article_cover_image

بشَّر صعب بالعلمانيَّة الليِّنة التي لا تلغي الدين بل تحرِّره من الاستغلال السياسيّ.

author_article_image

الأب سبيرو كبَّاش

كيف سيكون العالم بعد رحيل أديب صعب فيلسوفِ الوحدة في التنوُّع؟

 

لا ريب في أنَّ رحيل شيخ فلسفة الدين الجليل، والشاعر المرهف الأصيل، الدكتور أديب صعب، يُحدث صَدعًا في الدائرة الثقافيَّة، ويترك فراغًا شبيهًا بالصدمة الوجوديَّة، لا سيَّما إذا كان هذا الفيلسوف قد كرَّس جُلَّ حياته لبناء جسورٍ بين العقل والإيمان، وبين الأديان والثقافات، وبين الفلسفة والحياة.

وإن كان هذا الفيلسوف قد غادر عالمنا المظلم إلى أحضان أبي الأنوار، فإنَّ سؤال المستقبل يفرض نفسه بإلحاح، كيف سيكون العالم بعد أديب صعب؟ وكيف يمكن رؤيته الفلسفيَّة أن تستمرَّ في تشكيل الوعي الجمعيّ، وتوجيه مسارات التفكُّر الحرّ، وإعادة بناء العلاقات بين البشر على أساس "الوحدة في التنوُّع"؟

من الثابت أنَّ العالم، بعد صعب، لن يكون عالـمًا خاليًا من السؤال، ولربَّما سيكون عالـمًا مسكونًا باستفسارات أشدَّ جرأة، وإشكاليَّات أعمق. فقد علَّمنا صعب أنَّ الفلسفة لا توجد من العدم، ولا تنشأ في أبراجٍ عاجيَّة معزولة، بل تنبثق "من أسئلة الناس وهمومهم وتصنَع لهم". وهذه الأسئلة لن تموت برحيله؛ بل ستتعقَّد وتتعاظم، إزاء الهموم والنُصب المستمرَّة التي تكابدها المجتمعات البشريَّة، خصوصًا في عصر الذكاء الاصطناعيّ، والعولمة المتوحِّشة، وتفتُّت الهُويَّات، والحروب التي لا تعرف كيف تحطُّ أوزارها. فالعالم، بعد صعب، سيضطرُّ – واعيًا أو غير واعٍ – إلى مواجهة الإشكاليَّات التي وضعها على طاولة البحث: كيف نفهم الدين من دون إلغاءٍ أو تفاضل؟ كيف نعلِّم الدين في المدرسة العامَّة لنحرِّر العقول لا لنغلقها؟ كيف نميِّز بين جوهر الدين وقشوره، وبين "الدين الخارجيِّ الشكليِّ" و"الدين الداخليِّ الجوهريّ"؟ إنَّ العالم بعد صعب سيكون، في أفضل أحواله، إن استطاع أن يتفكَّر على نحوٍ صادقٍ أمين بهذا النوع من الأسئلة الجوهريَّة، وإن تجرَّأ بنضجٍ وانفتاح على الإصغاء العميق لأصوات الإجابات المتنوِّعة واقتبالها من دون خوفٍ من الاختلاف. 

ولعلَّ أعظم ما قدَّمه صعب هو تفكيك الثنائيَّات المضلِّلة التي تفصل بين العقل والإيمان، وتجعل الفلسفة في وادٍ والدين في وادٍ آخر. فالعالم بعد صعب – إن اكتملت لديه الأُذن النبيهة – سيدرك أنَّ الفلسفة لا تناهِض الدين أبدًا، بل تُنقِّيه من أدران الجمود والتعصُّب والغلوّ، وسيعلم أنَّ الدين بدوره، لا يعطِّل العقل، بل يفتح له آفاق المطلق، ويمنحه المزيد من الغاية والقيمة. هذه المقولة البليغة الخالدة – "لا دينَ بلا فلسفةٍ ولا فلسفةَ بلا دينٍ" – ستتحوَّل، من بعده، إلى مبدأ معياريٍّ في أيِّ نقاش جادٍّ عن العلاقة بين الحقلَين، وستحرِّر الكثيرين من أوهامٍ زائفة تُهيِّئ أنَّ الاختيار محصورٌ بين موقفَي التطرُّف الدينيِّ والإلحاد العلمويّ.

ومع ذلك، فإنَّ العالم ربَّما سيُعيد الاعتبار للمنهج الفينومينولوجيِّ في دراسة الأديان، ويؤسِّس لما يمكن أن نسمِّيه "فسارة التسامح". لقد نبَّهنا صعب إلى أنَّ دراسة الأديان لا تكون علميَّة إلَّا إذا انطلقت من "ما يقوله أهل الدين عن أنفسهم"، لا من أحكام مسبقة أو نوايا إلغائيَّة. والمنهج الفينومينولوجيُّ الذي طبَّقه على الأديان الحيَّة أظهر أنَّ ثمَّة خمسة عناصر تشترك فيها جميع الأديان، أعني بها الاعتراف بحقيقة مطلقة وراء الظاهر (الأُلوهة)، والوسائل التعبيريَّة الرمزيَّة (الشعائر والطقوس)، والأخلاق الفاضلة، والاقتداء بمؤسِّس الدين، وسيرة الأولياء والقدِّيسين. هذه العناصر المشتركة تُشير إلى وحدةٍ دينيَّة مُعيَّنة هي ما دعاه جوهرَ الدين. وأيقن أنَّ الإقرار بهذه الوحدة الجوهريَّة أو الوظيفيَّة خطوة بالغة الأهمِّيَّة في فهم الدين ودراسته، خصوصًا لأنَّ هذه العناصر المشتركة، تدلُّ على تنوُّع دينيٍّ أو تعدُّد تُعبِّر عنه الأديان المختلفة كلٌّ على طريقته.

بيد أنَّ هذا التنوُّع الحاصل لا يُلغي، في اعتقاد صعب، وحدة الجوهر ولا يناقضها، بل هو تنوُّع ضمن الوحدة؛ فالاختلاف بين الأديان ينبغي النظر إليه في هذا الإطار كما لو كان من قبيل التنوُّع المنطلِق من مصدرٍ واحدٍ، والمتحرِّك نحو هدفٍ واحدٍ. هذا يعني أنَّ الشبه القائم بين الأديان والناتج من اشتراكها في عناصر متشابهة هو شبَهٌ وظيفيّ، ليس المقصد منه انحلال الأديان إلى دينٍ واحدٍ أو تجريد النوع الدينيِّ الخاصِّ من فرادته الخاصَّة.

هذه المكتسبات المعرفيَّة الرفيعة لا بدَّ من أن تؤثِّر بعمقٍ في مستقبل الحوار بين الأديان؛ فبفضلها سيتحوَّل الحوار من محاولة إقناع ٍبصحَّة دين معيَّن، إلى اكتشاف كيف يُعبِّر الآخر عن الجوهر المشترك بطريقته الخاصَّة. وليس هذا فحسب، بل سيدرك المتحاورون أنَّ ما يسعَون إليه بواسطة دينهم هو عين ما يسعى إليه الآخرون، كلٌّ على طريقته. ذلك أنَّ "اكتشاف الدين في الأديان" هو الغاية القصوى لهذه الفسارة الجديدة.

وقد تكون خطَّة صعب في نزع "أوهام العلم وأوهام الدين" من أبرز الأدوات المعرفيَّة التي سيُزَوَّد بها العالم من بعده. إذ لم يكتفِ بنقد الأوهام التي يعتصم بها بعض المدافعين الدينيِّين، بل تعدَّاها إلى نقد غيرها من الأوهام التي يقع فيها بعض العلماء والمفكِّرين المادِّيِّين تحت عنوان "العلم". فالعلم، في نظر صعب، ليس قادرًا على إبطال الدين، ولا على إثبات وجود الله؛ لأنَّه نشاطٌ إنسانيٌّ له نطاقه ومنطقه الخاصَّان، ومتى ما تجاوزهما وقَع في "أوهام العلم". والعالم، بعد صعب، سيصبح أكثر تمكُّنًا من تمييز النطاقات المعرفيَّة، وأكثر وعيًا بأنَّ الصراع الحقيقيَّ ليس بين العلم والدين، بل بين "أوهام بعض الناطقين باسم العلم" و"أوهام بعض الناطقين باسم الدين". وإذا كان بعض العلماء يدَّعون أنَّ العلم قال كذا، وبعض المتديِّنين يدَّعون أنَّ الدين قال كذا، فإنَّ صعب ما فتئ ينبِّهنا إلى أنَّ "الدين والعلم لا يقولان شيئًا، والأحرى أنَّ من يقول هو بعض الناطقين باسم العلم أو باسم الدين". فـنزع فتيل الأوهام المهلكة عن الحقائق السَنيَّة سيكون المهمَّة الأولى للفلسفة المقبلة.

وليس أقلَّ من هذا أهمِّيَّة، ما بشَّر به صعب من "علمانيَّة ليِّنة" تلك التي لا تلغي الدين، بل تُحرِّره من استغلال السلطان السياسيّ. فقد أصاب في مشروعه حين رفض النموذجَين المتطرِّفَين، أي النموذج الدينيَّ الذي يقدِّس الحاكم ويجعله وليَّ أمر الله في الأرض، والنموذج العلمانيَّ الراديكاليَّ الذي يُقصي الدين من الحياة العامَّة بحجَّة الحياد. وبديلًا من ذلك، قدَّم مفهوم "العلمانيَّة اللَّيِّنة"، التي تفصل الدين عن الدولة، بدون أن تفصل المجتمع عن خصوصيَّات اختباراته الدينيَّة، ولا تمنع المؤسَّسات التربويَّة من تعليم الأديان بطريقةٍ موضوعيَّة ناقدة. العالم، بعد صعب، سيصبح – إذا ما استُلهِمت رؤيته – أكثر اقتدارًا على بناء دولةٍ مدنيَّة ترعى حرِّيَّة الاعتقاد، وتكفل الحقَّ في الاختلاف، وتصون حقوق الإنسان، وتحرِّر الدين من أَسر السياسة، والسياسة من أَسر الدين. وفي هذا السياق، يذكِّرنا صعب بأنَّ الحكَّام الدينيِّين "ليسوا سوى بشر، يُحمِّلون الله كلَّ موبقاتهم". والسؤال الذي يضعه في نهاية هذا النقد يبقى مُلِحًّا: "فكيف يمكن تفسير الانقلابات والاغتيالات التي ينفِّذونها، بعضهم على بعضٍ، باسم الدين والتصحيح الدينيّ؟" العالم بعد صعب سيكون أجدر بوضع هذه المفارقات تحت المجهر، وأقدر على فضح استغلال الدين لأغراضٍ سياسيَّة دنيئة.


وفي عمق رؤيته الفلسفيَّة، يتجلَّى مفهوم ثوريٌّ "للفرقة الناجية" في واحدةٍ من أبهى إشراقاته. فقد نسف صعب مفهوم "الفرقة الناجية" الذي طالما استُخدم لتكفير الآخرين وإلغائهم. إذ بيَّن أنَّ الخلاص ليس حكرًا على اسمٍ أو انتماءٍ ما، بل هو ثمرة الإيمان الحرِّ باللّه والمحبَّة العمليَّة للإنسان. فالفرقة الناجية – في نظره – هي "مجموعة أفرادٍ من كلِّ الفرق ومن خارج الفرق، استطاعوا بناء حياتهم على قاعدتَي حبِّ الله، وحبِّ الإنسان". ومن هنا تصبح عبارته البليغة مفتاحًا لتحرير الوعي من ادِّعاء القبض على الحقيقة المطلقة "الفرقة الناجية ناجية لا لأنَّها فرقة، لكنَّها فرقة لأنَّها ناجية". هذا المفهوم، إذا ما نضج في الوعي الجمعيّ، سيستنهض طاقاتٍ إغنائيَّة رحبة من التسامح والعيش المشترك، وسيحرِّر الأفراد من عصبيَّات الجماعة المقدَّسة، ويؤسِّس لأخلاق كونيَّة تنهض على قِيم الكرامة والعدالة والمحبَّة.

ومن أعمق المكتسبات التي سيورثها صعب للعالم هي نظريَّته في تعليم الدين. إذ لم يكتفِ بالنظريَّات المجرَّدة، بل قدَّم خطَّة تربويَّة عملانيَّة متكاملة لتعليم الدين في المدرسة العامَّة، تقوم على أساس مراعاة التعدُّديَّة. هذه الخطَّة تدعو إلى دراسة الأديان من مصادرها الأصليَّة، وفي إطارٍ متنوِّع التخصُّصات (تاريخيَّة، فلسفيَّة، نفسيَّة، اجتماعيَّة، وفنيَّة). كما ترفض النماذج التربويَّة التقليديَّة، من تعليم دينٍ واحدٍ إلى الإعراض عن تعليم الدين، إلى إحلال الأخلاق محلَّه. إنَّ العالم سيكون بعد صعب، إن أحسن استثمار هذه النظريَّة، أكثر براعة في تخريج أجيال تفهم دينها ودين الآخر، وتحترم المختلِف والمغاير، وتدرك أنَّ التنوُّع ليس عيبًا، بل هو غنًى وإشراقٌ للحياة.

لا مراء في القول إنَّ العالم لن يتحوَّل بين ليلةٍ وضحاها إلى فردوسٍ أفلاطونيٍّ بفعل أفكار فيلسوفٍ واحد. فالأوهام التي كشف عنها صعب متجذِّرةٌ في النفوس والمؤسَّسات، ومستحكِمةٌ في الصراعات الدينيَّة والسياسيَّة، ولا تُحَلُّ بمجرَّد نظريَّات أنيقة وحسب. لكن ما يمكن أن يقدِّمه مشروعُ صعب للعالم هو أدواتٌ منهجيَّة ومفاهيميَّة تُعين على تفكيك الأوهام، وتمييز الجوهر عن العرَض، والمباينة بين الدين واستغلالاته، وبناء حوار حقيقيٍّ بين الأديان والثقافات. سيكون العالم بعد صعب أشبه بتلميذ يتعلَّم كيف يُفكِّر، لا كيف يكرِّر. سيكون عالـمًا يُصغي أكثر إلى أسئلة الإنسان الفطريَّة، ويثق أكثر بقدرة العقل والإيمان على الائتلاف، ويتذكَّر دائمًا أنَّ "الحياة الإنسانيَّة هي نقطة التلاقي بين العلم والدين"، وأنَّ الفلسفة، في أسمى معانيها، هي "فعل وجوديٌّ خلَّاق، ينبثق من خصوصيَّة الإحساسات الذاتيَّة وتنوُّع الاختبارات الشخصيَّة".


وخلاصة القول، إنَّ العالم بعد أديب صعب سيكون عالمَين في آن: عالـمًا أكثر وعيًا بالخطر الذي تمثِّله الأوهام الإلغائيَّة، وعالـمًا أكثر تشبُّثًا بمبدأ "الوحدة في التنوُّع". سيكون عالـمًا يُدرك أنَّ الفلسفة ليست عدوَّة الدين، بل حليفته في التحرير من الخرافات والاستغلال والتعصُّب. وسيكون عالـمًا يعرف أنَّ الإنسان، كما وصفه صعب، "كائن يعقل ويؤمن بكيانه كلِّه، ولا يمكن بأيِّ منطق أن نجعل العقل مستقلًّا عن الحسّ، ولا الإيمان مستقلًّا عن العقل".

رحم الله معلِّمنا أديب صعب وأسكنه حيث مرسى النور، وجزاه عن الفلسفة والدين والعقل والإيمان خير الجزاء.



    الأب سبيرو كبَّاش: كاهن في أبرشيَّة حمص للروم الأرثوذكس. حائز إجازة في اللاهوت وماجستير في الفلسفة، وهو متخصِّص في كتابة الأيقونات البيزنطيَّة.

[email protected]




تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق