اختلالُ العلاقة بالحقيقة في المؤسَّسات اللبنانيَّة
"يعني التفكير المزدوج القدرةَ على الاحتفاظ في الذهن، في آنٍ واحد، بقناعتَين متناقضتَين، وقبولهما كلتيهما... إنَّه أن تعرف وألَّا تعرف، وأن تكون واعيًا لحقيقة كاملة، في حين تقول أكاذيبَ مصاغة بعناية، وأن تتمسَّك، في الوقت نفسه، برأيَين يُلغي أحدُهُما الآخر"
(جورج أورويل، 1984)
مقدِّمة
يشغل مفهوم "التفكير المزدوِج" (doublethink) مكانة محوريَّة في رواية جورج أورويل "1984"، وهو لا يعني مجرَّد الكذب أو النفاق أو إخفاء الحقيقة، بل قدرة الإنسان على الاحتفاظ، في وعيه، بإدراكٍ لحقيقةٍ ما، وباعتقادٍ يناقضها، والتعامل معهما كما لو أنَّ التناقض بينهما قد زال. ومن ثمَّ، تكمن خصوصيَّة هذا التفكير في أنَّه لا يكتفي بتحريف الحقيقة، بل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بها، بحيث يصبح قادرًا على معرفة أمرٍ ما، والعمل وفق نقيضه من دون أن يتحوَّل التناقض، بالضرورة، إلى حكم أخلاقيٍّ أو موقف نقديّ.
غير أنَّ هذا المفهوم، وإن كان أورويل قد صاغه في سياق نظام شموليٍّ يفرض على الفرد حقيقةً تصنعها السلطة، يمكن استعماله، مع التحفُّظ، لفهم ظواهر أوسع. ولا نعني بذلك أنَّ كلَّ تناقض بين المبدأ والممارسة هو تفكير مزدوِج؛ فقد يتصرَّف الإنسان خلاف قناعته بسبب الخوف أو المصلحة أو الانتهازيَّة، وهو مدرك تمامًا أنَّه يخالف ما يؤمن به. أمَّا التفكير المزدوج، بالمعنى الذي يعنينا هنا، فيظهر عندما يفقد التناقض نفسُه قوَّتَه الإلزاميَّة، فيصبح المرء قادرًا على تطبيق معيارَين متعارضَين، والقبول بكلَيهما تبعًا للسياق، من دون أن يعود هذا التعارض سببًا كافيًا لمراجعة الموقف أو السلوك.
ومن هذا المنطلق، لا يهدف استعمال مفهوم التفكير المزدوِج في قراءة الواقع اللبنانيِّ إلى إسقاط عالم "1984" على لبنان، فالاختلاف عميق بين نظام شموليٍّ أحاديٍّ ومجتمع تعدُّديّ تتقاطع فيه جماعات ومصالح وسلطات مختلفة، إنَّما تكمن فائدة المفهوم في السؤال الذي يطرحه، ألا وهو: كيف يمكن المؤسَّسات أن تعلن مبادئ محدَّدة، وأن تعمل بصورة مستدامة وفق معاييرَ تناقضُها، وأن يتمكَّن العاملون فيها والمتعاملون معها من التكيُّف مع هذا التناقض إلى حدِّ اعتباره جزءًا طبيعيًّا من سير الأمور؟
أوَّلًا - مأزق الواقع اللبنانيّ
تفرض الأوضاع الاستثنائيَّة التي يمرُّ بها لبنان، ومن بينها الوضع في الجنوب والمفاوضات التي ترافقه مع إسرائيل، في وقت لم تتعافَ فيه البلاد بعد من أزمتها الماليَّة، اهتمام السلطات وتركيزها على إدارة المخاطر الآنيَّة. ولا غرابة في أن تفرض الأزمات المتلاحقة مثلَ هذا النمط من العمل. غير أنَّ البراغماتيَّة، حين تنفصل عن معالجة أسباب الأزمة البنيويَّة، تتحوَّل تدريجيًّا من وسيلة ضروريَّة لإدارة الطوارئ إلى أسلوب دائم في إدارة النظام نفسه.
وبالتالي، لا يكفي البحث المستمرُّ عن توازنات مؤقَّتة تسمح باجتياز الأزمة الراهنة، بل يصبح من الضروريِّ العودة إلى الآليَّات التي تجعل الأزمات قابلةً للتكرار. فالأزمات التي عرفها لبنان منذ تأسيس الدولة لا يمكن النظر إليها دائمًا باعتبارها أحداثًا منفصلة لا رابط بينها، إذ يكشف تكرارها عن اختلالات بنيويَّة تتجاوز أسباب كلِّ أزمة بمفردها.
ولا شكَّ في أنَّ دراسات كثيرة تناولت آليَّات عمل النظام الطائفيِّ اللبنانيّ، وما يرتبط بها من مصالح وزبائنيَّة وشعورٍ بالخوف من الآخر وتبعيَّة للزعامات السياسيَّة والطائفيَّة. ولا نسعى في هذه المقالة إلى استبدال تلك التفسيرات بمفهوم واحدٍ شامل، بل نسعى إلى إضافة زاوية أخرى إليها. فالفرضيَّة التي نقترحها هي أنَّ اختلال العلاقة بالحقيقة يشكِّل إحدى الآليَّات التي تساعد على استمرار نظامٍ يعرف القائمون عليه، في أحيان كثيرة، مقدار التناقض بين ما يُعلَن عنه وما يُمارَس فيه، من دون أن يؤدِّي هذا الإدراك بالضرورة إلى تغييره.
وبهذا المعنى، لا يكون التفكير المزدوِج أصلَ النظام الطائفيّ، ولا تفسيرًا لجميع مظاهره، بل آليَّة تساعد على فهم كيف يستطيع الأفراد والمؤسَّسات التعايش طويلًا مع فجوةٍ مستدامة بين المبادئ المعلَنة والقواعد الفعليَّة التي تحكم السلوك.
ثانيًا - من التناقض الفرديِّ إلى الآليَّة المؤسَّسيَّة
لا يصبح التناقض بين المبدأ والممارسة ظاهرة مؤسَّسيَّة لمجرَّد أن يقوم به بعض الأفراد. فالانتقال من السلوك الفرديِّ إلى بنية مؤسَّسيَّة يحصل عندما يتحوَّل التناقض إلى جزءٍ من نظام الحوافز والعقوبات والقواعد غير المكتوبة التي تنظِّم العمل.
فالمؤسَّسة قد تعلِن، مثلًا، أنَّ التوظيف أو الترقية أو توزيع الموارد يخضع لمعايير الكفاية والجدارة والقانون، في حين يتعلَّم العاملون فيها، من خلال الممارسة، أنَّ ثمَّة معايير أخرى غير مكتوبة، مثل الولاء السياسيِّ أو الانتماء الطائفيِّ أو صلات الزبائنيَّة، تؤثِّر فعليًّا في النتائج. وعندما يلاحظ الأفراد أنَّ احترام المعايير المعلَنة وحدها لا يكفي، وأنَّ مخالفة القواعد غير المكتوبة قد تكلِّفهم الوظيفة أو الترقية أو الحماية أو القدرة على إنجاز معاملاتهم، يصبح التكيُّف مع التناقض سلوكًا مفهومًا من وجهة نظر المصلحة الفرديَّة.
غير أنَّ التكرار يحوِّل هذا التكيُّف تدريجيًّا إلى قاعدة. فالفرد الذي يتعلَّم أن يتحدَّث بلغة القانون في حين أنَّه يتصرَّف وفق مقتضيات الزبائنيَّة، لا يبقى مجرَّد ضحيَّة للمؤسَّسة، بل يصبح، ولو بدرجاتٍ متفاوتة، مساهِمًا في إعادة إنتاجها. وكلَّما كوفئ هذا التكيُّف واستمرَّ من دون مساءلة، بات التناقض بين القاعدة المعلَنة والممارسة الفعليَّة أقلَّ إثارة للاعتراض. وفي هذه الحالة تبرز علاقة دائريَّة بين الفرد والمؤسَّسة: فالبنية المؤسَّسيَّة تُنتج شروط التكيُّف مع التناقض، والأفراد المتكيِّفون معه يعيدون، من خلال سلوكهم اليوميّ، تثبيت تلك البنية. لذلك، لا يستمرُّ النظام بالرغم من هذه الفجوة بين المبدأ والممارسة فحسب، بل يمكن أن يستمرَّ جزئيًّا بفضل قدرة العاملين فيه على التعامل معها كما لو أنَّها أمر عاديّ.
ومن هذا المنظور، يمكن الحديث عن شكل مؤسَّسيٍّ من التفكير المزدوِج حين لا يعود السؤال: "لماذا نخالف القاعدة التي نعلنها؟"، بل تصبح المخالفة نفسها جزءًا من القاعدة غير المعلَنة، فيما يستمرُّ الخطاب الرسميُّ في تقديم الصورة المعاكسة.
ثالثًا - أربعة تجلِّيات لاختلال العلاقة بالحقيقة
أ. دولة القانون والمحاصصة
يظهر التناقض الأوَّل في الفجوة بين الخطاب المستمرِّ عن دولة القانون وبين ممارسات المحاصصة الطائفيَّة والزعاماتيَّة. فالقانون يُقدَّم بوصفه المرجع المجرَّد الذي ينطبق على المواطنين بالتساوي، في حين تتأثَّر قرارات كثيرة بعلاقات النفوذ والانتماء الطائفيِّ والولاء للزعامة.
ولا تكمن المشكلة هنا في مجرَّد خرق القانون، فهذا يحدث في أنظمة كثيرة، بل في استمرار الخطاب القانونيِّ بالتوازي مع ممارساتٍ تصبح مقبولة أو مبرَّرة متى جرى تقديمها، باعتبارها ضرورة لحماية التوازن الطائفيِّ أو حقوق الجماعة أو الاستقرار السياسيّ. وعندئذٍ، يمكن أن يصبح المبدأ الواحد ملزِمًا في حالة، وقابلًا للتعليق في حالةٍ أخرى، من دون الاعتراف دائمًا بأنَّ ذلك يمثِّل تناقضًا في معيار الحكم نفسه.
ب. التسوية وإدارة الأزمة
يظهر البعد الثاني في التعامل مع التسوية السياسيَّة. فالتسوية ليست في ذاتها نقيضًا للحقيقة أو القانون، بل تشكِّل عنصرًا أساسيًّا من عناصر الحياة السياسيَّة، ولا سيَّما في المجتمعات التعدُّديّة. غير أنَّ المشكلة تبدأ عندما تُقدَّم التسوية المؤقَّتة على أنَّها حلٌّ دائم لمشكلةٍ لم تُعالج أسبابها. وفي هذه الحال، يكون الفاعلون مدركين أنَّ المشكلة لا تزال قائمة، لكنَّ الخطاب السياسيَّ يتعامل معها كما لو أنَّها قد حُلَّت. ومع تكرار هذا النمط، يتحوَّل تأجيل الأزمة إلى صورة من صور معالجتها، وتصبح القدرة على إبقاء النظام قائمًا معيارًا للنجاح، ولو ظلَّت الأسباب التي أنتجت الأزمة على حالها. وبالتالي، ينشأ انفصال بين معرفة هشاشة التسوية وبين تقديمها باعتبارها وضعًا مستقِرًّا. ومن ثمَّ، تعود المشكلة في صيغة جديدة، فيبدأ البحث عن تسوية ثانية من دون مراجعة حقيقيَّة للآليَّة التي أدَّت إلى فشل السابقة.
ج. الذاكرة والنسيان
يتجلَّى البعد الثالث في العلاقة الانتقائيَّة بالذاكرة السياسيَّة والجماعيَّة. فالذاكرة في لبنان حاضرة بقوَّة في خطاب الطوائف، لكنَّ حضورها لا يعني بالضرورة تحوُّلها إلى أساسٍ للمحاسبة أو إلى تعلُّم سياسيٍّ مشترك.
وقد يُستدعى الماضي لتأكيد مظلوميَّة طائفة أو لتبرير خوفها أو حماية موقعها، في حين تُهمَّش عناصر أخرى من الذاكرة عندما يصبح استحضارها مصدرًا للمساءلة أو لإعادة النظر في مسؤوليَّات الحاضر. لذا، لا يكون النسيان غيابًا بسيطًا للذاكرة، بل قد يتحوَّل إلى استعمال انتقائيٍّ لها: نتذكَّر ما يعزِّز الرواية التي نحتاج إليها، ونتجاهل ما يضع هذه الرواية موضع مساءلة. وفي مثل هذه الحالة، لا تعود الذاكرة وسيلةً لفهم الواقع بقدر ما تصبح جزءًا من التفاوض على الحاضر.
د. غياب المحاسبة وتحويل الحقيقة إلى موضوع ِتفاوض
يتجلَّى البعد الرابع في الصعوبة المزمنة في تحديد المسؤوليَّة عن الأحداث الكبرى. فعندما تقع كارثة أو أزمة جسيمة، كما في انهيار النظام المصرفيِّ أو انفجار مرفأ بيروت، لا ينحصر السؤال في معرفة ما حدث، بل ينتقل سريعًا إلى سؤال آخر: ما الذي يترتَّب سياسيًّا على الاعتراف بهذه الحقيقة أو بتلك المسؤوليَّة؟ وهنا تظهر إحدى أخطر صور اختلال العلاقة بالحقيقة. فالعيش معًا والسلم الأهليُّ قيمتان أساسيَّتان لا يمكن الاستهانة بهما في مجتمع تعدُّديّ، لكنَّ المشكلة تنشأ عندما تتحوَّل المحافظة عليهما من غاية سياسيَّة مشروعة إلى معيارٍ للحكم على الحقيقة نفسها.
فعندما لا يعودُ السؤال الأساسيُّ: "هل هذه الواقعة صحيحة؟ ومَن المسؤول عنها؟"، بل: "هل سيؤدِّي الاعتراف بها إلى زعزعة التوازن القائم؟"، تنتقل الحقيقة من مجال المعرفة والمحاسبة إلى مجال التفاوض السياسيّ. وعندئذٍ، يمكن أن يُرفض التحقيق أو تُخفَّف نتائجه أو تُعاد صياغة الوقائع، لا لأنَّها غير صحيحة، بل لأنَّ الاعتراف بها يُعدُّ مكلِفًا سياسيًّا أو طائفيًّا. وهذا لا يعني أنَّ كلَّ دعوة إلى حماية السلم الأهليِّ محاولة لإخفاء الحقيقة، بل يعني أنَّ السلم الأهليَّ يفقد معناه حين يُستخدم لتعليق السؤال عن الحقيقة والمسؤوليَّة. فالعيش معًا لا يمكن أن يكون نقيضًا للحقيقة، بل يفترض، على المدى الطويل، قدرة الطوائف على مواجهة الحقيقة من دون تحويلها تلقائيًّا إلى تهديد لوجودها.
خلاصة
لا تعكس المؤسَّسات اللبنانيَّة ثقافة سياسيَّة واجتماعيَّة قائمة فحسب، بل تسهم أيضًا في إعادة إنتاجها. فمن المدرسة إلى الإدارات العامَّة وسائر المؤسَّسات، يتعلَّم الفرد أن يعيش في إطار مسافتَين متوازيتَين: لغة معلنة تمجِّد المساواة والجدارة ودولة القانون، وقواعد عمليَّة تحكمها المحاصصة الطائفيَّة والولاءات الزعاماتيَّة وشبكات النفوذ.
ولا يتحوَّل هذا التناقض بالضرورة إلى تفكيرٍ مزدوج منذ اللحظة الأولى. لكنَّه يقترب منه حين يفقد التناقض نفسه قدرته على إثارة السؤال الأخلاقيِّ والنقديّ، وحين يصبح الانتقال بين معيارَين متعارضَين أمرًا عاديًّا تبرِّره المصلحة أو حماية الجماعة أو المحافظة على التوازن. وعندئذٍ، لا يكون الخطر في الكذب وحده، بل في أن يصبح الإنسان قادرًا على معرفة الخلل والتكيُّف معه في الوقت نفسه، وعلى الدفاع عن المبادئ في مستوى الخطاب، وتعليقها في مستوى الممارسة، من دون أن يشعر بأنَّ هذا الانقسام يستدعي مراجعة جدِّيَّة.
لذا، لا يكفي الإصلاح المؤسَّسيُّ أن يغيِّر النصوص والقوانين، وإن كان ذلك ضروريًّا. بل يحتاج أيضًا إلى إعادة وصل الحقيقة بالمسؤوليَّة، بحيث لا يعود الانتماء الجماعيُّ أو ضرورات التسوية أو الخوف من الاختلال السياسيِّ مبرِّرًا لتعليق الحكم القانونيِّ والخُلقيّ.
فالمشكلة الأعمق ليست في أن يعرف الناس حقيقة النظام الذي يعيشون فيه، بل أن تفقد هذه المعرفة قدرتها على تغيير أحكامهم وسلوكهم. وحين يحدث ذلك، يصبح اختلال العلاقة بالحقيقة نفسُه أحد الشروط التي تسمح للنظام القائم بإعادة إنتاج ذاته.
الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ: أستاذ جامعيّ.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق