article_cover_image

بناء الدولة على أسس دينيَّة وتاريخيَّة جسَّدها "بن غوريون" (الكيان الإسرائيليِّ)، والمَودوي (مفهوم "الحاكميَّة").

author_article_image

الأخ جوليان زكَّا الراسي اليسوعي

الدولة المقدَّسة: من النصِّ الدينيِّ إلى السيادة السياسيَّة - الدولة الإسلاميَّة والدولة اليهوديَّة نموذجًا


حين سقط النظام الحاكم في سوريا في الثامن من كانون الأوَّل/ديسمبر 2024 انشقَّت اللحظة التاريخيَّة عن سؤال مصيريِّ يخيِّم على مستقبل البلاد: ماذا سيكون وجه الدولة الجديدة؟ انقسم الحلم السوريُّ بين فريق يتوق إلى إقامة "دولة دينيَّة إسلاميَّة" تحقِّق حُلمًا تاريخيًّا ممتدًّا من عصور الخلافة، وفريق يخشى أن تتحوَّل تلك الدولة إلى كابوس حديث يجسِّد تجارب كتجربة "داعش". وفي خضمِّ هذا الانقسام الحادِّ بشأن الهويَّة والشرعيَّة والسيادة، تطلُّ من الحدود الجنوبيَّة دولةٌ قد تمثِّل النموذج الأكثر تجسيدًا وتنظيمًا لفكرة "الدولة الدينيَّة" في العصر الحديث: إسرائيل، التي ترفع شعار "الدولة اليهوديَّة والديمقراطيَّة" كنموذج يذوِّب الدين في القوميَّة ويجعله أساسًا للدولة. وبدوره يشهد هذا النموذج انقسامًا في الرأي بين من يعتبره تحقيقًا لحقٍّ تاريخيّ، وآخر يطعن في شرعيَّته الدوليَّة والأخلاقيَّة، ما يضعه في قلب العاصفة الفكريَّة ذاتها التي تواجهها فكرة "الدولة الإسلاميَّة".

هذا المقال لا يقدِّم إجابات جاهزة، بل يدعو إلى رحلة فكريَّة استقصائيَّة بين هذَين النموذجَين. كيف تختلف "الدولة الإسلاميَّة" عن "الدولة اليهوديَّة"؟ وأين تلتقيان في استمداد الشرعيَّة من النصِّ المقدَّس، وفي التحدِّيات التي تواجهها كدول تعيش في قرن الحرِّيَّات الفرديَّة؟ وهل يمكن دولة أن تكون "دينيَّة" و"ديمقراطيَّة" في آن؟

تتباين الدولة الإسلاميَّة والدولة اليهوديَّة من حيث الأسس التاريخيَّة والسياقات الحضاريَّة التي انبثقت منها فكرة كلٍّ منهما، غير أنَّ كليهما يقوم على تأويلٍ خاصٍّ للنصوص الدينيَّة ليؤسِّس شرعيَّته السياسيَّة. ففي حين تبلورت فكرة الدولة الإسلاميَّة في التراث السياسيِّ الإسلاميِّ انطلاقًا من مفهوم الحاكميَّة، الذي يجعل السيادة العليا لله وحده ويجعل الشريعة المرجع الأساسيَّ في التشريع والتنظيم، نجد أنَّ الدولة اليهوديَّة الحديثة – المتمثِّلة بإسرائيل – قامت على أساس المشروع الصهيونيّ، وهو مشروع قوميٌّ دينيٌّ يجعل النصوص التوراتيَّة والوعود الإلهيَّة والسياسيَّة مبرِّرًا لقيام دولة يهوديَّة على أرض فلسطين.

نعرض في هذا المقال مفهوم الدولة الإسلاميَّة من منظور أهل السُنَّة والجماعة أوَّلًا، باعتبارها نموذجًا حاضرًا في التاريخ السياسيِّ الإسلاميّ، ولأنَّه شكَّل القاعدة الفقهيَّة والفكريَّة الغالبة عبر قرون. أمَّا النموذج الشيعيُّ فلن نتطرَّق إليه هنا، لكونه يقوم على تصوُّرٍ مغاير لمفهوم الدولة، تصوُّرٌ يقوم على الإمامة والغيبة أكثر من تركيزه على مفهوم الحاكميَّة بوصفها سيادة للشريعة، وهو ما يستحقُّ معالجة مستقلَّة عن هذا البحث.

بعد ذلك ننتقل إلى الدولة اليهوديَّة في ضوء الأسس الصهيونيَّة التي قامت عليها. ثمَّ نناقش مفهومَي الحاكميَّة والصهيونيَّة باعتبارهما المرجعيَّتَين الفكريَّتَين والسياسيَّتَين اللتَين تضفيان الشرعيَّة على كلٍّ من المشروعَين، مع التطرُّق إلى أوجه التقارب بينهما في استخدام النصوص الدينيَّة لإضفاء الشرعيَّة على بناء الدولة وتوجيهها السياسيِّ والاجتماعيّ.


دولة إسلاميَّة: تطوُّر المفهوم


طرح المسلمون قضيَّة الدولة والسلطة عند سقوط الخلافة الإسلاميَّة. وقد جاء طرحها في سياق الإصلاح والبحث في أسباب تقدُّم الغرب وتراجع المسلمين. فانقسم البحث بين عدَّة وجهات نظر مثَّلت رؤية المذهب السُنِّيِّ الفكريَّة السياسيَّة، تبلور أبرزها في ثلاثة محاور:

 الأوَّل، مَن أيَّد نشوء دولة مدنيَّة تقوم على أنَّ مبدأ الشرع هو مصدر القانون، والأمَّة هي مصدر السلطة أي دولة ذات مرجعيَّة إسلاميَّة. والثاني، مَن تمسَّك بدولة الخلافة الإسلاميَّة استنادًا إلى نظريَّة الحقِّ الإلهيّ. والثالث كان اتِّجاهًا مختلفًا يذهب إلى فصل الدين عن الدولة، فيقول إنَّ الإسلام دين لا دولة، رسالة لا حكم.

لهذا سنذهب في رحلة عبر محطَّات تاريخيَّة مع أبرز المفكِّرين الذين بلوروا هذه الأفكار لتبيان تطوُّر تسلسلِ فكر هذا الطرح الزمنيّ.

في أثناء النهضة العربيَّة، منتصف القرن التاسع عشر، بدأ المفكِّرون العرب يفتتنون بالحضارة الغربيَّة، ومنهم رفاعة الطهطاوي[1] (1801-1873) الذي نظر إلى الحضارة الأوروبيَّة نظرة إعجاب، وعدَّ نُظُمَ أوروبَّا ومؤسَّساتها غيرَ متناقضة مع الرؤية الإسلاميَّة: "أغلب النواميس الطبيعيَّة لا تخرج عن الأحكام الشرعيَّة؛ فهي فطريَّة بطبيعتها وقد خلقها الله". ويشرح عن المملكة ونظام الحرِّيَّة فيها فيقول: "حقوق جميع أهالي المملكة المتمدِّنة ترجع إلى الحرِّيَّة. فتتَّصف المملكةُ بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعيَّة بأنَّها مملكة حاصلة على حرِّيَّتها، ويتَّصف كلُّ فرد من أفراد الهيئة الاجتماعيَّة بأنَّه حرٌّ يُباح له أن يتنقَّل من دار إلى دار، ومن جهة إلى جهة، وأن يتصرَّف في وقته ونفسه كما يشاء، فلا يمنعه من ذلك إلَّا المانعُ المُحدَّدُ بالشرع أو السياسة، ممَّا تستدعيه أصولُ مملكته العادلة"[2].

فقد أسَّس العرب الفكر السياسيَّ على مواءمةٍ ما بين الشرق والغرب، وأبرز هذه الملامح تجلَّت في رؤية روسُّو في كتابه "العقد الاجتماعيّ". بدأت هذه المواءمة تأخذ طابع السيادة الشعبيَّة أو الحاكميَّة الشعبيَّة، وبذلك جعل المفكِّرون الإسلاميُّون السلطة في قبضة الشعب تحت مسمَّى "سلطة الأمَّة". ومن أهمِّ هؤلاء الموائمين كان الشيخ محمَّد عبده[3] (1846-1905).

أرسى الشيخ محمَّد عبدُه هذه الرؤية في السلطة. ففي محاولته التوفيقَ بين المبادئ الإسلاميَّة والأفكار الغربيَّة، اقترح أنَّ مصطلح "المصلحة" عند المسلمين يقابل "المنفعة" عند الغربيِّين، وأنَّ "الشورى" تقابل "الديمقراطيَّة،" وأنَّ "الإجماع" يقابل "رأيَ الأغلبيَّة". ورأى أنْ ليس ثمَّة حكم دينيٌّ ثيوقراطيٌّ في الإسلام؛ فمناصبُ الحاكم أو القاضي أو المفتي أو شيخ الإسلام مناصبُ مدنيَّة وليست دينيَّة[4].

واعتمد في ذلك على أدلَّة نقليَّة من القرآن الكريم في سورة الشورى، الآية 38 (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). وهكذا، أرسى محمَّد عبده ملامح نظام سياسيٍّ إسلاميٍّ قائم على سيادة شعبيَّة.

لكنَّ هذه الملامح بدأت تصبح أوضح وأكثر تنظيمًا مع تلميذه المفكِّر رشيد رضا[5] (1865-1935)، صاحب نظريَّة "سلطة الأمَّة" التي عرضها في رسالته "الخلافة" متأثِّرا بسقوط الخلافة العثمانيَّة. فكانت رسالته هذه بمثابة محاولة إحياء مجد خلافةٍ حزَّ في نفسه سقوطها. ومن أهمِّ المبادئ التي انطلق منها هو التركيز على سلطة الأمَّة كإحدى الركائز الأساسيَّة للبناء السياسيِّ في الإسلام. فقال إنَّ الإسلام وضع للسياسة الاجتماعيَّة المدنيَّة أسسًا وقواعد، وشرَّع للأمَّة الرأيَ والاجتهاد فيها لأنَّها تختلف باختلاف الزمان والمكان، وترتقي بارتقاء العمران.

ومن قواعد رشيد رضا في الأمَّة أنَّ سلطة الأمَّة لها، وأمرها شورى بينهم، وأنَّ حكومتها ضرب من الجمهوريَّة، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على أضعف أفراد الرعيَّة، إنَّما هو منفِّذٌ لحكم الشرع ورأي الأمَّة. وعليه، وضع ثلاث ركائز أساسيَّة: مبدأ الشورى، ثمَّ الإجماع، ثمَّ وجوب الطاعة لأُولي الأمر. فبحسب رأيه، هؤلاء هم أهل الحلِّ والعقد، بالإضافة إلى الأمراء والعلماء. ومن سلطة الجماعة اختيار الخليفة وعزله. وهنا يبدو واضحًا تأثُّره بنظرة جاك روسُّو، لأنَّه يجعل سلطة تنصيب الوالي وعزله في يد الأمَّة، ويقدِّم طريقة، جديدة بالنسبة إلى عصره، تحقِّق اختيار صاحب السلطة. وهذه الطريقة هي: "الانتخابات"، موضحًا أنَّ لمجلس الأمَّة كلَّ السلطة التشريعيَّة، وسلطة اختيار السلطة التنفيذيَّة وعزلها.

لكن علينا أن نعلم أنَّ هذا المفكِّر، وإن كان يرى من جهة أنَّ السلطة، الأمَّة في الإسلام، تتشابه بوجهٍ ما مع المبدأ الغربيّ، إلَّا أنَّه يضع بعد ذلك فروقًا جوهريَّة بين الاثنين؛ من أهمِّها أنَّ سلطة الأمَّة في الإسلام لا يمكنها، في أيِّ حال من الأحوال، أن تتجاوز سلطة التشريع الإلهيّ، بل يجب أن تكون مقيَّدة به تمامًا.

بعد المفكِّر رشيد رضا، جاء المفكِّر حسن البنَّا، مؤسِّس جماعة "الإخوان المسلمون"، الذي اتَّبع طريق سابقِه في القول بمبدأ "سلطة الأمَّة"، وأعلن أنَّ الإسلام قرَّر سلطة الأمَّة وأكَّدها. وأوصى بأن يكون كلُّ مسلمٍ مشرِفًا تمام الإشراف على تصرُّفات حكومته. وعلى المحكومين أن يسمعوا ويطيعوا الحاكم. فإذا حاد، وجب عليهم أن يقوِّموه على الحقّ، ويلزموه على القانون، ويعيدوه إلى نصاب العدالة.

ويقول أيضًا إنَّ الإسلام دين ودولة، - ما في ذلك شكّ - وبهذا، أصبح الإسلام شريعة ربَّانيَّة جاءت بتعاليم إنسانيَّة وأحكام اجتماعيَّة، وأنَّ الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين، ويحكم أمَّتهم، إذا قصَّر في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكمًا إسلاميًّا. وإذا أهملت الدولة هذه المهمَّة لم تعد دولة إسلاميَّة. وإذا رضيت الجماعة أو الأمَّة الإسلاميَّة بهذا الإهمال، ووافقت عليه، لم تعد هي الأخرى إسلاميَّة مهما ادَّعت ذلك بلسانها.

أرست هذه الرؤية أساساتٍ لدولة إسلاميَّة تستمدُّ سلطتها من الشعب أو الأمَّة -على حسب تعبيره-. ولكن في أيَّام حسن البنَّا الأخيرة، ظهر مفهوم جديد في فكره وهو "حاكميَّة الله"؛ لكنَّ الفرصة لم تسنح له بترسيخ هذا المعنى في قلوب أتباعه. فبدأت فكرة حاكميَّة الله تتبلور تدريجيًّا في فكر الإسلاميِّين، وكانت في مرحلتها الأولى مختلطة بمبدأ سلطة الأمَّة الذي نادى به رشيد رضا، ثمَّ تبعه في ذلك حسن البنَّا. أمَّا في المرحلة اللاحقة من المسيرة فظهر واضحًا انسلاخ فكرة حاكميَّة الله عن مبدأ سلطة الأمَّة، وتطوُّرها كأيديولوجيا مستقلَّة بذاتها. فأصبح فيما بعد مفهوم "حاكميَّة الله" راسخًا في أذهان العديد من المفكِّرين الإسلاميِّين.


دولة يهوديَّة: دولة الوعدَين


إنَّ التأثير الدينيَّ اليهوديَّ على دولة إسرائيل ليس جديدًا. فمنذ انطلاق الحركة الصهيونيَّة وهذا التأثير ملازم لها. وعليه؛ فإنَّ الدولة أصبحت قائمة على شرعيَّة سياسيَّة قانونيَّة دوليَّة، مرتبطة بالحقِّ الدينيِّ المتمثِّل في وعد الله للشعب العبرانيّ. وبالتالي أدَّى ارتباط الدين بالدولة إلى أن يتحوَّل الوعد الدينيُّ المذكور بالنصوص التوراتيَّة إلى حقٍّ مشروع سياسيًّا وقانونيًّا، وبالتالي فإنَّ الوعد الدينيَّ المتمَثّل بوعد الله لإبراهيم، والوعد السياسيَّ المتمثِّل بوعد بلفور، يمثِّلان جوهرًا واحدًا وهو "الدولة اليهوديَّة".

وعد إبراهيم

في البدء كان وعد الله لإبراهيم بأرض الميعاد. وبعد ما يقارب الثلاثة آلاف عام، وتحديدًا في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، أعلن بلفور وزير الخارجيَّة البريطانيَّة وعده بإعطاء وطن قوميٍّ لليهود المقيمين في أوروبَّا. وتمّ الاتِّفاق على أرض فلسطين لتكون تحقيقًا لهذَين الوعدَين.

يقدِّم لنا النصُّ المقدَّس الأرض على أنَّها ملك الله أوَّلًا وأخيرًا. وهذا واضح في أسفار التكوين حيث تشمل كلمة الأرض جميع أراضي المسكونة. وعلى الشعب أن يعتبر الأرض كلَّها ملك الله، وسيرد هذا المفهوم فيما بعد في سفر اللاويِّين أحد أسفار التوراة: "وأَمَّا الأَرض، فلا تُبَعْ بَتاتًا لأَنَّها لِيَ الأَرض، وإِنَّما أَنتُم نُزَلاءُ وضُيوفٌ عِندي" (لاويّين 25: 23).

خلق الله الأرض كفضاء قدَّمه للإنسان حتَّى يقيم فيه ويعيش بمقتضى العهد الذي قطعه معه. كما عليه أن يقيم علاقات أخويَّة مبنيَّة على العدالة، وبهذا يكمل عمل الله في تنظيم الخليقة. ويبيِّن لنا سفر التكوين سقوط آدم بأنَّها المرحلة المأساويَّة والفاشلة. وتمرُّ السنون ويأتي إبراهيم أبو الأديان الثلاثة التوحيديَّة. ولقد تحوَّل إبراهيم ليصبح بركة جميع الأمم بحسب روايات الكتب السماويَّة في الأديان الثلاثة، وذلك انطلاقًا من الأرض المعيَّنة جغرافيًّا، التي أصبحت أرض الميعاد، والتي تعبِّر عن عطيَّة الله لإبراهيم ولأبنائه[6].

وعليه ارتبط مفهوم الأرض – أرض الميعاد على وجه التحديد -، ولفترةٍ طويلة، بالأرض الجغرافيَّة المُعطاة من الله لإبراهيم ونسله.


وعد بلفور


شكَّلت إعادة الاهتمام بدراسة النصوص المقدَّسة، وخصوصًا العهد القديم، لدى المجتمعات المسيحيَّة الأوروبيَّة تطوُّرًا بالغ الأهمِّيَّة. فقد أدَّى هذا الاهتمام المتجدِّد إلى انتشار المعرفة بالتراث العبريِّ واليهوديِّ انتشارًا واسعًا في أرجاء القارَّة، وهو الأمر الذي ازداد وضوحًا بعد حركة الإصلاح البروتستانتيّ. وبما أنَّ العهد القديم يشكِّل جزءًا لا يتجزَّأ من الكتاب المقدَّس المسيحيّ، وكانت قراءته تعتبر واجبًا دينيًّا، فقد أصبحت مرويَّاته وقصصه مألوفة لدى العامَّة، خصوصًا بين بعض التيَّارات البروتستانتيَّة. فأصبح الناس على دراية بجغرافيَّة فلسطين وأسماء مدنِها ومواقعها الطبيعيَّة، كما تعرَّفوا إلى الأحداث التاريخيَّة التي يسردها النصّ.

أدَّت هذه المعرفة الكتابيَّة الشعبيَّة إلى نسج علاقة عاطفيَّة ودينيَّة جديدة بين العالمَين المسيحيِّ واليهوديّ، بعد قرون من القطيعة والعداء. ولم يقتصر هذا التأثير الإيجابيُّ على عامَّة الناس، بل امتدَّ ليشمل النخب الحاكمة في أوروبَّا. وقد تجلَّى ذلك بوضوح في بريطانيا لاحقًا، حيث نشأت تيَّارات لاهوتيَّة مؤيِّدة لفكرة استعادة اليهود أرض الميعاد، ومتوافقةً مع التطلُّعات اليهوديَّة الدنيويَّة. وبلغ هذا المنحى ذروته بتعاطف الحكومة البريطانيَّة مع ما عُرف بالقضيَّة اليهوديَّة، ما مهَّد الطريق في النهاية لإصدار الوعد المعروف بوعد بلفور[7].

وهكذا، كان للتجديد في قراءة النصوص الدينيَّة في أوروبَّا دورٌ محوريٌّ في تمهيد الطريق لصدور وعد بلفور. ففي الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، كتب وزير الخارجيَّة البريطانيَّة آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، الشخصيَّة البارزة في المجتمع اليهوديِّ البريطانيّ، مُعلنًا موافقة حكومته على "إنشاء وطن قوميٍّ للشعب اليهوديِّ في فلسطين"، ومتعهِّدًا بأن تبذل حكومته "قصارى جهدها" لإنجاز هذا المشروع، في خطوةٍ غيَّرت مجرى تاريخ المنطقة في القرن العشرين[8].

وفي هذا الإطار، برز تمايز رئيس بين جماعتَين يهوديَّتين في أوروبَّا: يهود الغرب ويهود الشرق. ففي أوروبَّا الغربيَّة، كان اليهود يعيشون مرحلة من التحرُّر الاجتماعيّ، إلَّا أنَّ هذا "الانعتاق" أثار مخاوفهم من الذوبان الكامل وفقدان الهويَّة داخل المجتمعات المضيفة. وهذا الشعور بالقلق من الاندماج هو ما جعل الدعوة الصهيونيَّة للعودة إلى أرض الأجداد تبدو جذَّابة للكثيرين منهم، كحلٍّ للحفاظ على كيانهم المميّز.

أمَّا يهود أوروبَّا الشرقيَّة، فقد كانوا أكثر تمسُّكًا بالتديُّن والتراث الدينيّ. ولم يُشكِّل هذا الأمر عائقًا أمام روَّاد الصهيونيَّة السياسيَّة، بل رأَوا فيه فرصة لتحقيق اندماج استراتيجيٍّ بين المشروع السياسيِّ والخطاب الدينيّ. لذلك، عمدت الصهيونيَّة السياسيَّة إلى تبنِّي الرموز والمفاهيم الدينيَّة الراسخة في وجدان الجماهير اليهوديَّة في شرق أوروبَّا، وإعادة صياغتها في قالب قوميٍّ ذي طابع شبه دينيّ. وكان الهدف من هذه الصيغة الجديدة هو جعل البرنامج الصهيونيِّ مقبولًا ومتجانسًا مع التنوُّع الاجتماعيِّ والثقافيِّ ليهود أوروبَّا كافَّة.

وبطبيعة الحال، أدَّى هذا المسار إلى تكوين علاقة وثيقة بين الصهيونيَّة والدين اليهوديّ. ورغم أنَّ جذور الحركة الصهيونيَّة تعود إلى شخصيَّات بدت علمانيَّة في توجُّهها العامّ، إلَّا أنَّ قادتها أدركوا باكرًا الحاجة إلى توظيف الدين واستلهام رموزه، فانخرطوا في الدعوة إلى الحفاظ على الهويَّة الدينيَّة من خلال إحياء اللغة العبريَّة وعلوم الدين ومقاومة الزواج المختلط، باعتبار ذلك وسيلة لحفظ كيان الجماعة اليهوديَّة. وهكذا، تجلَّت النزعة النفعيَّة الواضحة للصهيونيَّة السياسيَّة، التي رأت أنَّ تحقيق مشروعها الوطنيّ، المتمثِّل في العودة إلى "أرض الميعاد"، يتطلَّب الارتباط الوثيق بالصهيونيَّة الدينيَّة والاستناد إلى سلطة التراث التوراتيِّ كلِّه، وذلك لأنَّ الجمهور اليهوديَّ لن يستجيب للنداء السياسيِّ المجرَّد بدون وجود سند من "الوعد الإلهيِّ" الذي يمنح المشروع شرعيَّته التاريخيَّة والعاطفيَّة.


الحاكميَّة: لا حكم إلَّا لله


في أثناء فترة الحركات الانفصاليَّة في الهند كان أبو الأعلى المودودي[9] (1903-1979) يرى خطرًا حقيقيًّا يهدِّد الوجود الإسلاميَّ هناك. وقد ارتبط موقفه هذا ارتباطًا وثيقًا بمفهوم مركزيٍّ في فكره، وهو مفهوم "الحاكميَّة"، الذي يعني أنَّ السيادة المطلقة والسلطة العليا هي لله وحده، ما يستلزم تطبيق حكمه في جميع مناحي الحياة، الدينيَّة والدنيويَّة، وبخاصَّة في المجال السياسيّ.

إلَّا أنَّ المودودي كان يدرك تمامًا أنَّ الديمقراطيَّة، القائمة على مبدأ السيادة الشعبيَّة، هي سمة العصر ومطلب شعوب العالم. وقد وجد نفسه أمام إشكاليَّة واضحة: كيف يمكن تأسيس نظام إسلاميٍّ يقوم على "حاكميَّة الله" في ظلِّ نموذج سياسيٍّ عالميٍّ يرتكز على "سيادة الشعب"؟ ورأى أنَّ المبدأَين يتعارضان جوهريًّا على مستوى مصدر السلطة.

لذلك، سعى إلى حلِّ هذه المعضلة عبر تبنِّي شكليَّات المبدأ الديمقراطيِّ مع إفراغه من مضمونه الأصليّ. فاستوعب إطار السيادة الشعبيَّة العامّ، لكنَّه أعاد تعريف محتواها ليملأه بمضامين "الحاكميَّة الإلهيَّة". وهكذا، تمَّ استبعاد فكرة الشعب باعتباره صاحب السيادة العليا، واستبدالها بمبدأ سيادة الله كمصدر وحيد للشرعيَّة والتشريع، مع الاحتفاظ بالشكل الظاهريِّ للآليَّات الديمقراطيَّة.

رأى المودودي أنَّ الحاكميَّة لا تنطبق إلَّا على الله لأنَّه الغالب المطلق الذي لا يُسأل عن أعماله، وهو الذي يبيِّن للناس حقوقَهم من دون ظلم أو فساد نابعَيْن من الطبيعة البشريَّة. وإذا كان الأنبياءُ والرسل هم ممثِّلو الحاكميَّة في المجال البشريّ، فالحقُّ من بعدهم يصبح في النيابة عامًّا، يشمل كلَّ أفراد المجتمع الإسلاميِّ شرط أن يسلِّموا بحاكميَّة الله. ما يعني أنَّ القول بمبدأ سيادة الأمَّة على نفسها سيكون، وفق نظريَّة المودودي، خروجًا عن شرع الله. ولمَّا كانت الحاكميَّة الإلهيَّة عند المودودي تنطوي بالضرورة على سحب السيادة من الشعب، وإلحاقها بالله وحده وبأحكامه، التي ينظر إليها المودودي على أنَّها دينيَّة وسياسيَّة معًا، فإنَّ الشعب بذلك لن يعود صاحب السيادة بل هو مجرَّد رعيَّة للنظام الإسلاميّ[10].

أثَّرت نظريَّة المودودي بشكل عميق في المفكِّرين الإسلاميِّين بمصر بشكل خاصّ. فقد شهد العام 1956 اعتقال سيِّد قطب[11] (1906-1966) وجماعته من الإخوان المسلمين، بتهمة التخطيط لعمليَّات تفجير في أماكن عامَّة واغتيال شخصيَّات بارزة.

وكانت فترة سجنه هذه محوريّةً في تحوُّل فكره، حيث انتقل من مفهوم "حاكميَّة التشريع" – التي يستمدُّ فيها الحاكم شرعيَّته من تطبيق الشريعة الإسلاميَّة ومبايعة الشعب – إلى مفهوم "الحاكميَّة الإلهيَّة" المطلقة، التي تحتكر السيادة فيها لله وحده، وتُقصي الشعب كلِّيًّا عن كونه مصدرًا للسلطة. وهذا التحوُّل يقود نظريًّا إلى إقامة نظام حكم ثيوقراطيّ، تستمدُّ فيه الدولة شرعيَّتها مباشرة من الله وليس من إرادة المحكومين.

وقد عبَّر سيّد قطب عن هذا الفكر الجذريِّ في كتابه الأبرز "معالم في الطريق"، الذي بنى فيه أفكاره على الأساس النظريِّ الذي وضعه المودودي، ولكنَّه طوَّره ومركزه على فكرة صراع حضاريٍّ محتوم بين عالم الإسلام "المتمثِّل بالأمَّة" والحضارة الغربيَّة الجاهليَّة. وهكذا، تحوَّل قطب إلى "مودودي مصريّ"، يرى أنَّ الحكم الشرعيَّ هو للنصِّ الدينيِّ وحده، ما يقيِّد – بل ويلغي عمليًّا – مساحة الاجتهاد البشريّ[12].

وسَّع قطب مفهوم "حاكميَّة الإسلام" ليشمل فكرة "حاكميَّة التشريع" ويستوعبها، فقسَّم أنظمة الحكم في العالم إلى ثنائيَّة حاسمة: إمَّا حكم إسلاميٌّ "مستند إلى حاكميَّة الله"، أو حكم جاهليٌّ "وهو أيُّ نظام لا يخضع لهذه الحاكميَّة المطلقة، بغضِّ النظر عن شكله أو ادِّعاءاته"[13].

يجب هنا التمييز بين نقطة اختلاف جوهريَّة بين المودودي وسيِّد قطب، تتعلّق بالسياق الذي نشأ فيه فكر كلّ منهما. فقد واجه المودودي خصومًا ينتمون إلى دين مختلف، وهم الهندوس الذين يشكّلون الأغلبيَّة الساحقة في النسيج الاجتماعيّ الهنديّ. وبالتالي، كانت دعوته لإقامة دولة إسلاميَّة وحصر الحكم فيها موجّهة ضدّ الآخر غير المسلم، ممّا جعل بناء حجّته النظريَّة أكثر استقامة من حيث المبدأ، إذ لم يكن مضطرًّا لمواجهة إشكاليَّة تفكيك شرعيَّة خصم مسلم.

أمَّا سيِّد قطب، فقد واجه تحدِّيًا مختلفًا جذريًّا. إذ كان خصمه نظامًا حاكمًا في بلد ذي أغلبيَّة مسلمة، هو النظام المصريُّ في عهد جمال عبد الناصر، الذي جمع بين المرجعيَّة القوميَّة العربيَّة والادِّعاء بالانتماء إلى الإسلام. هذا الواقع فرض على قطب إشكالًا نظريًّا معقَّدًا: كيف يمكن نزع الشرعيَّة عن نظام مسلم بدون الاعتماد على منطق الصراع مع "الآخر غير المسلم"؟

في هذا السياق، أعاد قطب تفعيل مفهوم الحاكميَّة ووسَّعه، متأثِّرًا بالمودودي، ليجعله معيارًا عُقديًّا حاسمًا، لا مجرَّد مبدأ سياسيّ. فقد عدَّ أنَّ إسناد السيادة للتشريع البشريّ - سواء للشعب أو للدولة - يشكِّل منازعةً لله في سلطانه، ويؤدِّي إلى قيام دولة تعيد إنتاج حالة "الجاهليَّة"، حيث يصبح البشر مُشرِّعين من دون الله.

وبهذا، تحوَّلت الحاكميَّة في فكر قطب إلى أداة مركزيَّة لتجريد النظام السياسيِّ القائم على الشرعيَّة الإسلاميَّة، وإعادة تصنيفه ضمن نموذج الجاهليَّة الحديثة.

وبنتيجة تطوُّر أفكار هذين المفكِّرين، يتبلور نموذجان متمايزان للدولة في الفكر السياسيِّ الإسلاميّ:

النموذج الأوَّل: دولة إسلاميَّة تكون فيها الشريعة "القانون المستمدُّ من الوحي" هي المصدر الأعلى للتشريع، وهي التي تقيِّد الحاكم وتعلو عليه. أمَّا السلطة فمصدرها الأمَّة "الشعب" من خلال آليَّات مثل المبايعة. في هذا النموذج، لا عصمة ولا حصانة للحاكم؛ فهو يخضع للقانون مثل سائر الناس، وطاعته مشروطة بعدم مخالفة الشريعة.

النموذج الثاني: دولة إسلاميَّة ثيوقراطيَّة تكون فيها السيادة والسلطة معًا من حقِّ الله وحده. فالله هو مصدر القانون ومصدر السلطة السياسيَّة على حدٍّ سواء. وهذا النموذج يؤدِّي منطقيًّا إلى عصمة الحاكم أو المؤسَّسة الحاكمة المستنِدة إلى هذا التفويض الإلهيِّ المطلق، ويترتَّب عليه واجب الطاعة الكاملة من قبل الأمَّة، إذ إنَّ معصية الحاكم تصبح في هذه الحالة معصية لله.

يُظهر التحليل أنَّ الحاكميَّة قد اتَّخذت مسارَين رئيسَين: الأوَّل يحاول التوفيق بين المرجعيَّة الإسلاميَّة وآليَّات الحكم الحديثة "كالديمقراطيَّة"، من خلال فصل مصادر التشريع عن مصادر السلطة. والثاني يذهب إلى تبنِّي رؤية ثيوقراطيَّة صارمة تجعل السيادة المطلقة لله وحده، ما يؤدِّي منطقيًّا إلى نفي أيِّ شرعيَّة بشريَّة مستقلَّة. وقد أدَّى هذا التطرُّف في التفسير إلى تحويل الحاكميَّة من مفهوم يستهدف تحقيق العدالة إلى أيديولوجيا تُستخدَم لتكفير المجتمعات وتبرير الصراع.

غير أنَّ التحدِّي الأكبر الذي يواجه مفهوم الحاكميَّة اليوم يتجلَّى في الفجوة بين تنظيره المجرَّد وإمكانيَّة تطبيقه العمليِّ في مجتمعات معقَّدة ومتعدِّدة الهويَّات. فبينما يقدِّم رؤية واضحة للمشروعيَّة العليا، يبقى عاجزًا عن تقديم إجابات عمليَّة عن الأسئلة الجوهريَّة: كيف تتحوَّل السيادة الإلهيَّة المجرَّدة إلى مؤسَّسات حكمٍ عادلة؟ وكيف يمكن ضمان حقوق الأقلِّيَّات غير المسلمة في ظلِّ دولة تقوم على هذا المبدأ؟ ومن يملك، في نهاية المطاف، سلطة تفسير الإرادة الإلهيَّة في المجال السياسيِّ بدون الوقوع في احتكار دينيٍّ للسلطة؟


الصهيونيَّة: شرعيَّة استعماريَّة


الصهيونيَّة هي الحركة القوميَّة اليهوديَّة التي تهدف إلى إقامة وطن قوميٍّ للشعب اليهوديِّ في المنطقة التي تُعرف تاريخيًّا باسم أرض إسرائيل، والتي تتطابق تقريبًا مع أرض كنعان أو الأراضي المقدَّسة، والمعروفة أيضًا باسم فلسطين[14].

أسَّس هذه الحركة ثيودور هرتزل (1860-1904)[15]، وكانت أهدافها الأساسيَّة حتَّى العام 1948 تتمثَّل في استعادة السيادة اليهوديَّة على "أرض إسرائيل"، وجمع اليهود من شَتاتهم، وإنهاء معاناتهم من التمييز والاضطهاد المعروفَين بالمعاداة للساميَّة طوال فترة الشَتات. وبعد قيام دولة إسرائيل في العام 1948، تحوَّل التركيز الرئيس للصهيونيَّة إلى دعم الدولة الناشئة، والدفاع عن وجودها وأمنها ضدَّ التهديدات المختلفة[16].

من المهمِّ الإشارة إلى أنَّ التأثير الدينيَّ اليهوديَّ لم يطرأ لاحقًا على دولة إسرائيل، بل كان حاضرًا منذ نشأة الحركة الصهيونيَّة نفسها. وعلى الرغم من أنَّ الصهيونيَّة بدأت بقيادة شخصيَّات بدت علمانيَّة في توجُّهها العامّ، إلَّا أنَّ روَّادها سرعان ما أدركوا أهمِّيَّة الدين كحجر أساس للهويَّة. فدعوا إلى التمسُّك بالتراث الدينيِّ وإحياء اللغة العبريَّة وعلوم الدين، وحذَّروا من مخاطر الزواج المختلط، ففي نظرهم، أنَّ هذه العناصر ضروريَّة لحفظ الكيان اليهوديِّ وضمان استمراريَّته.

وهكذا امتلكت الصهيونيَّة السياسيَّة درجة عالية من النفعيَّة، حيث وجدت أنَّ مشروعها لا يقوم إلَّا على الاتِّحاد مع الصهيونيَّة الدينيَّة. لأنَّ الهدف السياسيّ، وهو العودة إلى "أرض الميعاد"، يحتاج إلى التراث التوراتيِّ كلِّه، ولأنَّ الجمهور اليهوديَّ لا يستجيب لأهداف الصهيونيَّة السياسيَّة بدون "الوعد الإلهيّ"[17].

لقد تجلَّى ذلك في العام 1948، حين ظهرت "وثيقة الاستقلال"، وهي وثيقة إعلان قيام كيان إسرائيل كُتبت بعد انتهاء الانتداب البريطانيِّ على فلسطين، وإعلان "ديفيد بن غوريون" الرئيس التنفيذيِّ للمنظَّمة الصهيونيَّة العالميَّة، ومدير الوكالة اليهوديَّة؛ قيام الكيان الإسرائيليِّ واحتلال الشعب اليهوديِّ لما أسماه أرضه التاريخيَّة. وفي هذه الوثيقة يتناوب المصطلحان "دولة يهوديَّة" و "دولة اليهود" مرَّات عدَّة. ورغم أنَّ الوثيقة هذه ليست بمقام قانون، ولم يتمَّ تبنِّيها على أنَّها قانون، لكن لها قيمة معياريَّة دستوريَّة في بنية الدولة القانونيَّة[18].

تبدأ الوثيقة بالجمع ما بين الرابطة الدينيَّة، والحقوق السياسيَّة والقوميَّة، حيث يرد فيها: "في أرض إسرائيل أقام الشعب اليهوديّ، وفيها بلور شخصيَّته الروحيَّة والدينيَّة والسياسيَّة، وفيها عاش حياة انبعاث سياديّ. فيها أنتج نتاجًا ثقافيًّا ودينيًّا وإنسانيًّا، وأورث العالم كتاب الكتب الأبديّ. وبعد أن أُبعد الشعب من بلاده بالقوَّة حافظ على عهده لها في بلدان شتاته، ولم يتوقَّف عن الصلاة والأمل أن يعود إليها وأن يجد فيها حرِّيَّته السياسيَّة"[19].

تطرَّقت هذه الوثيقة إلى وعد بلفور وإلى صكِّ الانتداب كاعتراف من قبل القانون الدوليِّ بالرابط التاريخيِّ بين الشعب اليهوديِّ وأرضه[20]، وبالتالي، فإنَّ الوثيقة تجمع ما بين الوعدَين بعلاقة الشعب والأرض. وهكذا أصبحت الدولة قائمة على شرعيَّة سياسيَّة قانونيَّة دوليَّة، مرتبطة بالحقِّ الدينيِّ المتمثِّل في وعد الله للشعب العبرانيّ. في هذه الوثيقة يتمثَّل وعد بلفور كامتداد قانونيٍّ دوليٍّ لوعد الله الوارد في النصوص الدينيَّة. بمعنًى آخر، إنَّ ارتباط الدين بالدولة أدَّى إلى تحوُّل الوعد الدينيِّ إلى حقٍّ مشروع سياسيًّا وقانونيًّا، وبالتالي أصبح الوعدان يمثِّلان جوهرًا واحدًا وهو "الدولة اليهوديَّة".

لم يقتصر دور تسخير النصِّ الدينيِّ اليهوديِّ على تزويد القوميَّة الصهيونيَّة بالمصطلحات واللغة والمفاهيم الجغرافيَّة فحسب، بل قدَّم لها أيضًا البُعد القيميَّ الإيجابيِّ والامتدادات الثقافيَّة والتراثيَّة المرتبطة بتلك العناصر جميعًا. فمنذ انعقاد المؤتمر الصهيونيِّ الأوَّل في "بازل"، تمَّ توظيف تعابير دينيَّة بعد تجريدها من طابعها المقدَّس وتحويلها إلى مكوِّنات أساسيَّة في برنامج الحركة الناشئة السياسيّ، مثل الدعوة
إلى "إقامة بيت قوميٍّ لشعب إسرائيل في أرض إسرائيل". ويعود المصطلحان المحوريَّان في هذه الصياغة –"شعب إسرائيل" و"أرض إسرائيل" – بأصولهما مباشرة إلى النصِّ التوراتيّ. وقد تمَّ تكريس استخدامهما لاحقًا في المحافل الدوليَّة، كما ظهر جليًّا في مؤتمر السلام الذي أعقب الحرب العالميَّة الأولى، حيث طُرح المطلب بإعادة "الأمَّة اليهوديَّة" إلى حدودها التاريخيَّة، واستعادة الأرض التي تمَّت الإشارة إليها في الوعد الإلهيِّ لبني إسرائيل قبل أربعة آلاف عام[21].

إذًا أصبحت المسألة السياسيَّة الصهيونيَّة متجذِّرة بالوعد الإلهيّ، أي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بسلطة الحقِّ الإلهيِّ الذي إذا ما ابتعدَت عنه، ابتعدت عن الحجَّة الأساسيَّة في بنائها الدولة اليهوديَّة، فبسقوط الحقِّ الإلهيّ، تسقط الشرعيَّة السياسيَّة، أو بمعنًى آخر بسقوط وعد إبراهيم، يسقط وعد بلفور.

إنَّ الارتباط بين السياسة الصهيونيَّة والدين يتمُّ من خلال تأكيد أهمِّيَّة الأرض، أرض الميعاد، المُستحقَّة من الوعد الإلهيّ، ما يعطي الحقَّ الشرعيَّ لأيِّ فرد يهوديّ، في أيِّ مكان في العالم، أن يعيش ضمن الدولة المقامة على أرض الوعد. فقانون العودة الإسرائيليُّ يركِّز على أنَّ غاية الدولة الإسرائيليَّة ومنطلقها هي دولة الشعب اليهوديّ. وهذا ما أيَّدته المحكمة الدستوريَّة العليا كقاعدة دستوريَّة حيث قالت: "ليست دولة إسرائيل دولة مستقلَّة ذات سيادة فحسب، بل أقيمت كدولة يهوديَّة على أرض إسرائيل، لأنَّ عمليَّة إقامتها تمَّت أوَّلًا وقبل كلِّ شيء بفعل حقِّ الشعب اليهوديِّ الطبيعيِّ التاريخيِّ أن يعيش مثل أيِّ شعب، مستقلًّا في دولته ذات السيادة"[22].

نلاحظ أنَّ الدولة هنا أصبحت دولة ذات سيادة مستقلَّة، تتَّخذ من الديانة اليهوديَّة جوهرًا لها، ما دعا المحكمة نفسها إلى النظر بهذا القرار لإقامة توافق ما بين الجوهر والديمقراطيَّة. لذا، ذهبت للفصل ما بين الجوهر اليهوديِّ الذي يعترف بهذه الأرض كعطيَّة الله للشعب، وبين النظام الحاكم فيها. كان لا بدَّ من الفصل ما بين الجوهر والنظام، حيث تقول: "جوهر الدولة هو أنَّها دولة يهوديَّة، نظام الحكم فيها نظام ديمقراطيّ"[23].

إنَّ الدولة الإسرائيليَّة لا تجعل الدين عائقًا أمام نظام الحكم، بل تتَّخذ منه جوهرًا لها. تعترف بأحقِّيَّة عودة اليهود إلى أرض الوعد، وتحقيق تطلُّعات الشعب لإحياء تاريخه القديم، وهذا ما يعمِّق الرابط الدينيَّ - المتمثِّل بوعد الله لإبراهيم - والتاريخيَّ السياسيَّ - المتمثِّل بوعد بلفور - ما بين شعب إسرائيل وأرض إسرائيل، وبين الدولة اليهوديَّة والشعب اليهوديّ.

ناهيك عن كون العودة إلى الأرض لها رؤية خلاصيَّة. يقول القاضي أهارون باراك[24]: إنَّ دولة إسرائيل هي تحقيق تطلُّعات الشعب اليهوديِّ منذ أجيال لتجديد تاريخه القديم - بداية الخلاص- وتحقيق الرؤية الصهيونيَّة" أي هناك تشريع من قبل باراك للرؤية الخلاصيَّة المسيحانيَّة الصهيونيَّة، ويؤكِّد أنَّ الرابط الصهيونيَّ هو في الواقع دينيٌّ سياسيّ، وأنَّه لا فرق لديه في الواقع ما بين التعابير "دولة يهوديَّة" أو "دولة صهيونيَّة" أو "دولة اليهود"[25].

هذه العبارات تعبّر عن فكرة مركزيّة، وهي أنّ المحكمة الدستوريّة العليا في إسرائيل لم تعد مجرّد مؤسّسة قضائيّة محايدة ضمن نظامٍ سياسيّ يفترض فيه الفصل بين الجوهر الدينيّ للنظام السياسيّ. بل تحوّلت، من خلال توجّهات أبرز قضاتها، إلى جهة ذات انحياز دينيّ مسبق. وبذلك، لم تعد تقوم بدور الحَكَم القانونيّ المحايد، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في ترجمة وفرض الأيديولوجيا الصهيونيَّة.

وينتج من ذلك أنَّ الفصل المفترض بين "الجوهر" أي الهويَّة اليهوديَّة للدولة، و"النظام" أي الإطار الديمقراطيِّ والقانونيّ، قد أصبح وهميًّا. فالنظام السياسيُّ يستمدُّ شرعيَّته الديمقراطيَّة والقانونيَّة من هذه المحكمة بالذات، التي تبنَّت بدورها منطقًا أيديولوجيًّا دينيًّا يجعل من "القيم اليهوديَّة" للدولة مرجعيَّة عليا. وهكذا، يصبح الإطار الديمقراطيُّ الشكليُّ خاضعًا لجوهر دينيّ-قوميٍّ وخادمًا لها، ما يفقد الفصل بينهما أيَّ معنًى حقيقيّ، ويحوِّله إلى مجرَّد واجهة شكليَّة.

يمكننا أن نفهم هذا من طرح أهرون باراك نفسه حين يقول: "علينا أن نذكر أنَّ المكانة المعياريَّة التي مُنحت لقِيم الدولة كيهوديَّة وديمقراطيَّة هي مكانة معياريَّة دستوريَّة فوق-قانونيَّة. وسوف يُلغى أيُّ تشريع عاديٍّ يمسُّ دستوريًّا بحقٍّ من حقوق الإنسان حتَّى لو كان هدفه مقبولًا، وحتَّى لو لم يتجاوز المدى المطلوب، إذا لم يتلاءم مع قيم دولة إسرائيل كدولة يهوديَّة وديمقراطيَّة[26]".

تُختتم رحلة تطوُّر الحركة الصهيونيَّة بتعريفها الحاسم كحركة سياسيَّة تمكَّنت من توظيف المقدَّس الدينيِّ لخدمة مشروعها القوميّ، وتأسيس دولةٍ تمارس هذا التوظيف في كيانها القانونيّ. فالصهيونيَّة، التي ولدت من رحم فكر علمانيٍّ يبحث عن حلٍّ "دنيويّ" للمسألة اليهوديَّة، لم تستغنِ أبدًا عن الرصيد الرمزيِّ الهائل الذي وفَّره لها الدين اليهوديّ، من اللغة والأرض والتاريخ إلى الوعد الإلهيّ. ولم يكن هذا التوظيف شكليًّا فحسب، بل كان جوهريًّا، حيث تحوَّلت الرموز الدينيَّة إلى عناصر مكوِّنة للهويَّة الوطنيَّة الجديدة، وللمشروعيَّة السياسيَّة في المحافل الدوليَّة، كما ظهر في صيغة "وعد بلفور" ومؤتمر السلام بعد الحرب العالميَّة الأولى.

بيد أنَّ ذروة هذا التطوُّر وأكثر تجلِّياته تعقيدًا تظهر في مرحلة ما بعد قيام الدولة، حيث لم يعد التداخل بين الدينيِّ والسياسيِّ مقتصرًا على مستوى الخطاب والشعارات، بل أصبح بنية مؤسَّسيَّة قائمة. فتحوُّل "الجوهر اليهوديِّ" من مجرَّد هويَّة ثقافيَّة أو دينيَّة إلى مجموعة بشريَّة، إلى معيار دستوريٍّ في دولة إسرائيل، يعلو على التشريع العاديِّ ويقيِّد العمليَّة الديمقراطيَّة ذاتها. وكما يوضح منطق رئيس المحكمة العليا الأسبق أهرون باراك، فإنَّ قيم الدولة كـ "دولة يهوديَّة وديمقراطيَّة” أصبحت مرجعيَّة فوق-قانونيَّة تُستخدم لقياس شرعيَّة القوانين وحقوق الإنسان. وبذلك، فإنَّ المؤسَّسة التي يفترض أنَّها حارسة للحياد القانونيِّ والنظام الديمقراطيّ – وهي المحكمة العليا – أصبحت فاعلًا مؤسَّسيًّا في إعادة إنتاج المنطق الأيديولوجيِّ للصهيونيَّة السياسيَّة داخل البنية القانونيَّة للدولة، عبر تأويل معياريٍّ يجعل "يهوديَّة الدولة" إطارًا مرجعيًّا أعلى لحقوق الإنسان والتشريع. فالفصل الذي دعت إليه الصهيونيَّة العلمانيَّة المبكِّرة بين "الدين" و"الدولة" تبيَّن أنَّه انهيار شكليّ، إذ بات النظام السياسيُّ والقانونيُّ برمَّته خاضعًا لمنطق "الجوهر" الدينيِّ-القوميِّ الذي تمَّت صياغته.

وهكذا، تُختتم مسيرة الصهيونيَّة بتقديم نموذج فريد لحركة قوميَّة استعارت قدسيَّة الدين لبناء مشروعيَّتها، ثمَّ عملت على حبس هذا الدين في إطار هويَّتها القوميَّة، محوِّلة إيَّاه من نظام عقائديٍّ مُستقلٍّ إلى مخزون رمزيٍّ وأداة دستوريَّة في خدمة أمن الدولة القوميَّة، التي أسَّستها، واستمراريَّتها.


أخيرًا: سيادة المقدَّس ومأزق العدالة


يقدِّم لنا مسارا مفهومَي "الحاكميَّة" في الفكر الإسلاميِّ "والصهيونيَّة" في الفكر اليهوديِّ نموذجَين متقاربَين بشكل لافت في جوهرهما، رغم اختلاف السياقات التاريخيَّة والنتائج المادِّيَّة. فكلاهما وُلد كردِّ فعل على أزمة وجوديَّة وتهميش تاريخيّ، وكلاهما سعى إلى استعادة كرامة جماعة دينيَّة عبر مشروع سياسيٍّ يستمدُّ شرعيَّته العليا من نصٍّ مقدَّس. فكما نادى المودودي وقطب بـ "حاكميَّة الله" كأساس وحيد لنظام سياسيٍّ عادل، قامت الصهيونيَّة على فكرة "الوعد الإلهيّ" بفلسطين كأساس لحقٍّ تاريخيٍّ لا يسقط بالتقادم. وكلاهما وظَّف الرموز الدينيَّة (شعب إسرائيل/أرض الميعاد، حكم الله/الجاهليَّة) وحوَّلها إلى ركائز لأيديولوجيا قوميَّة سياسيَّة، ما أفرز دولتَين – نظريًّا وعمليًّا – تزعمان استمداد مشروعيَّتهما من تأويل النصِّ الدينيِّ وتأطيره داخل مشروع سياسيّ، وتعتبران أنَّ القوميَّة والدين مصطلحان متلازمان لا ينفصلان.

غير أنَّ الفارق المصيريَّ بينهما يكمن في النجاح العمليّ. فبينما ظلَّ مفهوم "الحاكميَّة" في العالم الإسلاميِّ إطارًا نظريًّا أو تجربة لم تتحقَّق مادِّيًّا -كما في محاولة تنظيم الدولة الإسلاميَّة "داعش" - نجحت الصهيونيَّة – المدعومة بظروف إقليميَّة ودوليَّة فريدة – في تحويل فكرتها إلى دولة قائمة لا يعترف بشرعيَّتها الجميع، لكن لا يمكن إنكار وجودها الفعليِّ وقوَّتها. وهذا النجاح المادِّيُّ نفسه يطرح سؤالًا خلقيًّا وسياسيًّا محرجًا:

لماذا نُضفي صفة "الإرهابيَّة" على تطبيق واحد بينما يُتعامل مع الآخر كدولة ذات سيادة، رغم تشابه العديد من الممارسات القائمة على التمييز الدينيِّ والاحتلال والإقصاء؟

الإجابة تكمن جزئيًّا في معضلة البنية الداخليَّة لكلا النموذجَين. فالدولة التي تقوم لـ "يهود العالم" أو "لمسلِمي العالم" تنفي عن نفسها السمة المدنيَّة، التي هي حجر الزاوية في الدولة الديمقراطيَّة الحديثة. فالديمقراطيَّة الحقيقيَّة تقتضي تحييد الدين معيارًا للانتماء السياسيّ، واعتبار "المواطنة" والمساواة المطلقة بين الحاملين لها هي الآليَّة الوحيدة الناظمة للحقوق والواجبات. وهنا تكمن المفارقة العميقة: إنَّ البناء الديمقراطيَّ لدولة ذات انتماء دينيٍّ مسبق هو "ديمقراطيٌّ وغير ديمقراطيٍّ في آنٍ واحد". فهو يحوي الشكل الخارجيَّ للديمقراطيَّة - انتخابات، أحزاب، تداول سلميٌّ للسلطة -، لكنَّه ينقض جوهرها من الداخل عبر مبدأ "عدم المساواة" الجوهريِّ الذي يفرِّق بين المواطنين على أساس الدين أو العرق، ويربط الحقوق الكاملة بانتماء دينيٍّ محدَّد. هذا الاختلاط المعيق بين الدين والدولة يحوِّل الأقلِّيَّة غير المنتمية إلى ذلك الدين القوميِّ إلى رعايا من الدرجة الثانية، ويجعل من الديمقراطيَّة أداة للأغلبيَّة لترسيخ هيمنتها بدلًا من أن تكون نظامًا لحماية الجميع.

وبالتالي، فإنَّ تقييم هذَين النموذجَين "الدولة اليهوديَّة" و"دولة الحاكميَّة الإسلاميَّة" يجب ألَّا يرتكز على ازدواجيَّة المعايير السياسيَّة، بل على اختبار مبدئهما الأخلاقيِّ والعقليِّ المشترك. فكلاهما يمثِّل محاولة لإقامة "ديمقراطيَّة عضويَّة" تقيِّدها هويَّة مغلقة، وتُقدِّم ولاءً مزدوجًا للدولة وللأمَّة الدينيَّة التي تتجاوز حدودها. الخاتمة الحقيقيَّة هي أنَّ أيَّ مشروع دولة في القرن الحادي والعشرين، إذا أراد أن يكون عادلًا ومستقرًّا، لا يمكنه أن يبني نفسه على فكرة "شعب مختار" أو "أمَّة حاكمة بمفردها"، مهما كانت المبرِّرات التاريخيَّة أو الدينيَّة. مستقبل المصلحة المشتركة بين الأفراد يكمن في الانتقال من دولة تقوم على "دين قوميٍّ" أو "قوميَّة دينيَّة"، إلى دولة تقوم على "مواطنة مشتركة" تكون فيها السلطة العليا للعدل والإرادة العامَّة لجميع السكَّان على أرضها، بغضِّ النظر عن دينهم أو أصلهم. فهذا هو التحدِّي المشترك الذي يواجهه لا الشرق الأوسط وحده، بل كلُّ مجتمع يتطلَّع إلى مصالحة حقيقيَّة بين الهويَّة والعدالة.



[1]   رفاعة الطهطاوي: من أركان النهضة العلميَّة الحديثة في مصر. تعلَّم في الأزهر وفي فرنسا على كبار المستشرقين. يُعتبر من روّاد الصّحافة العربيّة الأوائل. حرّر جريدة "الوقائع المصريّة 1842". عرّب كتباً علمية كثيرة في الجغرافية والقانون والهندسة وغيرها. منها "مبادئ الهندسة"، و"جغرافيَّة ملطبرون"، وله "خلاصة الإبريز" في وصف رحلته إلى فرنسا. (مجموعة من المحرِّرين، المنجد في اللغة والأعلام، ط.2 (بيروت: دار المشرق، ، 1994)، 358.

[2]   عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلاميِّ المعاصر، ط.2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 2004)، 269.

[3]   الشيخ محمَّد عبده: سياسيٌّ مصريٌّ. من علماء المسلمين الداعين إلى التجديد والإصلاح. تلميذ الأزهر. حرَّر جريدة "الوقائع المصريَّة". ناوأ الإنكليز فنفي. أصدر في باريس مع جمال الدين الأفغانيّ جريدة "العروة الوثقى" ثمَّ عاد إلى بيروت فاشتغل بالتدريس والتأليف. مفتي الديار المصريَّة 1899. من مؤلَّفاته "رسالة التوحيد"، [...]، "شرح نهج البلاغة". (مجموعة من المحرِّرين، المصدر السابق، 369).

[4]   بلقزيز، المرجع السابق، 174.

[5] محمَّد رشيد رضا: مصلح دينيٌّ مسلم. من مواليد القلمون بشمال لبنان. تأثَّر بتعاليم جمال الدين الأفغانيّ ومبادئه. أصدر مجلَّة "المنار". قضى شطرًا كبيرًا من حياته في مص، حيث تتلمذ على الشيخ محمَّد عبده وعمل على نشر أفكاره الإصلاحيَّة. ( منير بعلبكي، معجم أعلام المورد، ط.1 (بيروت: دار العلم للملايين، 1992)، 206).

[6]   وليم سيدهم، لاهوت التحرير الفلسطينيّ. من وعد إبراهيم إلى وعد بلفور، ط.1 (القاهرة: مؤسَّسة مجاز الثقافيَّة، 2019)، 18.

[7]   عيسى دياب، الأرض في الكتاب المقدَّس. بين الاستغلال الصهيونيِّ والقراءة اللاهوتيَّة، ط.1 (بيروت: دار المشرق، 2023)، 212.

[8]   دياب، المرجع نفسه، 213.

[9]   أبو الأعلى المودودي: مفكِّر إسلاميٌّ وعالِم دين باكستانيٌّ هنديُّ المولد، يُعَدُّ أحد أبرز منظِّري الفكر الإسلاميِّ السياسيِّ في القرن العشرين. أسَّس الجماعة الإسلاميَّة في شبه القارَّة الهنديَّة في العام 1941، ودعا إلى إقامة "الدولة الإسلاميَّة" التي تُطبِّق الشريعة. ترك كتابات واسعة في تفسير القرآن والفكر السياسيِّ الإسلاميّ، وأثَّرت أفكاره في حركات إسلاميَّة حول العالم. (مجموعة مصادر).

[10] بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلاميّ المعاصر، الفصل العاشر/الفصل الحادي عشر.

[11] سيِّد قطب: أديب مصريٌّ وكاتب إسلاميٌّ. شاعر وناقد. من أنصار الأخوان المسلمين. أعدم. من آثاره "في ظلال القرآن"، "كتب وشخصيَّات" نقد أدبيّ. (مجموعة من المحرِّرين، المنجد في اللغة والأعلام، 440).

[12] بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلاميِّ المعاصر، الفصل العاشر/الفصل الحادي عشر.

[13] بلقزيز، المرجع نفسه.

[14] ناجي علُّوش، الأساطير والوقائع. الصهيونيَّة والأمَّة العربيَّة، ط.1 (عمَّان: دار الشروق، 1988)، 90.

[15]  ثيودور هرتزل: كاتب نمساويّ يهوديّ. هنغاريُّ المولد. مؤسِّس الحركة الصهيونيَّة. أصدر عام 1896 كرَّاسًا بعنوان "الدولة اليهوديَّة" دعا فيه إلى خلق دولة يهوديَّة [...] ، ومن ثمَّ نظَّم المؤتمر الصهيونيّ الأوّل الذي انعقد في بازل بسويسرا العام 1897. (بعلبكي، معجم أعلام المورد، 472).

[16] علُّوش، المرجع السابق، 90.

[17] علُّوش، المرجع السابق، 91.

[18] عزمي بشارة، من يهوديَّة الدولة حتَّى شارون. دراسة في تناقض الديمقراطيَّة الإسرائيليَّة، ط.1 (القاهرة: دار الشروق، 2005)، 45-46.

[19] بشارة، المرجع نفسه، 45-46.

[20] بشارة، المرجع نفسه، 46.

[21] بشارة، المرجع نفسه، 30.

[22] بشارة، المرجع نفسه، 36.

[23] بشارة، المرجع نفسه، 36.

[24] أهارون باراك (1936): قاضٍ إسرائيليٌّ شغل منصب رئيس المحكمة العليا في إسرائيل بين العامين 1995 و2006. يُعدُّ أحد أكثر الشخصيَّات تأثيرًا في النظام القانونيِّ الإسرائيليّ. وعُرِف بتبنِّيه نهجًا قضائيًّا نشطًا وتوسيعيًّا لصلاحيَّات المحكمة، حيث دافع عن فحص المحكمة العليا لقوانين الكنيسة ومراقبتها لأفعال الحكومة استنادًا إلى مبادئ "الدولة اليهوديَّة والديمقراطيَّة". (مجموعة مصادر).

[25] بشارة، المرجع السابق، 36.

[26] بشارة، المرجع السابق، 47.



الأخ جوليان زكَّا الراسي اليسوعيّ: مجاز في الفلسفة والحضارة العربيَّة من جامعة القدِّيس يوسف ببيروت، ويعمل حاليًّا في مجال التنشئة والتكوين في مدينة حلب.

    [email protected]





 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق