديا الإلهيَّة/ رواية الغفران/ مقاطع من الكوميديا الإلهيَّة/ رواية الغفران قراءة كاشفة / رواية الغفران والكوميديا الإلهيَّة رحلة متعرِّجة بين قطبَين/ بالإضافة إلى ملحق عن رسالة التوابع والزوابع لابن شُهيد الأندلسيّ، نتمكَّن، عبر قراءتها، من رصد الآتي:

- اتِّساع المساحة التي أفردها الكاتب لمَشاهد رواية الغفران يسردها متوالية (56 ص.)، بينما اقتُصرت مشاهد مقاطع الكوميديا الإلهيَّة في الفصل المفرد لها على (19ص.).

- تقديم سروري قراءة نقديَّة كاشفة للبنية السرديَّة والفلسفيَّة لـ رسالة الغفران، مستحضرًا خصوصيَّة العوالم التخييليَّة الساحرة التي أبدعها المعرِّي، مبديًا إعجابه ودهشته، غير مرَّة، من مخزون الأديب الثقافيِّ الدينيِّ والشعريِّ، ومن حسِّه المرهف الناقد، ومن أسلوبه الفلسفيِّ وشجاعته الأدبيَّة واتِّباعه هديَ عقله وإمامته: كذب الظنّ، لا إمام سوى العقل مشيرًا في صبحه والمساءِ (سروري: 20).

أمَّا في قراءته مقاطع دانتي الشعريَّة فنجده يسلِّط الضوء على بنية الشاعر الإيطاليِّ الذهنيَّة اللاهوتيَّة، والتي يبرزها نسجُه لعوالم الجحيم والمَطهر والفردوس في إطار شعريٍّ رمزيٍّ يرسِّخ العقيدة المسيحيَّة، وينتصر لفكرة العقاب فيها طلبًا للخلاص. يقرأ سروري صور دانتي الكثيفة – دوائر الجحيم ومراتب الفردوس- بوصفها أدوات لتجذُّر الإيمان، ومادَّة للتفكير في معنى الغفران والعدالة. أمَّا المقارنة التي يُجريها الكاتب بين رحلة المعرِّي الأخرويَّة ورحلة دانتي في الكوميديا الإلهيَّة فتُظهِّر نقاط الاختلاف الآتية:

• اختلافُ البؤرة السرديَّة أو تقابل التبئير Focalisation، الذي يقول به جينت Gérard Genette: (تخيَّل المعرِّي مواضع الجنَّة وأحوال أماكنها والقادمين إليها، والمقيمين منذ زمن في قصور فيها...)، في حين تركَّز تخيُّل دانتي على الجحيم من خلال معاينته، مع أستاذه، كلَّ حلقات الجحيم، ومشاهد العذاب الهائل، وصولًا إلى المطهر "لتقوده حبيبته بياتريشي لاحقًا إلى سماوات الجنَّة، انتهاء برؤية الذات الإلهيَّة" (سروري، 126).

• تقابُل مسار السرد في العملَين؛ فهو "سرد غير خطِّيٍّ عند المعرِّي ينتقل بوساطته من يوميَّات مختارة في الجنَّة، إلى سرد قصَّةِ عبور المحشر عبر فعل الاسترجاع، تلي العودة إلى حين الدخول إلى الجنَّة " باللكز"، من ثمَّ فصل عميق عن الجحيم، تليه العودة مجدَّدًا إلى الجنَّة" (سروري، 127)، "وهو خطِّيٌّ كلاسيكيٌّ عند دانتي يبدأ من رحلة الجحيم، المطهر، وصولًا إلى الفردوس الأعلى" (127).

• اختلاف المنظور أو زاوية الرؤية عند كلَيهما؛ فدانتي يرى من موقع الدينيِّ التخويفيِّ الملتزم بتعاليم العقيدة الكاثوليكيَّة، بحيث ظلَّ (وفيًّا لأسس الرؤية الدينيَّة الرسميَّة في ثقافته) (سروري، 134)، أمَّا المعرِّي فينبثق القول في سرده، من موقعٍ فلسفيٍّ تساؤليٍّ ناقد، تنكشف معه تناقضات العقائد والممارسات.  يقدِّم المعرِّي صورًا ساخرة لشخصيَّات أدبيَّة وفقهيَّة في الجنَّة وفي النار، وإمامُه الأوَّل في ارتحاله العقل ورائده المنطق، ووسيلته لغة ثريَّة عذبة، ومخزون لغويٌّ/ شعريٌّ باذخ لشعراء كثر معاصرين وسابقين، (لذلك لم ينجُ الأديب من مذمَّة بعض السلفيّين له)، وهو منظور يُلقي بظلاله على ما يتمُّ استحضاره في النصَّين من: مكان (الجنَّة والجحيم)، و( حيوان = الجِمال، الخيل، الكواسر والذبائح...)، (المفاهيم= التوبة، العقاب، الانتقام)، ( الطقوس الدينيَّة = صلوات وابتهالات، الثالوث في الكوميديا)، بالإضافة إلى (الشخصيَّات المعنويَّة كالشيطان، والمرجعيَّة كآدم والنبيِّ وآل بيته، وفرجيليو بياتريشي...)

• النقطة الأخيرة – الحاليَّة- تتمثَّل في "هول المفارقة بين حضور نصَّي دانتي والمعرِّي، وتأثيرهما في الفضاء الثقافيِّ الرقميّ (سروري، 136)، يجده الباحث استمرارًا فاقعًا للمفارقة بين الحضور والتأثير الساطع للأوَّل، والغياب الساطع للثاني عن الفضاء الرقميّ".


أمَّا الائتلاف بينهما فيبرز من خلال:

• التشابه في بناء الأثرَين الأدبيَّين التخييليِّ (فكلا الأديبَين يقوم برحلة متخيَّلة إلى العالم الأخرويّ، مبتكِرًا مسبِّبًا لها).

• اشتراك العملَين في تناوب الخطاب ما بين السارد الخارجيّ والسارد الداخليِّ في متنَيهما (دانتي في الكوميديا الإلهيَّة + ابن القارح في رواية الغفران).

• تقاطع العملَين في نظرتهما الموحَّدة إلى الطبيعة البشريَّة التي تحافظ على جوهرها باختلاف المكان والزمان.



خلاصة القول


يُجمل سروري في كتابه كوميديا الغفران أنَّ المعرِّي تمكَّن برؤيته العقلانيَّة الثاقبة من إبداع نصٍّ تخييليٍّ ممتع، تجاوز به حدود عصره، وأسَّس، بوساطته، تقليدًا أدبيًّا عالميًّا تمثَّل في اقتحامه اللامرئيّ، وامتلاكه القدرة على استحضاره، عبر الارتحال الذهنيِّ المشبع بالثقافيّ/ الفكريِّ واللغويّ، ونجاحه تاليًا في تصويره العالم الأخرويَّ في سرديَّة أدبيَّة جدليَّة غير مسبوقة، متحرِّرًا من المرجعيَّات الدينيَّة والفلسفيَّة في إنتاجه نصًّا فلسفيًّا إنسانيًّا. أمَّا دانتي فقد اتَّكأ، على الرغم من عبقريَّته وشاعريَّته، على لاهوت مسيحيٍّ كاثوليكيٍّ صارم، ما أبقاه في خانة الانضباط المجتمعيّ.

تكشف قراءة الكتاب التفكيكيَّة التأويليَّة عن مشروع نقديٍّ سعى صاحبه فيه إلى زعزعة البنى المستقرَّة في تلقِّي النصوص التراثيَّة، وفي ضرورة إعادة تأويلها في ضوء مقاربات حديثة، وضع من خلالها المعرِّي ودانتي في مواجهة نصِّيَّة تكشف عن التوتُّر بين العقل واللاهوت، وبين السخرية والدراميَّة الملحميَّة.

كذلك لا ينسى الكاتب الالتفات إلى رسالة التوابع والزوابع، لابن شُهيد الأندلسيّ (في آخر الكتاب)، تلك الرسالة التي سرد فيها الشاعر الموهوب يوميَّاته المتخيَّلة، وهو يعبر وادي جنِّ تابِعي الشعراء من قدماء ومحدثين، لينتقل في سرده إلى إقليم نقَّاد الجنّ، من ثمَّ يزور إقليم حيوانات الجنّ، في تلويحٍ ضمنيٍّ لإمكانيَّة اطِّلاع المعرِّي على الرسالة، أو تأثُّره بها، بفعل أسبقيَّة وجودها، إلَّا أنَّ سروري يؤكِّد عدم استطاعته أن يقطع بإمكانيَّة سماع أو تأثُّر رسالة المعرِّي بنصِّ ابن شهيد، مع التنويه بتفوُّق الأولى طبعًا لثرائها، وللأبعاد الأدبيَّة التخييليَّة الفلسفيَّة التي استبطنتها.

لقد تمكَّن سروري، في دراسته المقارِنة هذه، من تأكيد حوار حضاريٍّ غير مباشر بين الشرق الإسلاميِّ والغرب المسيحيِّ في العصور الوسطى، متبنِّيًا في نصِّه لغة نقديَّة حداثيَّة، جمعت بين الصرامة الأكاديميَّة، وبين الروح الأدبيَّة الرشيقة التي غلَّفتها الانفعاليَّة أحيانًا، مُعيدًا إحياء نصٍّ تراثيٍّ في سياق معاصر، مطوِّبًا بذلك رواية الغفران، في موقعها المستحِقِّ كأحد أعمدة الأدبَين العربيِّ والعالميّ، ومؤكِّدًا دورها في تشكيل المخيال الإنسانيّ، وهو مسعًى يسهم في تمكين العلاقات الأدبيَّة بين الأمم والشعوب على اختلاف لغاتها، وعلى تنوُّع أديانها ومعتقداتها.

المصادر والمراجع


• سروري، حبيب عبد الربّ. كوميديا الغفران. الإمارات: دار المحيط للنشر، 2025.

• كفافي، محمَّد عبد السلام. في النقد المقارن. بيروت: دار النهضة العربيَّة، 1971.




  الدكتورة هدى عيد: باحثة متخصِّصة في النقد الأدبيِّ الحديث، وأستاذة مشاركة في جامعة الجنان - صيدا. نالت شهادة الدكتوراه من الجامعة الإسلاميَّة في لبنان عن أطروحتها تحوُّلات الرواية العربيَّة: الشخصيَّات، الفضاء، المنظور. دراسة في نماذج مختارة من الروايات العربيَّة (2002-2016)، مريم الحكايا/علويَّة صبح - الفراشة/ محمَّد الأشعري - يا مريم/ سنان أنطون-الموت عمل شاقٌّ/خالد خليفة: نماذج. لها تسعُ روايات، وبعض الإسهامات القصصيَّة. حائزة جائزة مؤسَّسة الحريريّ للتنمية البشريَّة المستدامة عن روايتها حبٌّ في زمن الغفلة، وجائزة المطران الأب سليم غزال للسلم والحوار الوطنيِّ اللبنانيّ، عن أعمالها الروائيّة.

[email protected]




تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق